on
Archived: السويداء تفتقد لقوة حقيقية تقف في وجه النظام
خالد القضماني: كلنا شركاء
منذ انطلاق الثورة السورية في عام 2011 كان للسويداء خصوصية واضحة لدى كل أطراف الصراع في سوريا، فالنظام كان وما يزال يحاول تطويع المحافظة بشكل كامل، وذلك عبر عدة سياسيات متعلقة بالتقدم الميداني في الساحة الداخلية والتقلبات السياسية في الساحة الإقليمية.
هذه السياسيات كان تعتمد وبشكل غير مألوف على طبيعة النظام الأمنية والعسكرية الحذر في التعاطي مع شرائح المحافظة كاملة.
في البداية قوبل حراك السويداء المحصور بالطبقة السياسية المعارضة للنظام بمستوى مخفف من العنف مقارنة بالمحافظات الأخرى، وذلك لمنع تحول الحراك فيها لحراك ذو مد شعبي يَفقد النظام من خلاله صورة الحامي الوحيد للأقليات في المنطقة، وينفي عن الثورة السورية صبغة التيار الواحد، ألا وهو التيار الإسلامي السني حصراً.
السويداء كمحافظة ذات أغلبية درزية التزمت منذ البداية بسياسة عدم التحزب خوفاً من الانزلاق فيما بعد في صراع مع المحيط السني، وفي نفس الوقت خوفاً من بطش النظام.
ولكن هذه السياسة سرعان ما تغيرت وخاصة بعد وصول قوافل القتلى الدروز من الجيش السوري، وتجلى هذا الأمر بظهور ما يسمى “مشايخ الكرامة” وهي حركة يقودها رجال دين دروز من السويداء يترأسهم الشيخ “وحيد البلعوس”، تهدف لحماية الشباب الدرزي من السوق الإجباري للخدمة العسكرية، وبناء شكل بسيط من أشكال الإدارة المحلية في المحافظة.
لا شك أن هذه الحركة كان لها مد شعبي في المحافظة خاصة، وأنها أظهرت نوعاً من القيادة كانت غائبة عن جبل العرب منذ رحيل القائد “سلطان باشا الأطرش”.
فالنظام أدرك منذ البداية خطر هكذا حركة عليه في السويداء، ولكنه لم يشأ الدخول في مواجهة مباشرة معها خوفاً من الارتدادات، خاصة وأن المحافظة يسودها جو من الغضب والتذمر نتيجة لموجة الغلاء في كل جوانب الحياة وتزايد عدد القتلى الدروز في الجيش السوري.
واعتمد النظام في البداية على مشايخه في السويداء، والمقصود هنا مشايخ العقل والذين يترأسهم “حكمت الهجري”، وذلك عن طريق إصدار بيان يجرم “وحيد البلعوس” ومن معه.
ولكن لم يكن هناك صدىً واضح للبيان في الوسط العام داخل المحافظة، لا بل أن ذلك ساعد في ارتفاع نشاط الحركة، خاصة بعد أن تيقنوا من حجم الدعم الشعبي الذي يتلقونه من سكان الجبل.
وعملت الحركة بعد ذلك على إنهاء السطوة الأمنية للنظام في المدينة، وذلك عبر استهداف حواجزه وإعلانها عن حماية شباب المحافظة الغير راغبين في الخدمة العسكرية، ولم تنته القائمة بمنع آليات النظام الثقيلة من مغادرة الجبل وذلك في محاولة من النظام لزج المحافظة بحرب دامية مع تنظيم “داعش” الذي يتموضع شرق السويداء.
وأصدر النظام عقب ذلك أوامره باغتيال الشيخ “البلعوس”، وذلك تمثل بعدة محاولات فاشلة قبل أن يقوم النظام بتفخيخ موكب لحركة “مشايخ الكرامة”، راح ضحيته العشرات من أبناء المحافظة، بالإضافة لقائد مشايخ الكرامة الشيخ “البلعوس”.
النظام تنبه بعد ظاهرة “مشايخ الكرامة” في السويداء للمشكلة الحقيقية التي يواجهها في المحافظة، وهي أن السويداء غير خاضعة له بشكل كامل، وأن أكذوبة حامي الأقليات لم تعد تأتي ثمارها لدى أهالي المحافظة، وخاصة وأن هناك ما يزيد عن الـ (30) ألف متخلف عن الخدمة العسكرية، وذلك حسب تصريحات مباشرة من إعلام النظام.
ولم يكتف النظام فقط بمحاولة إعادة الهيمنة الأمنية على المحافظة، بل قام بعد حادثة اختطاف وقتل أمين فرع الحزب “شبلي جنود” بشن حملة اعتقالات طالت الكثير من الناشطين، ولكن بطرق جديدة، وذلك عن طريق قيام مجموعة من المسلحين بأعمال الاختطاف في وضح النهار، كحادثة اختطاف الدكتور “عاطف ملاك” أو محاولة اختطاف “معن الزغبي” المعروف بمعارضته للنظام وتأييده لـ “البلعوس”.
عمليات الاختطاف تلك لم تلق مقاومة حقيقية من أهالي الجبل، وخاصة أنه بعد اغتيال “البلعوس” كانت المحافظة على شفى صراع داخلي بين الفصائل المسلحة الداعمة للنظام ومشايخ الكرامة، وذلك أدى إلى تخوف الناس من أي عمل يقود لمفاقمة الوضع والوصول إلى ما لا تحمد عقباه.
واليوم يفتح النظام صفحة الخدمة الإلزامية من جديد في المحافظة، وخاصة بعد أن أعطى مشايخه تفويضاً كاملاً لرئيس فرع الأمن العسكري في السويداء “وفيق ناصر” بالقيام بأي تصرف في الجبل.
وعلى هذا قام النظام من جديد بتوزيع الحواجز في المحافظة لاعتقال الشباب وزجهم عنوة في الصراع الدامي، واعتقال كل من كان له علاقة بظاهرة “مشايخ الكرامة” أو بأي نشاطٍ معادٍ للنظام في الفترة الماضية.
فخوف الناس في الجبل من انسحاب فجائي للنظام يترك المحافظة وحيدة مع بعض الفصائل المسلحة لمواجهة “داعش” وأخواتها المتمرسين في القتال، ساعد النظام في مهمته لتطويع المحافظة من جديد، فالنظام ارتكز على سياسة حمل العصا من المنتصف، فهو لم يدخل في مواجهة مسلحة مع معارضيه الدروز، وإنما ترك الجبل لصراعات داخلية ستكون نتيجتها على الأغلب عودة الناس للنظام طلباً للأمن والاستقرار، حتى ولو كان ذلك على حساب دماء أبنائهم.
ورغم صدور العديد من البيانات من عدة قرىً في السويداء من مجموعات شبابية مناصرة لحركة “الكرامة” والتي تتوعد النظام في حال قيامه باعتقال الشباب للخدمة العسكرية بمهاجمة فروعه، يبقى الوضع متوتراً في ظل غياب قوة حقيقية تقف في وجه النظام، خاصة في حالة الخوف المنتشر بين الناس.
ويبقى السؤال: هل السويداء حقاً مستعدة للابتعاد عن النظام، وهل هي قادرة على بناء علاقات مع المحيط تؤمنها من شرور الحرب، وتحمي شبابها من دوامة الصراع في سوريا؟
اقرأ:
عتاب محمود: حجارة القرداحة لبناء ما تهدم من السويداء, ولكن ماذا عن بقية حجارة الساحل؟
Tags: محرر