Archived: مروان حبش: المعارضة ومؤتمر فيينا2

مروان حبش: كلنا شركاء

  إن مخاطر بحجم ما يتعرض له الوطن وما يواجهه الشعب، هددت كيان الدولة ومزقت وحدة المجتمع بكل بناه الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وبكل الأجندات التي دخلت ساحة الصراع  ووفَّرت مناخاً وحاضنةً لتدخل دول إقليمية ودولية في الشأن السوري، وأصبحت هذه القوى لاعباً رئيساً في تحديد مسارات ما يعصف بالوطن والشعب، ومن خلال مصالح لها لا تكترث إطلاقاً بما يحدث للشعوب والأوطان من دمار وما يسفك من دماء وينزح من بشر.

  إن مخاطر بهذه الكارثية لا يمكن التغلب عليها بوسائل العنف، لأن الحرب وحش مفترس، والاستحواذ على السلطة بواسطة فوهة البندقية، أو انتخابات غير سليمة، ولَّى زمانه، وإن السلاح لو انتصر لن يحقق هدف الحرية والكرامة، ولن يأتي بالنظام الديمقراطي.

  إن السبيل الأكثر نجاعة للانتصار على هذه المخاطر وإنقاذ الوطن، بكل ما يتطلبه من تضحيات جسيمة وتنازلات كبيرة، يكون بالسير نحو التفاوض  على بدء مرحلة انتقالية بين جميع الذين يَعون أن الوطنية هي إحساس عال بالمسؤولية تجاه الشعب والوطن، ومن هذا المفهوم وهذه القيمة الأخلاقية بامتياز عليهم أن يدركوا ضرورة تغيير جذري لما هو قائم من استبداد واعتقال وفساد ونفي وتهميش وبكل ما يعني ذلك من إهانة وإذلال.

  إن البحث عن أي عملية سياسية تعطي الشعب بصيص أمل يحمل مستجدات الانطلاق منها والعمل على تطويرها، وحتى لو كان الأمر يستدعي تقديم التنازلات الكبيرة والموجعة للبعض، والتسويات السياسية بين أطراف الصراع، وليس هناك أفضل من المكاشفة والتفاهم على طاولة حوار وطني مكشوف ومسؤول ، ينهي مشاهد الموت والدمار والنزوح، ويقود إلى الخروج من أتون محنة العنف القاسي والدامي، وإحلال السلام والوئام والاستقرار، محل الصراع والخراب والاقتتال.

   إن التدخلات العسكرية المباشرة وغير المباشرة من قوى متعددة إقليمية ودولية، أطالت البحث للعثور على حلول ضرورية وملحة تنقذ الوطن والشعب من أهوال ما يتعرض له. لذا ليست الأماني بل الوقائع هي التي كانت تمنع فرض حلول وخطوات أحادية الجانب في عملية التسوية وفي فرض إيقاع وشروط الحل، كما أنه لا يجوز خدا ع النفس بالنسبة إلى الصعوبات، لأن ما يعيق التقدم هو تلك الخرسانة الإسمنتية بعلوها وسماكتها من انعدام الثقة بين اللاعبين في الداخل وفي المجتمع الدولي. وأي خرق لذلك يحتاج إلى بذل جهد جماعي وخلاق.

   إن عدم حسم أي طرف للصراع لصالحه على الأرض طوال السنوات الماضية، واختلاف الأطراف المشاركين بخصوص تشخيص المشكلة، وبالتالي تشخيص الحل، فثمة من يرى إن الأمر يتطلب بداية تغيير النظام، وثمة من يرى إن المشكلة تتعلق بمحاربة الإرهاب قبل أي شيء آخر. ومن ناحية أخرى، وجود الإدارة الأمريكية في لحظة تخلي، أو لحظة لا مبالاة إزاء الوضع السوري، إما رغبة منها بالانسحاب من الرمال المتحركة للمنطقة، أو سعياً منها لإغراق الأطراف الآخرين فيه، أو لشعورها أن كل الأمور ستؤول إليها في المحصلة الأخيرة، من دون دفع أية تكلفة، أو بأثمان أقل.

كل هذا أوصل السوريين إلى مرحلة فقدان الأمل، رغم إدراكهم بأنه غير مستحيل، وأنهم في حاجة إلى دعم دولي وإقليمي يساعدهم على إنهاء معاناتهم.

  إن اجتماع الدول الذي أخذ معنى آخر” بعد اعتداءات باريس”، في فيينا” يوم السبت 14/11  وهي الدول الداعمة لأطراف النزاع المختلفة في سوريا، تمخض عن جدول زمني للتحول السياسي في سوريا، يهدف إلى إنهاء الحرب الدائرة في البلاد، وعلى الرغم من أن الاتفاق لم يحسم قضايا ظلت عالقة، فإن كبرى  البلدان الدولية والإقليمية هذه، التي التقت على طاولة واحدة، وانطلاقاً مما تضمنه بيانها الختامي من نقاط توافق،  ستكون هي الأساس في أية تسوية. وإن الاختراق، الذي حصل في مؤتمري فيينا بناء على  المستجدات العديدة التي طرأت، منها تحديد الأول من كانون الثاني موعداً لبدء محادثات بين وفدي الحكومة والمعارضة على أن تصل المفاوضات بين الأطراف السورية المتنازعة إلى تشكيل حكومة انتقالية ” ذات مصداقية وشاملة وغير طائفية”، تحدد جدولا زمنيا لكتابة دستور جديد. كما تم التأكيد بأن الأهداف الأساسية لهذه المحادثات تشمل تعزيز الحوار بين السوريين بمشاركة جميع القوى الدولية والإقليمية المؤثرة. سيكون هذا الاختراق مرجعية للعملية السياسية بديلاً عن بيان جنيف 1 .

       إذاً حصل في لقاءات فيينا خيط من ثقة،كما تم التأكيد بأن الأهداف الأساسية لهذه المحادثات تشمل تعزيز الحوار بين السوريين بمشاركة جميع القوى الدولية والإقليمية المؤثرة. وعلى السوريين العمل كي لا ينقطع هذا الخيط، كما عليهم حث القوى الدولية بالعمل لتفكيك العقد، وأنها إذا اختارت عكس ذلك تكون قد قوضت إمكانية فعاليتها. وكذلك يجب على السوريين عدم تفويت الفرصة التي أتاحتها لقاءات فيينا، في صياغة عملية سياسية لإنهاء محنة الشعب، تتمخض عن تحديد أهداف قابلة للتحقق، وتنتهي بانتصار قضية الشعب في الحرية والديمقراطية.

مع كل الحرص وبذل الجهد بأنه مع انطلاق العملية السياسية، يجب أن يعزل السلاح عنها، وأن تركز الجهود لدفعه معارضة- نظام لتنفيذ عمليات مشتركة ضد مواقع الجماعات التي سَتُصنف بأنها إرهابية، لما لهذا الحدث من أثر إيجابي يقود لتشكيل كيان عسكري وطني موحد يضمن فرض السيطرة على السلاح خلال العملية السياسية وبعدها، ويساهم بفعالية لاستعادة اللحمة الوطنية. والحفاظ على وحدة سوريا أرضاً وشعباً ومؤسسات.

إن ما يحصل في سورية يبيّن، أيضا، أن الكارثة السورية لم تعد تقتصر على كونها قضية شعب في مواجهة نظام، أو قضية تغيير سياسي، وأنها لم تعد تتعلق بالتصارع على النفوذ بين الدول الإقليمية المعنية، إذ أنها أضحت، فوق هذا وذاك، بمثابة قضية دولية بكل معنى الكلمة، وأن “الدول المجتمعة حول الطاولة في فيينا عانت جميعها من الألم نفسه والرعب نفسه والصدمة نفسها، مثل  ما حدث في ” روسيا وتركيا ومصر وفرنسا”، كما حصلت العديد من التطورات، أهمها: أولاً، تفاقم قضية اللاجئين السوريين، التي أضحت مشكلة عالمية بقدر ما هي مشكلة داخلية في أوروبا، وداخل كل دولة أوروبية. و التدخل العسكري الروسي في سوريا في خطوة غير مسبوقة، مع ما تحمله هذه الخطوة من دلالات كبيرة تتعلق بطموحات روسيا بوتين، وتخص سعيها تغيير توازن القوى العالمي. وتفاقم المخاطر الناجمة عن صعود الجماعات الراديكالية المتطرفة، وهي مخاطر تلامس الأمن الإقليمي والدولي.

على هذه الخلفية فإن مشهد الصراع في سوريا، وعليها، بات محكوماً بالمسارات الآتية:

أولاً، أن تقرير مستقبل سوريا لم يعد شأناً للسوريين وحدهم على اختلافاتهم أو توافقاتهم، وإنما بات رهناً بما يقرره الأطراف الدوليون والإقليميون.

ثانيا، إن النظام العربي لا يحضر على نحو كاف في الحراكات الجارية، ما يعكس ضعفه واستنكافه عن دوره، وتخليه عن السوريين. ولا شك أن هذا يعكس، أيضاً، اختلاف الدول العربية من حول سوريا، كما يعكس تزايد دور الدول الإقليمية، غير العربية، في المجال الإقليمي العربي، لاسيما إيران وتركيا، دون أن ننسى إسرائيل طبعاً.

كان التأكيد، خلال مؤتمر القاهرة2 الذي هدفت منه بعض شخصيات ومكونات المعارضة على تكوين جسم معارض مقنع  ويتمتع بالمصداقية، ووفق معايير لتعريف (من هو المعارض) وهو  ما حاولت تحقيقه من مخرجاته (وثيقة مبادئ أساسية، وخارطة طريق)،  بأن ما يجب التركيز عليه هو استمرار الجهود للعمل على حل المعضلة السورية، ودوام البحث عن عملية تفاوضية تشمل جميع القوى الملتزمة بالعملية السياسية للوصول إلى دولة المواطنة والنظام الديمقراطي. وعلى المفاوضين يجب أن يجترحوا الحلول، انطلاقاً من أن لا يكون القاسم المشترك بينهم محاربة الإرهاب فقط، بل يجب أن يتم الاتفاق على الموضوعات الرئيس والأساس كضرورة لنجاح العملية السياسية مع عدم التغاضي عن مسببات ما يحدث في سورية.

  إن الاتفاق الذي حدد  الأول من يناير/كانون الثاني موعداً لبدء محادثات بين وفدي الحكومة والمعارضة، أعطى  المبعوث الأممي الخاص لسوريا ستيفان دي ميستورا مهمة تحديد من سيجلس من المعارضة  إلى طاولة المفاوضات، ولابد للمبعوث الأممي أن يدرك بأن الشعب الذي قدم كل هذه التضحيات يطالب بتحقيق أوسع تمثيل للمعارضة السورية كي تكون العملية السياسية ذات صدقية ومقبولة شعبياً، وهذا لا يمكن أن يلغي بأن الشعب لا يمنح ثقته لمفاوض/مفاوضة يمثله/ تمثله، إلاَّ لمن يحمل/تحمل:

  وأن يتركز هدف التفاوض على ضرورة تحرير الذات الوطنية وتحصينها في:

  1. تثبيت الكيان الوطني (دولة المواطنة) على ركائز ثلاث:

آ-وحدة غير قابلة للفصم للشعب والأرض.

 ب- حقوق المواطنة، أي أن للأفراد والجماعات الإثنية والدينية (بمذاهبها وطوائفها) وللجنسين في المجتمع حقوقاً سياسية وثقافية واجتماعية متساوية، وللجميع حق الوصول إلى الثروة الوطنية.

ج – حق التمتع بحماية متكافئة أمام القانون.

4- رأب الصدع بين مكونات المجتمع واستعادة اللحمة للنسيج المجتمعي.عبر:





Tags: محرر