Archived: د. محمد حسام الحافظ: كلفة بقاء الطاغية

د. محمد حسام الحافظ: التجمع الوطني

لم تعد كلفة بقاء نظام متوحش كنظام بشار الأسد كلفة محليةً سورية أو حتى إقليمية فحسب، بل أضحى ثمن استمرار وجود هذا الكم الكبير من الظلم المرتبط بالنظام السوري وداعميه والذي أنتج بحاراً من الدم وأكواناً من الدمار وموجاتٍ لا حصر لها من التشرد واللجوء ثمناً دولياً لا يمكن تحمله؛ وكما نرى في أحداث باريس المدانة…إنه ثمن مرتفع جداً.

بالطبع دفع السوريون أثماناً باهظة لسماحهم هم أنفسهم بأن يكونوا طيلة خمسين عاماً وقوداً لآلة همجية طحنت حياتهم ومستقبل أبنائهم في سبيل إبقاء حفنة من المنتفعين على رأس السلطة…نعم ولكنهم يدفعون الجزء الأكبر أيضاً من فاتورة تسامح العالم مع بقاء أنظمة شمولية فاسدة مناهضة للإنسانية لا ترى مشكلة في توظيف الإرهاب والقتل أدواتٍ في الصراع من أجل بقائها واستمرارها دون أدنى اعتبار للقيم الانسانية. كما يدفع السوريون أيضاً ثمن تحالف الطغيان والطائفية الاقليمية مع أنظمة دولية لم تتطور كثيراً منذ الحرب العالمية الثانية مقابل برود وبلادة معسكرات الدول الأخرى – ومنها الدول العربية – التي لم تعتقد أبداً أن التحدي سيكون بهذه الجدية والندية، وأن الإعصار سيصل لا محالة إلى شواطىء الجميع.

لا يملك أمثالنا مراكز تحليل ممولة ولا تقنيات معلوماتية قادرة على اختراق مصادر الاتصالات والتواصل الاكترونية وعلى الشبكة العنكبوتية كما هي حال المنظمات والدول التي تعرف تماما ما يجري، إلا أننا بالمقابل لا نعدم أن ندرس العشرات من القرائن والأحداث التي تشير دلالاتها بشكل جازم إلى أن هناك من يدفع باتجاهات معينة من خلال استعمال العنف والارهاب لأن لديه القدرة على ذلك، ولأن تلك الاتجاهات تصب في مصلحته الآنية على أقل تقدير.

يتهمنا كثير من مفكري الغرب بأننا ذوو تفكير مؤامراتي، أي بأننا ننطلق في تفسيرنا للشؤون الدولية وحتى الداخلية من منطلق وجود “آخر” يخطط لتحقيق مآربه وأهدافه من خلال التحكم بسير الأمور في هذا الجزء من العالم. وفي حين أن التفكير المؤامراتي مرفوض إن تم الانطلاق منه كأساس وحيد للتفكير إلا أن التخطيط المدروس لأحداث تجري في هذه البقعة أو تلك هو جزء لا يتجزأ من الواقع ومن التحليل النابع من المدرسة الواقعية التي تعتبر المفضلة في جزء كبير من العالم. فالعالم بالنسبة لهم مكان يوصف بالتوحش والفوضى والمنافسة، وهم يرَون أن الساحة الدولية هي ساحة صراع دائم تُستعمل فيها أدوات مختلفة. وفي خضم هذا العالم المملوء بالصراعات، والمرسوم بأيديهم كل شيء مسموح، ومكان المصادفة فيه مكان ضيق للغاية سواء مكانياً أو زمانياً أو ظرفياً. وتلتقي هذه النظرة القاسية مع إيمان الأنظمة القمعية كالنظام السوري بأن من حقها الدوس على كل القيم الانسانية واستعمال القوة وكل العنف الممكن ضد شعوبها في سبيل الاحتفاظ بامتيازات السلطة، أو فرض إيديولوجيات تخدم استمرارها في الوجود، ولعل لعبة خلق بؤر الإرهاب واستعماله هي اللعبة المناسبة للأنظمة الأكثر تخلفاً وانحطاطاً.

فأنْ نَشهد تفجيراتٍ أوهجمات “إرهابية” متنوعة قُبيل أو بالتزامن مع كل وجود لبعثة الجامعة العربية أو البعثة الأممية في سورية لم يكن أبداً وليد المصادفة، خاصة عند ربط التوقيت آنذاك بمشاهد عبث مذيعي النظام بمسارح التفجيرات لزيادة تأثير الصورة ومشاهد أخرى لضحايا يتحركون بصحة وعافية بعد الانتهاء من تصوير الحدث. وبمعيار مماثل لا يمكن قراءة حدث مؤلم كتفجير الطائرة الروسية بمدنييها في هذا التوقيت على أنه مجرد رد فعل من مجموعات “جهادية” منفلتة من كل ضابط، وكذلك تفجيرات بيروت، وأخيراً الأعمال الإرهابية في باريس اليوم، وذلك تزامناً مع اجتماعات فيينا التي يناقش المؤتمرون في جزء منها تصنيف “الجماعات المسلحة” في سورية ما بين إرهابية أو غير إرهابية، وقُبيل اجتماعات مجموعة العشرين التي ستطرح الشأن السوري في صدر جدول أعمالها. كما لا يمكن تجاهل مكان الحدث الإجرامي أيضاً، إنه باريس قلب العلمانية الحديثة، ومهد التنوير في الحضارة الأوروبية، وهي بالوقت ذاته الدولة صاحبة التوجه الواضح في الدعوة لإسقاط نظام الأسد؛ فلن تجد أفضل منها منبراً للابتزاز السياسي والأمني.

ومن جانب آخر لا يمكن لنا اليوم إلا أن نبحث عن المستفيد من كل هذا القتل الخارج من رحم الإرهاب هذه المرة…لا يمكن لنا إلا أن نصغي لتصريحات الجعفري – ممثل النظام في نيويورك – الطافحة بالشماتة، ونلاحظ سعادة أوساط النظام السوري وداعميه بالعمليات الإرهابية الدموية المدانة في باريس؛ إذ تفضح تعليقاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي كيف يفكر هؤلاء. انتشرت على مواقعهم تعليقات شامتة ومستغلة للحدث من قبيل “طباخ السمّ سيذوقه لا شك” و “ألم نقل لكم إنهم إرهابيون” وكثير من التعليقات السمجة التي تمجد رأس النظام السوري كمحارب علماني عنيد يخوض حرباً ضد “الإرهاب الإسلامي”. كما لا يمكن للمتابع إلا أن يرى الضخ الاعلامي والتحريض ضد تركيا وحزب العدالة والتنمية باعتباره حزباً إسلامياً أيضاً ومن ثَمّ فهو داعم لـ “لإرهاب الاسلامي”.

هذه القرائن المترابطة في سياق محلي وإقليمي ودولي تدفع لتوجيه مسار الأحداث نحو بندٍ واحد على الأجندة الدولية، وهي التعاون في مكافحة الإرهاب، على الرغم من أنهم يعرفون جيدا أن هذا اللون من الإرهاب العابر للقارات هو إرهاب منظم وليس عشوائياً، وهو مدعوم بأنظمة ونظم استخباراتية لدولٍ قمعية … إنه ارهاب متخصص زَرع بذرتَه إجرام النظام الاسدي، وسمَّد تربته طائفيون إقليميون آخرون، وسقتْه أنظمة بائدة…هؤلاء يُؤلمهم بشدة أن يرَوا في المحافل الدولية بنوداً تتعلق بحقوق الإنسان والتنمية وبمبدأ وقف عنف الأنظمة الموجه ضد الشعوب المقهورة، ويُقلقهم طرحُ مبدأ العدالة الجنائية الدولية، وسَوقُ مجرمي الحرب للمحاسبة الجنائية. هؤلاء الماهرون جداً في اقتراف العنف والإيغال في الدم والارهاب في سورية وفي العالم هم أنفسهم أبرع الناس في ابتزاز البشرية وجرِّها جراً لمقاربة وحيدة في هذا العالم البائس …

أيها العالم، المعادلةُ واضحةٌ وسهلة… نظام الأسد الذي قتل مئات الآلاف من المدنيين السوريين هو المساهم الأكبر في توليد الإرهاب واستعماله، ومجردُ السماح للنظام في الوجود وفي ممارسة القتل والتدمير بأشد الأسلحة فتكاً؛ قهراً لشعبه وسعياً للاستمرار في الحكم: يعني أن الإرهاب ما زال يجد التربة الخصبة للحياة…

ببساطة، ساعدوا الشعب السوري في تحقيق الانتقال السياسي من النظام الحالي إلى دولة تعددية ديمقراطية محترمة حتى يتفرغ العالم أجمع لمواجهة ما بقي من إرهاب بعد الأسـد إنْ بقي منه شيء…

اقرأ:

د. محمد حسام الحافظ: جنيف وفيينا… ونحن





Tags: محرر