on
هنادي زحلوط: حدث على حدود جمهورية طرطوس
هنادي زحلوط: كلنا شركاء
كانت العائلة ترغب بقضاء يوم مشمش على شاطئ البحر، توجهوا بسيارتهم إلى طرطوس، ووصلوا إلى حدود المدينة النائمة الوادعة اللطيفة البسيطة.
يلوح أمام بصرك وبصر أطفالك الذين يتوقون للأزرق المتربع هناك منبسطاً كلوحة مائية عليها السفينة البعيدة الراسية.
يصرخ طفلك من ورائك بسعادة: بابا أنا شايف البحر.. ويبدأ بنفخ دولابه المائي مستعداً للسباحة أمام وصولهم للشاطئ الشعبي المعهود.
الشمس حادة والرطوبة عالية ومكيف السيارة مطفأً لتوفير مادة البنزين التي حصل عليها الأب من السوق السوداء برقم خيالي.
لكنه العيد ولابد من بهجة في سياحة صغيرة للأسرة للمتعبة.
تقف سيارتهم المتواضعة أمام رتل طويل على الحاجز الأساسي لطرطوس القريب من المشفى العام أول مدخل طرطوس، لا أحد يتململ من المنتظرين فالتفتيش واجب ولابد من الحذر أمام التفخيخ.
كان الأب يلاحظ أن الحاجز يطلب من البعض النزول لكنه لم يهتم، فطفلاه صغيران، وهو ناهز الخامسة والخمسين، فلن يفكروا بفكرة سحبه للاحتياط على هذا الحاجز.
زوجته لا تضع نقاباً ولا حتى حجابا، وللأسف قد يكون ذلك نقطة إيجابية بنظر الحاجز المتخم بالطائفية، وتبقى نمرة السيارة (حمص) هي النقطة السوداء الوحيدة بنظر الحاجز المنتظر، فهذه الكلمة وحدها كفيلة بإثارة حفيظتهم.
جاء دور سيارتهم أخيراً وطلب العنصر الهوية، بادره الأب بهويته معرفاً عن نفسه بأنه طبيب.
قلب الشاب الهوية ونظر في السيارة، فطلب دون تردد هويات الجميع.
فقال له: مين الكل؟ هي هويتي وهوية مرتي.. وولادي صغار.
– بلا مبالاة: اعطيني دفتر العيلة.
ترد الزوجة بخوف وقلق: ما جبتو معي!
يضرب العنصر بيده بلور السيارة بعصبية: صفوا هنيك جنب السيارات.. ويصادر الهويات!
لا يعلق الأب.. مستغرباً التصرف لكنه انصاع كون المكان المطلوب منه أن يقف فيه يوجد فيه سواه عشرات السيارات.
يوقف سيارته أخيراً وينزل وينتظر، كان صفاً طويلاً من المنتظرين..
نظر الأب وهو يتابع أرقام ونمر السيارات.. حلب.. إدلب.. حماه.. دمشق.. حمص!
فكر أن السيارة الغريبة قد تستلزم بعض الإجراءات فارتاح قليلاً، هو ليس الأول وليس الأخير، انضم بعده للرتل سيارتان أخريان!
وجاء دوره بعد انتظار يقارب الساعة..
دخل “الكولبة” الصغيرة، وسأله الضابط دون أن ينظر في وجهه منادياً اسمه، فرد: حاضر!
ذكر اسم زوجته.. فأخبره أنها في السيارة، فقال له: خليها تتلحلح وتنزل..
أومأ الرجل لزوجته بأن تنزل وفعلاً وافته إلى “الكولبة”.
نظر الضابط إلى المرأة نظرة مريبة، وسأل الأب دون أن يرفع عينيه عن الزوجة: اكتبوا هون الاسم والكنية والهدف من الزيارة لمدينة طرطوس.
نظر الأب ولم يستطع منع ضحكة سخرية أفلتت من شفتيه: كيف يعني الهدف من الزيارة؟
الضابط: ماعم امزح هون.. ليش جاي عطرطوس.. ولعند مين جاي..
الأب: بدي زور ابن خالتي عامل عملية وسبح الولاد بمية البحر فيها مشكلة شي؟
الضابط: لاء مافيها مشكلة وليش عصبت؟ سجللي عنوان ابن خالتك وسكنو ووين بدك تتحرك بطرطوس.. ويلا بسرعة في وراك عالم بدها تخلص.
أمسك الأب الورقة ليجدها
الاسم
الكنية
ساعة الدخول
الهدف من الزيارة ولم الزيارة
وطلب منه أن يسجل أرقام هواتف قريبه
وبعد الانتهاء من التسجيل.. سأله الضابط : كم يوم ضالل بطرطوس؟
أردف الأب: اليوم بس!
بكرم حاتم الطائي يردف الضابط: معك يومين خيو.. انبسطوا بهالبحر وسبح الولاد.. مية الملح كيسة! وسجل الهدف من الزيارة للسياحة!!
وانتهت الإجراءات التي استغرقت ساعة تقريباً.
واستعاد هو وزوجته هوياتهم، وكانوا محظوظين لذلك فقد كان هناك بعض العائلات لم يسمح لها بالدخول.. لأسباب لم يصرح عنها!
ابتعد الرجل بسيارته وهو يتابع عشرات السيارات المتوقفة وراءه، لم يعد يرى البحر، بل لاحت بباله فكرة امتدت على طول البحر وغطته، هل هو بساط التقسيم يفرد بلون أسود..
ولاحت له لافتة سوداء قرأها دماغه في الحال: جمهورية طرطوس العظيمة ترحب بكم!
Tags: محرر