on
العميد الركن أحمد رحال: (ترامب) يهدد بسحق (بشار الأسد)
العميد الركن أحمد رحال: كلنا شركاء
عندما يصدر التهديد الأمريكي لنظام الأسد بضربة جوية قاصمة إذا ما عاد واستخدم السلاح الكيماوي ضد الشعب السوري, وأن حدود الضربة لن تتوقف على مكان الاستخدام بل ستطال مفاصل حساسة بجيشه وبقصوره, فإن التهديد يؤخذ على محمل الجد وتهتز له فرائص الأسد ونظامه.
وعندما يصدر التهديد عن البيت الأبيض ووزارة الخارجية في اللحظة التي يكون فيها وزير الدفاع الأمريكي بزيارة لألمانيا ورئيس أركانه بزيارة لأفغانستان, فهذا يعني أن هناك مستجدات متسارعة ولا تحتمل التأجيل دفعت بإدارة الرئيس الأمريكي “ترامب” لإصدار هذا التهديد نيابة وعدم انتظاراً لعودة القيادة العسكرية الأمريكية لواشنطن.
التفاصيل العسكرية للتهديد الأمريكي استندت لمنظومة استطلاع عسكرية هي الأكبر والأدق والأكثر خبرة في العالم, وتستند لعناصر المنظومة الاستطلاعية التي تضم الاستطلاع الفضائي والاستطلاع الجوي والاستخبارات الأرضية, فالأقمار الصناعية الأمريكية التي تغطي كل مساحات العالم والمناطق الساخنة بشكل خاص ليست بعيدة عن الجغرافية السورية ودقائق المستجدات فيها وخاصة أنها المنطقة الأكثر سخونة من الناحية العسكرية في العالم, والطائرات الاستطلاعية الأمريكية العملاقة لا تغيب عن سماء وفضاء سورية, وأيضاً لا يمكن تناسي قدرة الاستخبارات الأمريكية على تجنيد عملاء لها داخل الأراضي السورية وفي كلا جانبي الصراع للحصول على المعلومات أو لتدقيق المعلومات التي تم الحصول عليها من مصادر أخرى.
ما رشح عن الدوائر الخاصة الأمريكية بخصوص التهديد الأمريكي نجم عن معلومات تفيد بأن هناك رصد لتحركات وأرتال وقوافل مشبوهة يٌعتقد أنها سلاح كيماوي قرب قاعدتين جويتين إحداهما هي قاعدة “الشعيرات” التي نٌفذ منها الضربة الكيماوية على بلدة “خان شيخون” في شهر أبريل _نيسان الماضي, وأن هناك حراسات أمنية مشددة حول تلك الأرتال والقوافل, وهذا ما استدعى إقلاع طائرتي استطلاع من القواعد الأمريكية في اليونان لتدقيق المعلومة مع مصادر أخرى على الأرض والتي أتت بنتائج تؤكد قرب استخدام الأسد للأسلحة الكيماوية.
بالعودة لتاريخ نظام الأسد فهو غير بريء من استخدام كل الأسلحة المحرمة دولياً بدءاً بالقنابل العنقودية وصولاً للصواريخ الفراغية مروراً ببراميل الموت الأسدية وانتهاءاً بالأسلحة الحارقة كالنابالم مثلا, والأسد غير محصن أيضاً من الهجمات الكيماوية ضد الشعب المدني الأعزل والتي كانت أكبرها في الغوطة الشرقية في 21 آب عام 2013 وذهب ضحيتها حينذاك أكثر من 1400 مواطن سوري جلهم من الأطفال, وحينها قال كل السوريين وبناءاً على معرفتهم بالتاريخ الإجرامي لنظام الأسد أنها ليست الضربة الكيماوية الأولى ولن تكون الأخيرة.
الشبكة السورية لحقوق الانسان وثقت وبما لا يدع مجالاً للشك 33 استخدام للأسلحة الكيماوية قبل صدور القرار 2118 عن مجلس الأمن والخاص بعقوبات قاسية إذا ما عاد الأسد واستخدم السلاح الكيماوي, لكنه استخدمه أكثر من 165 مرة بعد صدور قرار مجلس الأمن, أما على أرض الواقع فالأرقام تفوق ضعف ما وثقته الشبكة السورية لحقوق الانسان لأن هناك الكثير من الاستخدامات تعذر توثيقها.
تلك الاستخدامات من قبل نظام الأسد نتجت عن خداع وتضليل مارسه نظام الأسد وتهاون وتعامي مارسته منظمة حظر الأسلحة الكيماوية التي أبقت على الكثير من المواقع الكيماوية المشبوهة دون تفتيش بحجة أنها مناطق قتال ساخنة ولا قدرة على تفتيشها, وهكذا بقيت مخازن طريق “ابو الشامات” في ريف دمشق وموقع “الفرقلس” في ريف حمص ومنطقة “السفيرة” في ريف حلب و”وادي جهنم” في ريف مصياف وعدة مواقع أخرى إضافة إلى الجنوب اللبناني الذي ذهبت إليه الكثير من العبوات الكيماوية الجاهزة للاستخدام ومعدات تصنيعها وتجميعها, كل تلك المواقع بقيت آمنة وبعيدة عن التفتيش ليعود اليوم بشار الأسد عبر أوامر بوتينية ملالية لاستخدامها خدمة لأهدافهم العسكرية التوسعية.
الرد الروسي كان متوقعاً ورد حلفائه كان متوقعاً أيضاً بنفي كل تلك الأخبار والاستشهاد بحرب العراق التي بٌنيت أمريكياً على فرضية الأسلحة النووية التي تبين كذبها فيما بعد واعترف “كولن باول” وزير الخارجية الأمريكية في حينها بتلفيق تلك الاتهامات لحكومة “صدام حسين”, وبالتالي عملية النكران وعملية النفي متوقعة, ومنهم من قال أن تلك التهديدات تمهد لضربة جوية أمريكية على نظام الأسد وهي تبحث عن الحجة والذريعة, لكن روسيا ذهبت لأبعد من ذلك عندما قالت أنه من الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية عبر قواتها الخاصة أو عبر حلفائها على الأرض السورية يجهزون لاستخدام أسلحة كيماوية في منطقة ما لاتهام الأسد بها واتخاذها سبباً وذريعة لقصفه وزلزلت أركان حكمه وتغيير موازين القوى على الأرض.
من الناحية العسكرية وبعيداً عن الاستقطاب لأحد الأطراف يمكن القول أن السلاح الكيماوي يتم اللجوء إليه من قبل الطرف المٌهدد وليس الطرف الأقوى, فنظام الأسد سارع لتوجيه ضربة كيماوية على “الغوطة الشرقية” عندما تهددت العاصمة “دمشق” بسقوطها بيد ثوار الغوطة, وأيضاً الأسد سارع لقصف “خان شيخون” بغازات الأعصاب عندما تهددت مدينة “حماه” ومطارها العسكري و”جبل زين العابدين”, والتاريخ العسكري يقول أن الولايات المتحدة الأمريكية لجأت لاستخدام السلاح النووي في “هيروشيما وناغازاكي” بعد معركة “بيرل هاربر” التي قصمت ظهر أمريكا نتيجة الهجوم الياباني على ميناء “بيرل هاربر” وتدمير الاسطول الأمريكي فيه, وهتلر أيضاً استخدم السلاح الكيماوي بعد أن خسر معركة “لينيغراد”, إذا لماذا يستخدم بشار الأسد اليوم السلاح الكيماوي أو يستعد لاستخدامه وموازين القوى العسكرية على الجغرافية السورية تقول أنه بوضع مستقر؟؟ وأنه ومع تدخل طيران ومشاة الإحتلال الروسي أصبح في مأمن وزال عنه الخطر العسكري الذي تهدد مفاصل حكمه بعد تطويق “دمشق” على يد “جيش الاسلام” في معركة “الله غالب” في الشهر الثامن من عام 2013 والذي ترافق مع وصول “جيش الفتح” لأطراف “جبال العلويين” في ريفي الساحل وحماه في نفس التاريخ.
الجواب على هذا السؤال يعتمد على مخزون التفكير السوري وخبرته بنظام الأسد الممتد لأكثر من أربعة عقود متتالية عبر حكم الأسد الأب والأسد الإبن والذي يمارس عادة في ظل تلك المستجدات ما يٌسمى سياسة “الصدمة والرعب”, فالأسد ومن خلفه ملالي طهران وبوتين موسكو أصبحوا بعجلة من أمرهم مع فشل كل الأموال التي دفعتها مافيات “بوتين” لتغيير أطراف الحكم في أوروبا, ومع فشل الهجمات الألكترونية وعمليات القرصنة التي يمارسها الجيش الالكتروني البوتيني في أوروبا وأمريكا وغيرها, وكذلك مع ازدياد ضغط العقوبات الاقتصادية التي يفرضها الغرب على موسكو والتي تم تجديدها مؤخراً لستة اشهر قادمين, مع كل تلك الأسباب يزداد الضغط على رقاب حلفاء الأسد وبالتالي هم يبحثون عن ضربة وصدمة قاصمة تدفع بالأطراف المعارضة للاستسلام والقبول بمشاريع طهران وموسكو وتقبل ببقاء الأسد, تمهيداً للانتقال للملفات الساخنة الأخرى.
المجتمع الغربي برمته ليس بريئاً من تلك المغامرة وهو يتحمل المسؤولية مشاركة في هذا الجنون الأسدي والبوتيني, فالجرائم التي ارتكبها هؤلاء لم تلق الجزاء العادل كي تكون عاملاً زاجراً يمنعهم من إعادة التهور والتلاعب بأرواح البشر, وكذلك القصف الجوي والبراميل وكل استخدام الأسلحة المحرمة دولياً من قبل جيش الاسد وعصابات قاسم سليماني وطائرات بوتين مرت مرور الكرام وكأن عيناً لم تر وأذناً لم تسمع.
الآن: أمريكا تهدد وتتوعد
وبريطانيا وفرنسا تنويان الانضمام للجهد الجوي الأمريكي باستهداف الأسد إذا ما عاد واستخدم السلاح الكيماوي.
إيران وروسيا تستنكران وتهددان أيضاً
والأسد بهذا الوقت يكون بزيارة معمل للأسلحة الكيماوية في “وادي جهنم” في منطقة مصياف والغطاء الإعلامي عبر زيارة أرياف حماه وتأدية صلاة العيد فيها.
أما الشعب السوري فيبقى كالعادة يٌستنزف ويستعد لدفع فواتير كل تلك الصراعات التي تجري على جغرافيته المكلومة.
العميد الركن أحمد رحال
محلل عسكري واستراتيجي
Tags: سلايد