Archived: سمير العيطة: الأزمة السورية بين الخطابة والفعل

سمير العيطة: السفير

كرّست الديناميّة الجديدة التي أطلقها التدخّل الروسي في سوريا تفاعلات غير مسبوقة. ومصير سوريا غدا المحور الذي تُعاد صياغة التحالفات الإقليميّة والدوليّة حوله.
تلك التفاعلات وصلت إلى حدود قصوى في التصعيد، كما يبدو في تصريحات مسؤولي الدول الفاعلة في الملفّ السوريّ. ذلك باستثناء قبل الولايات المتحدة التي يستجدي حلفاؤها «السابقون» من رئيسها كي تُلقي بكلّ ثقلها في الصراع… من دون جدوى.
روسيا الاتحادية تُنشئ قاعدة جويّة في سوريا وتدخل الحرب بقوّة إلى جانب الجيش السوريّ ممسكةً بزمام منظومته وبقيادة العمليّات العسكريّة. ورئيسها يتحدّى الجميع باستقبال رأس السلطة السوريّة المنبوذ عالميّاً في موسكو، في إشارة مزدوجة إلى أنّ التواجد العسكريّ الروسيّ في سوريا أضحى واقعاً يجب التعامل معه على المدى الطويل، وأنّ روسيا لن تكتفي في المرحلة المقبلة بالتصويت السلبيّ في مجلس الأمن، بل هي من سيأخذ من إيران إدارة الصراع وسيضبط الإيقاع حتّى مع إسرائيل، فالبلدان بحاجة للخروج من المأزق الذي وجدا نفسيهما فيه. الأوّل للانخراط في مرحلة ما بعد الاتفاق النوويّ، والثاني لتجنّب عزلة دوليّة في ظلّ انطلاق انتفاضة جديدة بعد فشل سياسة تحدّيه لحليفه الأميركيّ.
في المقابل، هدّدت قطر بالتدخّل العسكريّ المباشر في سوريا. وهي تبذل جهوداً حثيثة لتنظيم المعارضة المسلحّة الإسلاميّة وتوحيدها بأمرتها، ولنزع صفة «القاعدة» عنها، في محاولة لتدارك انفراط عقد «أصدقاء سوريا» الذي أسّس تحالفه المتناقض والمتشعّب الأهواء لفوضى السلاح في الصراع السوريّ. إلاّ أنّ هذه الجهود ما زالت غير مثمرة. حيث إنّ المقاتلين على الأرض باتوا يعرفون الثمن الذي تؤدّي الخلافات بين «الأصدقاء»، وخاصّة قطر والعربيّة السعوديّة، إلى دفعه.
صعّدت العربيّة السعوديّة أيضاً خطابها. ولكنّ التصعيد توجّه فقط ضدّ رأس السلطة السوريّ وفي مواجهة غريمتها إيران، في حين تخوض حرباً صعبة في اليمن، ومُكلفة على المدى الطويل. ومبرّر تدخّلها القانونيّ هو المبرّر ذاته الذي أتى بالتدخّل الروسي في سوريا. وواضحٌ أنّها لن تدخل في مواجهة مع روسيا بدلالة صفقة البوارج الفرنسيّة التي تحوّلت من روسيا إلى مصر بفضل تمويلها، برغم أنّ مصر باتت في مواجهة مباشرة مع تنظيمات الإسلام السياسيّ ومع الدول الداعمة لها.
أمّا أوروبا، فباتت منقسمة بشكلٍ واضح بين فرنسا التي انخرطت منذ بداية الانتفاضات العربيّة كرأس حربة وكطرفٍ يُمارس لعبة المضاربة في الصراعات الدائرة، وبين ألمانيا التي اختارت أن تثبّت موقفاً يسعى إلى التوازن، ولا بدّ منه على المدى الطويل. وقد ثبتّت هذه الأخيرة في موقفها المميّز من قضيّة موجة اللاجئين إلى أوروبا موقعاً لما بعد نهاية الصراع في سوريا.
أمّا تركيا فتبقى محرجة بين توازنات مستحيلة. فهي برغم جميع التصريحات، لن تتواجه لا مع إيران ولا مع روسيا التي يتوقّف مستقبلها الاقتصاديّ على التعاون معهما. وها هي بدورها تستخدم الساخن والبارد في الملفّ السوريّ. وأمام مأزق سياستها في سوريا دفعت بمعضلة اللاجئين في وجه أوروبا، حتّى تأخذ منها مردوداً يُحافظ على استقرارها القائم على النهوض كقوّة اقتصاديّة.
هذه التفاعلات كلّها ستأتي بمفاعيلها، التي ستتجسّد بتوافقات إقليميّة دوليّة جديدة حول الصراع في سوريا. ولكنّ ما يُحزِن أنّ القوى السياسيّة السوريّة ما زالت تتحرّك بآليّات وخطاب مرحلة ولّت. تستنجد بهذا أو ذاك، وتُعلن الحرب على هذا أو ذاك، من دون أن تحفظ نفسها على أساس أنّها أمّ الصبي التي تتصارع عليه الدول.
وما يُحزن أكثر أنّ هذا النهج لقوى «التغيير» لا يخصّ سوريا وحدها، بل بقيّة الدول العربيّة… وحتّى لبنان.

اقرأ:

سمير العيطة: اللاجئون واللعبة الدوليّة



Tags: محرر