Archived: ميسرة بكور: السجال الأميركي الروسي على سورية

ميسرة بكور: كلنا شركاء

حضر الجميع وغاب الشعب السوري الذي لم تخل كلمة من كلمات المتحدثين على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في نيويورك خلال دورتها السبعين من الحديث عن قضيته؛ ولكن كل حسب رؤيته وهواه, دون أن يكون للسوريين حق في الحديث والتعبيرعن أنفسهم وإرادتهم.

كانت كلمة الرئيس الأميركي باراك أوباما، كلمة مرسلة تصلح لموضوع تعبير إنشائي, في أكبر تقدير مرافعة يقدمها محام مبتدئ دافع فيها عن أفكاره، ويبرر سياساته مستغلًا دقائق خطابه الذي دام “41 دقيقة” للتسويق لإنجازاته الشخصية التي اعتمدت الطريق الدبلوماسي للحل؛ معتمدًا على ما تم إنجازه في الملف النووي الإيراني، والملف الكوبي، وانسحاب القوات الأميركية من العراق وأفغانستان، متجاهلًا عودة قواته إلى العراق الذي كان نتيجة لفشلهم , والهروب من المستنقع العراقي قبل أن يتم بناء “دولة”عراقية تمثل كل العراقيين، وتركتها للمليشيات الطائفية.
وعقد محاكمة لسياسته الدبلوماسية وسياسة من سبقه التي اعتمدت الحلول العسكرية, اواعتمدت فكر الإمبراطورايات البائدة التي أعتقدت أن القوة هي أساس البقاء.

ووجه انتقادًا أدبيًا لروسيا، حيث قال:”بعض الدول تفضل الاستقرار على حساب النظام الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتحاول فرضه بالقوة”، مضيفًا: “يقال لنا أن هذا الوضع هو المطلوب للتغلب على الفوضى، وهو السبيل الوحيد للقضاء على الإرهاب أو لمنع التدخل الخارجي”.وتابع: “استنادًا إلى هذا المنطق، علينا أن ندعم طغاة مثل بشار الأسد الذي يلقي البراميل المتفجرة لقتل الأطفال الأبرياء لأن البديل هو أسوأ بالتأكيد”.
رغم أن السيد “أوباما” طالب بمرحلة انتقالية لاتشمل الأسد، وتحدث عن المنطق الذي يفرض على جميع الأطراف تقديم التنازلات.
لكنه لم يقدم  رؤيته للحل الذي يقترحه، وماهو المقصود بالتنازلات، إذ أنه فرض مسبقًا، أنه “لامكان للأسد”, هل كان يقصد بالتنازلات تأمين خروج آمن لبشار الأسد ومجموعته بضمانات دولية تضمن له عدم الملاحقة القانونية عن كل الجرائم التي ارتكبها بحق السوريين,الأمر الذي يشكل بحد ذاته خيانه للعدالة، والقانون الدولي، والإنساني وتعزيز مبدأ الإفلات من العقاب؟.
في المقابل عبر الرئيس الروسي “فلادمير بوتين” عن رأيه فيمايخص القضية السورية حيث قال:”إن عدم التعاون مع نظام الأسد “خطأ جسيم”، مشيرًا إلى أن “الجيش السوري وحده هو الذي يحارب الإرهابيين وتنظيم الدولة الإسلامية”.

لكن الحقائق لم تسعفه لضرب مثال يدعم موقفه في الإشارة إلى أي معركة حقيقية دارت بين النظام والتنظيم، وتجاهل عن عمد مقصود كيف أن الجيش الحر قدم آلاف الشهداء في صراعة مع التنظيم, وأن معظم المعارك التي يخوضها التنظيم كانت ضد المعارضة السورية وقواتها, في ريف حلب، وإدلب، وعين العرب.

ولم يكتف “بوتن” بل أردف بالسخرية من المعارضة السورية، ومن من يدعمها، وكان قد سبق له قبل أيام أن سخر من  البرنامج الأمريكي لتدريب المعارضة ووصفه بـ”الفاشل” متهمًا “المعارضة السورية المسماة بالمعتدلة بالوقوف إلى جانب الدولة الإسلامية”.
كما أن المبادرة الروسية في إنشاء غرفة عمليات ضد تنظيم “داعش” مركزها العراق, هو نسف للتحالف الدولي الذي تقوده أميركا, وهو مؤشر جديد بأن بوتن يريد فرض آرائه الشخصيه على الجميع, ويستغل التراجع الأميركي ليكون قطبًا في السياسة الدولية واستعادة أمجاد روسيا القيصرية أو السوفيتية, على غرار صاحبه الكسروي الإيراني.
أما المفارقة الغريبة العجيبة كانت من الرئيس الإيراني”حسن روحاني”  الذي أعلن “استعداد بلاده لنشر ما أسماه بـ”الديمقراطية” في سوريا واليمن، معربًا عن تطلع الإيرانيين إلى تعايش سلمي مع مختلف الأمم، على حد تعبيره.

جدير بالذكر أنه حاول استغلال حادث التدافع في “مشعر منى” السعودية أثناء الحج للنيل من المملكة العربية السعودية التي مرغت أنوف أزلامه وعصاباته في اليمن، وحطمت طموحات إيران التوسعية على صخرة اليمن، من خلال تحالف عاصفة الحزم.
في هذا السياق نقول لسيد روحاني أن المؤشرات الأولية تشير إلى أن “الحجاج الإيرانيين” هم الذين تسببوا في كارثة حادثة التدافع التي وقعتبمشعرمنى، وتجاهل عن عمد أن من بين المفقودين الإيرانيين سفيرهم السابق في لبنان”غضنفر أبادي” الذي دخل إلى السعودية بطريقة غير شرعية.. الأمر الذي يثير علامات استفهام كثيرة , يبدو حديث روحاني حول هذه القضية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أمراً قد دبر في ليل.

قد يكون من السخرية المثيرة للضحك بأن يقول السيد روحاني أن بلاده مستعده لدعم الديمقراطيات في الدول العربية, وإيران أكبر دولة استبدادية وعنصرية تمنع الأقليات فيها من ممارسة شعائرهم الدينية،  وهي الداعم الرئيس والمباشر لنظام الأسد الذي لفظه المجتمعين السوري والدولي، وارتكب مجازر شنيعة بحق السوريين لم يسبقه إليها أحد في التاريخ, كما أنها تدعم مليشيا حزب الله اللبناني الذي يفرض سيطرته على الدولة اللبنانية ويعرقل التحول الديمقراطي فيها, ويستمر بوصف الحوثيين بأنهم ثوار وهم الذي احتلوا اليمن بقوة السلاح, وكل يوم تطالعنا وكالات الأنباء عن خلايا إرهابية مسلحة كما حدث في الكويت.
في العودة إلى خطاب أوباما, نلاحظ أنه لم يلزم نفسه بأي استراتيجية مستقبلية لحل الأزمات الحالية في المنطقة العربية, وتجاهل القضية الفلسطينية بشكل كلي, وأظهر أمريكا بمظهر المستقيل المنسحب من السياسة الدولية, ويقبل بأي حل يجنبه التورط في صراعات المشرق العربي.
وكان جل تركيزه على إنجاز الاتفاق النووي والانسحاب من العراق, لكنه تجاهل أن هذا الاتفاق تسبب في سباق تسلح رهيب في المنطقة التي أصبحت على صفيح ساخن, وأن إيران تظن أن الاتفاق النووي هو إطلاق يدها في المنطقة لتعيث فيها فسادًا.
وأن سياسته في العراق، والحرب على داعش، ودعم حكومة نوري المالكي وانسحاب القوات الأميركية تسببت بكوارث على العراق وجرت عليه الويلات من أبرزها استنبات تنظيم الدولة, الذي يتمدد رغم ضربات التحالف الدولي الذي تقوده أميركا  منذ سنة وأكثر.

كما يمكننا أن نلاحظ بأن الرئيس بوتن وحليفه الإيراني قد وجدوا أنفسهم في عزلة دولية بسبب سياستهم العدائية ضد الشعب السوري, نستنتج هذا من تأكيد “أوباما” على أنه لادور للأسد في مستقبل سوريا “التورط هنا يكمن بأن روسيا أرسلت قواتها لدعم الأسد وفرض سياستها على أرض الواقع”, قد يجد بوتن نفسه في مأزق أفغانستان سوريا, وأن المجتمع الدولي لن ينصاع له, وأن جنوده وعائلاتهم يرفضون الحرب في سوريا, ناهيك عن التكلفة الاقتصادية لهذه المغامرة العسكرية خاصة مع انهيار الاقتصاد الروسي والعملة الروسية “الروبل” وغياب التنمية، وقرب موعد الانتخابات النيابية الروسية.

هذه الأسباب مجتمعة تقول بشكل واضح أنه لا مستقبل لطموحات بوتين وإيران في سوريا, وأن مصير هذا التعنت الروسي سيقودهم إلى الهاوية والسقوط.

خلاصة القول:”الكل تحدث عن الشعب وباسم الشعب السوري, لكن الشعب صاحب الحق الشرعي في الحديث عن نفسه غاب عن كل هذه النقاشات”.

اقرأ:

ميسرة بكور: بوتين وإهانة الأمة الأقوى في العالم





Tags: محرر