Archived: نجيب أبو فخر : العالم على مائدة بوتين (الســوريّة)

نجيب أبو فخر : كلنا شركاء

تقول القاعدة العسكرية : عندما يتجه خصومك لإحراق أنفسهم ، ليس عليك أن تمنعهم ، بل خُذ لنفسك مسافة عنهم واستمتع بمشاهدتهم  وهم يتآكلون .

هذه كانت السياسة الروسية منذ بداية عسكرة الربيع العربي في ليبيا ، ومن ثم سوريا ، فاليمن . حيث اكتفت بالخوض في غمار المعارك الديبلوماسية بوجه خاص لأجل فرض كلمتها في ( القضية السورية ) وحين ظن الكثيرون أن سياسة الروس ستظل تسير على نفس النهج ، فوجهوا كل جهودهم لإحراجها – سياسيا – خرج فلاديمير بوتين  على العالم بمبادرته التي عَنوَنَها بمشروع تشكيل تحالف دولي بديل لمناهضة داعش ، بعد أن سحب كل ذرائع خصومه الذين كانوا يعبثون بسوريا تحت نفس العنوان لكن دون أية جدية تذكر ..

بوتين يعرف تماما كلفة ما أنفقه ما أسمى نفسه بالتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب ، ويعرف الفرق بين الكلفة الحقيقية وبين الكلفة التي يعلنون عنها كل يوم بأنها تزيد مائة مليون دولار . وهو يفهم أبعاد مشروع الفوضى الخلّاقة الذي يفترض تعميم الفوضى والدمار بأي ثمن لأن كلفة إعادة البناء قد تعوّض على الدول التي أنفقت لأجله ، إن هي كانت سيدة الموسم بتحضير طاولة السلام الأخيرة ، وليس بعيدا عن أذهاننا أنه ومنذ أقل من شهر أعلن الكونغرس الأمريكي أن مشروع تدريب المعارضة المعتدلة في سوريا كلف أكثر من خمسمائة مليون دولار في حين لم يبقى من المستفيدين من هذا المشروع مقاتلين على الأرض عددا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة ، واعترف أيضا بأن المعارضة المعتدلة تقوم بتسليم السلاح إلى جبهة النصرة وفصائل متشددة تشبهها . كما اعترف بأن الضربات الأمريكية لم تؤدي إلى إضعاف قوة تنظيم الدولة بأكثر من نسبة خمسة بالمائة ، وهو نفس الكلام الذي جاء على لسان الرئيس الأميركي حين قال أن الحرب على داعش ستستمر لسنوات طويلة . ومكلفة . وهذا كلام لا يُستغرب ممن امتهنوا تحضير فواتير إنقاذ الدول ، واعتاشوا عليها حسب ما أملتهم عليهم نظرية الحروب الخارجية ، فبعد فاتورة إنقاذ الكويت ، ومن ثم فاتورة تطهير أفغانستان على حد تعبيرهم ومن ثم فاتورة تحرير العراق ، يعملون على مجموعة فواتير لإنقاذ كل دول المنطقة من خطر داعش والإرهاب ، بالإضافة إلى فاتورة باهضة تحت عنوان ( تحرير سوريا من الإستبداد !!! )

كل هذه المقولات الأمريكية أنصت إليها بوتين جيدا ، ليستخدمها في لعبته في سحب الذرائع التي قد تواجه مشروعه – من دول التحالف السابق – فعقد عزمه على قلب الطاولة ، وقرر أن يقبض وحده كل الفواتير المستقبلية من كل دول المنطقة التي ستكون مستفيدة من مشروعه ، ولا بأس إن أرضاها بسد بعض احتياجاتها ، وخصوصا أن الروس هم سادة من يعرفون كيف يصدّرون الأزمات ، ومن ثم يحولوها إلى صفقات يقايضون حلها لحساب مصالحهم . وفي هذا الشأن كان قرار الرئيس الروسي أن يدخل بقوة وقسوة وأن يكون وحده سيد الساحة والقرار في الشأن السوري مع الحفاظ على شعرة ( مشاورات ) مع من سيسمون أنفسهم حلفاء ضمن مشروعه الجديد بينما يدرك تماما  أنهم لن يملكوا إلا أن يكونوا صامتين ومتفرجين وراضين بما يقسمه لهم عند نضج المشروع ، لقد همس في أذن كل منهم ( أن سحق خطر داعش وحده يعتبر مكسبا عظيما لكم  ) في إشارة منه إلى أن الجميع مهدد بداعش إن لم يقبل ما سيقوم بفعله .

ومن هنا فقد كان الإتفاق النووي الإيراني مع مجموعة الست في الرابع عشر من تموز  موعدا مناسبا للتحوّل العالمي في موازين القوى ، الذي دعمته روسيا من تحت الطاولة بكل قوتها ، لأن حليفها الإستراتيجي سيستعيد النهوض ومن ثم فإن الإتفاق سيضمن لروسيا أن تمضي في تنفيذ المحطات النووية لإيران والتي قد يصل عددها لمائة محطة ، ضمنت روسيا منهم عقود عشرة حتى الآن بقوة ألف ميغاواط لأقلهم قدرة . وبالتالي عندما تحقق هذا الشرط لم تضيع روسيا الوقت ، فأطلق بوتين مبادرته للعلن وناقشها عبر الإعلام ، معتبرا أن ما كان يسمى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب غير جدي في عمله وأن مضي أشهر طويلة على عمله تحت هذا العنوان قد ساعدت التنظيم على تقوية نفسه واعتبر هذا سببا كافيا لبناء تحالف مختلف من الدول ( الجادة في محاربة داعش ) والتي تقع مباشرة تحت خطر تمدده . ومنذ ذلك الوقت شهدت الأجندة الروسية سلسلة عمل ديبلوماسي مكثّفة ، بحيث لا يمكن لدولة في العالم أن تتهم روسيا بأنها استفردت بالقرار لأن الجميع كان شريكا في المفاوضات على شكل التحالف أو طريقة العمل أو مستوى التنسيق ، وإن لم يكن علنا ، فقد كان من تحت الطاولة ، هذا مع العلم أن الغالبية قد قبضوا الثمن ليتابعوا استعراض القوة الروسية وطريقتها في حل هذا النوع من المشاكل خصوصا في بقعة جغرافية قد لا تزيد مساحتها عن مساحة سهل قمح استراتيجي في روسيا ، لكن له من الأهمية والحساسية الدولية ما ليس لدول أكبر بكثير أن تتمتع به . لهذا ما كان لبوتين أن يفوت فرصة استعادة هيبة روسيا على مستوى العالم في التدخل في سوريا بطريقة حاسمة وهو يخاطب الفرنسيين ويقول لهم  لقد فعلتم هذا قبلا في ليبيا ولم نعترض ، لكنكم لم تنجزوا حلا ، ويخاطب الأمريكي ويقول لقد فعلتم هذا قبلا في أفغانستان والعراق ولم نعترض ، ومع هذا لم تتركوا بقعة آمنة خلفكم في كلا البلدين ..

أول ما بدأ به هو سوريا ، وحيث أن الإتفاق النووي الإيراني يفرض على إيران الإنسحاب أو عدم التدخل في شؤون دول المنطقة ( عسكريا ) فإن من الواجب التعجيل في ملء الفراغ الذي سيحدثه الإنسحاب الإيراني خلال الأشهر الستة التي التزمت بها إيران ، لكن ملئ الفراغ لن يكون هذه المرة بتنسيق مع قادة النظام في سوريا ، بل سيكون أمرا واقعا لن يتدخل أحد من السوريين بأي من تفاصيله باستثناء تزويد الروس باحتياجاتهم المحلية وخصوصا المعلومات الإستخباراتية المتوفرة لمقاطعتها مع معلوماتهم وليس لاعتمادها أبدا . ولقد أبلغ الروس ممثلي النظام السوري خلال زيارتهم إلى موسكو أنهم ليسوا على استعداد أبدا لأن يضعوا روبلا واحدا خارج الإرادة الروسية المطلقة  وأن منفعة النظام ستنحصر في الحفاظ على مكانه والفرصة التي ستهيء له مستقبلا ضمن الوضع الجديد .

في الرابع من آب عقد أول لقاء روسي – أمريكي – سعودي في الدوحة لمناقشة مبادرة الرئيس بوتين على حسب الإعلام الروسي بخلاف ما أعلن عنه السعوديون والأمريكيون بأنه مناقشة لفرص انضمام روسيا للتحالف القائم . لقد نجح الروسي تحت الطاولة من تحقيق كل المكاسب التي أرادها . والتي لم يكن أولها تحقيق التقارب السعودي – السوري على مستوى التنسيق الأمني . ومن هنا فقد تم تنسيق اجتماع  روسي – سوري – إيراني في طهران  في اليوم التالي  الخامس من آب لتنسيق الجهود بين نواة التحالف !! في مشروع الرئيس بوتين .

وفي السابع من آب  تم عقد أول اجتماع روسي – سوري – سعودي في مدينة جدة في السعودية ، حضره اللواء علي مملوك ممثلا عن النظام في دمشق لوضع الخطوط العريضة لبدء التنسيق الأمني فيما يخص مشروع امتصاص الفصائل التي تدعمها السعودية . رويدا رويدا ، واللافت في هذا اللقاء أن الوفد السوري جاء إلى جدة بشكل مستقل عن الوفد الروسي في إشارة لاستقلال قراره وفي إشارة روسية لدعمها لنظام دمشق بكامل شرعيته لأنهم ربما ارتأوا بأن اصطحاب الوفد السوري قد يفسر نوعا من الوصاية وهذا ما لا تريده روسيا  لأن صراعها هو أن تستعيد سوريا كلاعب إقليمي قوي تدعمه ، دون الاستحواذ ( العلني ) عليه ! ..

تلا ذلك زيارة لمسؤولين سعوديين في جهاز الإستخبارات إلى دمشق عن طريق بيروت . لمناقشة نفس الغرض والمباشرة فيه . ومع أن تصريحات إعلامية سعودية كانت تعمد إلى تصعيد اللهجة باتجاه النظام في دمشق والتي كان أبرزها على لسان وزير خارجيتها  إلا أن أرض الواقع كانت تتمايل لمصلحة إنجاز المشروع الروسي في المنطقة .خصوصا أن الروس يعرفون جيدا كيف يستخدمون قاعدة ( أرهم قوتك ) عند المفاصل التي يعاند فيها الخصوم المفترضون أو الشركاء المحتملون أيضا .

كانت هذه بداية أيضا لإنطلاقة دورٍ سيبرز بالمستقبل القريب لسلطنة عمان التي زارها كل من وزير الخارجية السوري واللواء علي مملوك بعد زيارة جدة مباشرة ، لينجم عن الزيارة استعادة العلاقات الديبلوماسية بين البلدين . ولتكون رسالة مبدئية في أن وضع نظام دمشق بدأ يستعيد شرعيته العربية خطوة خطوة .

لكن التحولات الأكبر قد بدأت في الرابع والعشرين من شهر آب عندما زار موسكو للمرة الثانية عشرة منذ توليه العرش الملك عبدالله الثاني ملك الأردن ، الذي كان قلقا جدا من تمدد داعش باتجاه حدوده الشمالية ، وقلقا من تغلغلها داخل نسيج المجتمع الأردني – الذي تجاوز عدد المتطوعين منه في صفوف داعش الثمانية آلاف ( مجاهد انتحاري ) ،-  ومتعبا من الوعود الدولية الكثيرة التي تساومه دائما على مساندته في حماية الأردن من خطر داعش ومساندته في تحمل أعباء وتكاليف استقبال ملايين اللاجئين من سوريا ومن العراق على أراضي المملكة الاردنية ، في حين لا يتحقق من الوعود الدولية ما يمكن أن يقلل من ثقل المسؤوليات التي تواجهها المملكة  بمواردها الشحيحة والتي لا تكفي بالأصل احتياجات سكانها .. وفي المقابل فإن المسؤوليات الإستراتيجية التي حملتها الأردن خلال تفاقم الأزمة في سوريا وحجم المخاطر التي تواجهها يوميا يلزمها دعم مستمر وغير مشروط لتحفظ استقرارها على الأقل ..  ومن هنا فقد كان الملك عبد الله الثاني يعرف كل سلبيات التعاون مع الحلفاء ضمن المشروع الأمريكي ، واختبر مرارا  كيف يمكن لمماطلة المجتمع الدولي ( الحليف )  أن تضع بلده ضمن أزمات جديدة لتكون حلولها مطرح مساومات من نوع آخر .. ولا يزال يتذكر جيدا تبعات قذائف الهاون التي تساقطت  ( بالخطأ ) قبل أيام من زيارته على محافظة المفرق ومدينة الرمثا  . في إشارة جليّة بأن الأردن لن يكون بمنأى عن نار  تداعيات انهيار الوضع في الجنوب السوري  لصالح المعارضة .. ومع أن الأردن يفضل أن يلعب دور ضابط الإيقاع على حدوده آملا في اليوم الذي تصبح هذه الحدود آمنة إلا أن تساقط القذائف كان يعني أن استمرار عمل الموغ من داخل الأردن  لن تدفع ثمنه دمشق وحدها . كل ذلك كان يعيه الملك عبد الله تماما خلال زيارته الأخيرة لموسكو ، وكان يدركه جيدا الرئيس الروسي قبل لقاءه للملك ، لذلك لم يترك الرئيس الروسي المجال واسعا للمجاملات الديبلوماسية بل سارع فورا لاستعراض ما يمكن لروسيا أن تقدمه من دعم للأردن إذا ما انضمت لدعم مبادرة الرئيس بوتين في مواجهة داعش وهو الأمر الذي يقلق الأردنيين كثيرا ، وبالتالي لم يكن صعبا أبدا أن تتلاقى المصالح بسرعة وخصوصا عندما قدمت روسيا 150 منحة دراسة جامعية للطلاب الأردنيين ، وتوّجت عطائها بعقد بقيمة خمسة مليار دولار وأربعمائة مليون لبناء محطة كهروذرية في الأردن تنفذه شركة روس أتروم الروسية بهدف تعزيز قدرات الأردن في مجالات الطاقة والبنى التحتية ..

كل هذا وغيره من العرض الروسي الذي لا يمكن رفضه أدى فورا لتغيير بطيء لكن  ملموس في السياسة الأردنية باتجاه تحقيق المزيد من التوازن لصالح الحل السياسي في سوريا دون أن تعلن حتى اليوم ما إذا كانت ستكون ضمن التحالف الجديد أم لا  .

بعد أن أنجز بوتين الترتيب المبدئي الضروري مع الأردن صاحبة أكبر نفوذ ( حقيقي ) على المعارضة في الجنوب السوري كان عليه أن ينجز لقاءا مع أكبر داعم حقيقي للتيارات المعارضة ( المافوق وسطية ) وهي في الغالب الراعية للمعارضة الخارجة من بطانة النظام نفسه .. الإمارات العربية المتحدة التي تستحوذ على أكبر ودائع مالية لرجالات النظام وأتباعه والمنشقين عنه أيضا ، الإمارات بيت أسرار معظم الأنظمة العربية المستبدة في المنطقة والتي تدرك جيدا كيف يمكن للعبة المصالح أن تغير وجه العالم ، لذا فقد كان لقاء بوتين لولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان على درجة من الأهمية لما تملكه الإمارات من نفوذ على عدد كبير من الدول العربية ومن ثقل ضمن مجلس التعاون الخليجي ومن سلطة أدبية على معظم  رجال الأعمال السوريين ونجوم المعارضة المرفهة أصحاب التيارات السياسية الوردية وإلى آخر ما هناك ، لهذا كان استعراض المشروع سريعا وانتهى الى تفاهم بأن تقوم شركتي روس نفط وكريست بتروليوم بتطوير حقل نفطي في أمارة الشارقة بشكل مستعجل والبدء بمفاوضات مع شركة ( مبادلة للبترول ) الإماراتية بهدف قيامها بتطوير حقلين للنفط في سيبيريا الشرقية ..

في السادس والعشرين من شهر آب  كان بوتين يداعب أحلام المشير عبد الفتاح السيسي ، فقد وعده خلال لقائهما في موسكو بأن يجعل حلم السيسي في العاصمة الذكية أمرا واقعا رغم تخلي الداعمين عنه ، وطلب منه العمل بجهد لتستعيد مصر دورها الإقليمي بسرعه مع وعده بأن جهده لن يخلو من دعم روسي كبير ، وأنه سيبدأ فورا بدعم مصر بإنشاء محطة طاقة نووية بعد أن يحل مشكلة الإعتراض الإسرائيلي عليها بأسرع وقت ، وأن كل ذلك يعتبر مكتسبات أولية بسيطة لمصر ( إن ) كانت شريكة في التحالف الدولي الجديد في مواجهة داعش التي تهدد مصر أيضا .. وليس من المعقول أن لا تكون شريكة في تحالف ( بوتين ) القادم . وكانت إجابة المشير عبد الفتاح السيسي سريعة وعلنية بدعم مشروع التحالف دون أن يوضح إنضمام مصر له من عدمه ،  بعد أن أبلغ داعميه في دول الخليج أن هذا التحالف ضرورة حيوية  ستستفيد منه مصر التي لن تبخل ( برجالها ) للمشاركة في صد أي خطر قد يواجه دول الخليج مستقبلا من داعش أوغيرها . !!!

وفي الثالث من شهر أيلول ، زار بوتين الصين استكمالا لطبخته على النار الهادئة ، فالصين الجارة القوية كانت تعاني من انهيار في سعر ( اليوان ) إثر انهيارات شهدتها بورصة بكين وكانت بأمس الحاجة لنوع من التعزيز لدعم وضعها الإقتصادي ، ومع أن روسيا كانت تعاني بالمثل من انهيار سعر الروبل نتيجة أزمة أوكرانيا إلا أن بوتين لم يتردد أمام نظيره الصيني شي جين بينغ بالإعلان عن أن المشاريع الكبيرة بين روسيا والصين ستنفذ رغم كل التقلبات الإقتصادية وأن عليهما أن يستمرا معا في تقوية المحور العالمي المؤثر والفعال ، ولأجل ذلك قاما بتوقيع ثلاثين وثيقة تعاون استراتيجي فيما بينهما وحضي بدعم علني صيني لمبادرة بوتين في تشكيل تحالف لمكافحة داعش .  والتقى بنفس الإطار رؤساء كل من التشيك ولاووس وفنزويلا وداعب متطلبات كل منهم  وخرج بتأييدهم المطلق لمبادرته .

وعلى نفس المنوال لكن بسرية أكبر جرت في الواحد والعشرين من شهر أيلول مباحثات بين بوتين ورئيس الوزراء الإسارئيلي بنيامين نتانياهو  الذي أبلغه بوتين  فيها أن روسيا لن تتراجع عن قرارها في التدخل العسكري في سوريا ، وكانت اعتراضات نتانياهو تنحصر في عدم دعم النظام بأسلحة متطورة خشية وقوعه بأيدي تنظيمات متطرفة أو بيد حزب الله وعلى هذا أجاب بوتين بأن السلاح الروسي سيستخدمه الروس حصرا . وبقيت الإشكالات العالقة بينهم حول تنظيم المجال الجوي . حيث طلب نتانياهو من بوتين إعلامهم بمواعيد الطلعات الجوية إلا أن بوتين أجابه بأننا منذ الآن نبلغك بأن هناك طلعات جوية روسية ستنفذ في الأجواء السورية ولا حاجة لإعلامكم بتفاصيل أكثر . هذا ما شكّل رسالة واضحة لنتنياهو بأن الروس لا يعتبرون إسرائيل شريكا في مشروع المبادرة  ، وأن ذلك يتطلب اشتراطات مختلفة ، فاختتم اللقاء بالإتفاق على تشكيل لجان عسكرية مشتركة  تنسق بعض العمليات التي قد تشكل التباسا بالخطر على أمن ( إسرائيل ) وبالفعل باشرت هذه اللجان اجتماعاتها منذ ذلك الوقت لمرتين حتى يومنا هذا .

المعادلة الأصعب كانت في اللقاء مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يسعى جاهدا لإقامة منطقة عازلة ضمن الأراضي السورية بعمق خمسين كيلو مترا وعرض تسعين كيلو متر ويعمل لاستقطاب تأييد دولي لهذا المشروع ، الذي يتعارض بالضرورة مع التدخل العسكري الروسي الداعم لنظام الأسد ، ومع ذلك فقد انعقد اللقاء بين الرئيسين خلال افتتاح مسجد موسكو في الثالث والعشرين من أيلول  لكن لم يتم التوصل إلى أي اتفاق بينهما ، في الوقت الذي تراهن فيه روسيا على حاجة تركيا لتنفيذ مشروع نقل الغاز الروسي المسمى  “التيار التركي” -الذي سيمر عبر قاع البحر الأسود إلى البر التركي لينتهي عند الحدود التركية اليونانية- حيث تخطط روسيا لإقامة مستودعات ضخمة لتخزين وتوزيع الغاز لنقله إلى عدد من الدول الأوروبية الأخرى. إضافة للعديد من المصالح الأخرى .. ومع أن بوتين يدرك تماما أن تركيا كدولة عضو في حلف الشمال الأطلسي لا يمكن تجاوزها في مثل هذا النوع من المشاريع وخصوصا أنها لم تنضم للتحالف الدولي الأول إلا مؤخرا وبعد وضع اشتراطات كثيرة للسماح للحلفاء باستخدام قاعدة إنجرليك الجوية على أراضيها . إلا أنه يرى في انشغالها بالمشاكل الداخلية بعد تمدد الخطر على مشروع المصالحة الداخلية الذي قام الغرب بتغذيته للضغط على تركيا ـ اضافة لإنشغالها بالإنتخابات البرلمانية . فرصة مناسبة لإطلاق مبادرته للتنفيذ دون عوائق عملية تذكر إذا نجح في عدم استفزاز الأتراك  مجددا على النحو الذي حدث يوم أمس حين اخترقت طائرة روسية الأجواء التركية بطريق ( الخطأ على حد تعبيرهم ) الأمر الذي أدى لخروج مقاتلتين تركيتين لاعتراضها بسرعة  في رسالة تركية لروسيا تبين مدى جديتها في عدم السماح لأحد أيا كان هذا الأحد باختراق الأجواء التركية بشكل قد يفعّل تلقائيا قواعد الإشتباك . ومع هذا فإن الروس لا يملون من الغزل بالمصالح ، فقد أعلنوا بنفس اليوم عن توقيع اتفاقيتين لبناء مفاعلين نووين جديدين مع إيران الجارة الجنوبية لتركيا والتي كان رئيسها منذ فترة يدعو للاستفادة من التجربة التركية في البناء الإقتصادي والسلام الإجتماعي في المجتمعات التعددية  ، كما لم يقف الإعلان عند هذا الحد فقد أعلنت ( روساتوم ) أن التعاون النووري الروسي – الإيراني سيأخذ من الآن وصاعدا طابعا استراتيجيا .  

وفي نفس الوقت أطلق الروس الخيار للعراق بعد تسرب نصائح الرئيس أوباما لحيدر العبادي رئيس وزراء العراق بعدم الإنضمام للمشروع الروسي . بأن يحددوا بشكل علني موقفهم إما بالوقوف مع الشرق أو مع الغرب . واستخدام هذه العبارة استنفر البرلمان الأوربي الذي اعتبر أنها رسالة تشي بنوايا الحرب ، لكنه خلص بعد اجتماعه إلى وجوب إيجاد طريقة للإنضمام أو المساندة في التحالف الروسي لأن (( احتياجات محاربة التكفيريين  من داعش والنصرة وأمثالهم لا تكفيها الأموال المتوفرة حاليا ))  على حدّ تعبيرهم .

وصل بوتين إلى خط النهاية الأولى ، وبدأ الطيران الروسي بتنفيذ عمليات جوية تجاوزت في اليوم الأول كل ما قامت به قوات التحالف منذ قرابة العام وانضمت له الصين وكوريا الشمالية في طريقها للإنضمام له .. لكن الطيران الروسي الذي ينفذ وحده العمليات  لم يستهدف داعش في 80 % من ضرباته ، إنما استهدف الفصائل المسلحة الأخرى . بحجة أنه ينتظر التعريف الأممي لمفهوم المعارضة المعتدلة .. وبالتالي فهو يتبع سياسة تحطيم الأذرع العسكرية  للدول الداعمة مسبقا ، حتى يفقدها مستقبلا أي تأثير عملي على طاولة التفاوض – إن اضطر إلى التفاوض – وسيستمر بتدمير كل قوة تابعة لأي دولة تعارض مبادرته حتى يحقق غايته ولن يتابع في قصف داعش حتى يضمن بأنه قد أجهز على جميع الفصائل المعارضة وهو ينتظر أن يدله أحد على فصائل ( الجيش الحر ) !!

بوتين اليوم يلعب بإتقان ، وهو يثبت مصالحا استراتيجية لروسيا في المنطقة  على حساب الإستثمار في أخطاء الدول التي تاجر معظمها بدماء الشعب السوري ، ولم يكن جادا في وضع حد ينهي الأزمة في سوريا . بوتين لا يستثمر في الأخطاء وحسب ، إنما ويسحب منهم مكتسباتهم المأمولة سابقا . وإن كانوا هم من بدأ لعبة استغلال الأزمة السورية بحجة محاربة الإرهاب ، لإثقال كاهل السوريين بديون مستقبلية قاصمة ، فهو من سيكملها . حتى لو ببطء ، وهو يعرف أن رسالته بإطلاقه الصواريخ من بحر قزوين كانت واضحة لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام بأن مفخخاتهم وأعدادهم قد تنجح في مواجهة عدو مرئي أما أمام الجيش الروسي فلا يمكنهم تخمين المكان الذي سيضرب منه من على سطح الكرة الأرضية .

اليوم العالم على مفترق خطير جدا ، لأن تداعيات التدخل الروسي قد تكون غير منظورة في الوقت الحالي ، لكنها قد تظهر لاحقا ، حيث من العبث التسليم بأن دولا تعتبر نفسها من أهم لاعبي العالم أو المنطقة  قد أنفقت المليارات منذ بدء الأزمة السورية ، طمعا في حصة أكبر في الكعكة السورية  ، ستترك الجًّمل بما حمل  للروس بهذه البساطة . ومثالنا واضح ما حدث في أفغانستان حين دفعت الولايات المتحدة وجندت المجاهدين الأفغان لمحاربة الروس بحجة ( الدفاع عن الإيمان ) .. فكان عدد الضحايا الأفغان يتجاوز المليون وربع مليون ضحية . في حين خسر الإتحاد السوفييتي آنذاك مالايزيد عن خمسة عشر ألف جندي .

ومثالنا واضح أيضا في العراق حين كانت الدفة بيد الأمريكيين ، ومع أن نظام صدام حسين قد سقط في اليوم الخامس والعشرين ، إلا أن الحرب استمرت ، وخسر العراق أيضا ما يزيد عن مليون وربع ضحية عراقي ..لأن دولا كثيرة أيضا لم تترك الساحة لأمريكا ، ليس حبا بالعراقيين بل طمعا في حصة أكبر في ثروات العراق .

وذلك على الأغلب ما سنشهده في سوريا ، بعد انتهاء الزهوة الروسية ، وبعد أن تستكمل روسيا استعراضاتها القتالية ، هل سيترك أمراء الحرب العالميين الساحة لها ؟ أم أنهم يحضرون الآن  مفاجآت من نوع آخر يقض مضجع الروس في سوريا ، ويذبح كذلك ملايين السوريين في سبيل إزعاج الروس فقط ؟!!

المؤسف حقا أنه وخلال استعراض كل ذلك . لا توجد إرادة سورية واحدة  قادرة اليوم أن تقرر بالشأن السوري ،  ولا يوجد في الخطة أي حرف كتبته يد سورية . النظام بالأمس كان قد أطلق النفوذ للإيراني واليوم انتزعه الروسي .. والمعارضة منذ أول يوم سلمت أمرها لقطر ومن ثم للسعودية ومن ثم للولايات المتحدة وهكذا .. والكل يعبث بدمية الإئتلاف العاجز على هوى مصالحه الدولية  ، والسياسيون السوريون إلى مزيد من الإقتتال والعداوة والكراهية والخبث والعمالة  . فيما وطننا يفتقد فعلا لأبناءه الذين إن لم يلتقوا .. سنفقده جميعنا إلى الأبد . .

نجيب أبو فخر

8\10\2015

6،46 فجرا





Tags: محرر