on
Archived: د. محمد عادل شوك: أحرارُ الشام.. تطلُّعاتٌ مستقبلية
د. محمد عادل شوك: كلنا شركاء
بسنوات عمره الأربعة و الثلاثين، و من قلعة المضيق في غاب حماة، و من جامعة اللاذقية بشهادة الهندسة منها، و من سرية أسامة بن زيد، ثم لواء عمر بن الخطاب، و من نيابة الشيخ أبي جابر يأتي المهندس مهند المصري ( أبو يحيى الحموي )، ليكون القائد الثالث في التسلسل الزمني على رأس قيادة حركة أحرار الشام.
يأتي الشيخ أبو يحيى، و الكلّ يتطلَّع إلى مشاريعه، و سياساته التي ستنعكس إيجابيًّا على الحركة؛ ليكون رجل المرحلة، و ذلك لعدة أسباب، منها:
1ـ ميلُه إلى الحزم، و العزيمة في اتخاذ القرارات المفصلية، و هو الأمر الذي يشهد به زملاؤه في منطقة الغاب أيام قيادته العملَ العسكري هناك، ما ساعده كثيرًا في ارتقاء سلم المسؤولية، من سرية إلى لواء، وصولاً إلى قيادة الأحرار بأجمعها.
2ـ مجيؤه في وقت تدهورت فيه العلاقة بين الأحرار و النصرة، ولاسيما بعد البيان الحادّ، الذي أصدره المتحدث السابق باسم جبهة النصرة، أبو فراس الدمشقي (رضوان نموس)، و اتهم فيه الأحرار بأنهم عملاء الخارج، و رسل المرتدين، مشيرًا إلى تحالفهم مع فصائل، مثل جيش المجاهدين، و حركة نور الدين الزنكي، اللتين يبدو أنه حسم موضوع كفرهما وعدم جواز التحالف معهما، بالإضافة إلى الكثير من الاتهامات التي لا يتسع المجال لذكرها.
و قد جاء هذا البيان بعد سلسلة من الانتقادات والاتهامات التي وجهها قادة، أو مشايخ محسوبون على جبهة النصرة ضد الحركة، بسبب المنطقة العازلة التركية، و في مقدمتهم أبو عبدالله الشامي ( عضو اللجنة الشرعية )، و أبو قتادة الفلسطيني ( أحد أبرز مرجعيات الجبهة: شرعيًا و فقهيًا )؛ الأمر الذي يشير إلى أن العلاقة بين الطرفين يمكن أن تتدهور، و تصل إلى مستويات غير مسبوقة، و هو ما أشار إليه أبو فراس، في بيانه: ( ينبغي البحث شرعيًا حول جواز أو عدم جواز التحالف العسكري مع أحرار الشام، سواءٌ بقيت على موقفها أو رجعت عنه ).
و هو ما جعل المتابعين يروون فيه مؤشرًا قويًا إلى أن الأمور ذاهبة نحو تخلخل العلاقة بين الطرفين، في حال لم يصدر بيان توضيحي مقنع من الجبهة، تفنّد فيه أقوال أبي فراس. ( تسرّب خبرُ عزله من منصبه قبل ستة أشهر، على أثر ذلك ).
3ـ رغبتُه في الانفتاح على الغرب، و لاسيّما الولايات المتحدة، و قد حُمِل على هذا رضاه عن مقال لبيب النحاس ( مسؤول مكتب العلاقات الخارجية ) في الواشنطن بوست، الذي يدعو فيه أمريكا إلى إعادة النظر في تصنيف الحركات المعتدلة في سورية، و بالتالي لا مانع من وضع يدهما معًا لمطاردة الإرهاب و التطرف، ممثلاً بداعش.
و يأتي في هذا السياق علاقته المتميِّزة مع الحكومة التركية التي قامت بعبء تليين المواقف بينهما.
4ـ سعيُه في إضفاء الطابع المحلي على الثورة السورية ( السَّوْرَنَة )، عوضًا عن عالميتها كما ترى جبهة النصرة، و قد بذلت جهودٌ كثيرة معها لتغيير موقفها هذا، إلاَّ أن أبا محمد الجولاني، و حتى في لقاء خاص معه، بعد مقابلة الجزيرة، ما زال مصرًا على ذلك.
فالشيخ أبو يحيى غير ميّال إلى تنظيم القاعدة، سواء بنسخته العالمية، أو السورية ممثلة في جبهة النصرة، و غير خاف عن متابعيه الفتورُ في العلاقة بينه و بين الشيخ عبدالله المحيسني، المعروف بقربه منها.
و يرى هو و قيادات مقربة منه أن النصرة تحمِّل السوريين عبئًا كبيرًا؛ بسبب هذا الانتماء العضوي إلى القاعدة، و أنها قد ذهبت بعيدًا بمطالب السوريين، التي خرجوا من أجلها قبل أن تتيه ثورتهم في عالم المشاريع، و الحروب بالوكالة.
5ـ قيامُه بخطوات ملموسة في النأي بالحركة ما أمكن، عمَّا انتُقِدت به فصائل من جيش الفتح في معركة تحرير إدلب، كجند الأقصى، الذين لا ينظرون إلى نتائج المعارك إلاَّ بمنظار الفيء و الغنيمة، و هو ما حمل نسبة من أبناء المناطق المحررة في حينها على الإشاحة بأبصارهم عن الصورة المثالية التي كانت منقولة عنهم، لا بلْ بادر بعضهم إلى فضح هذه الممارسات جهرة على صفحات النت، كما فعل مازن عرجة ( عضو مجلس محافظة إدلب )، و إن كان قد جانبه الصواب في بعض ما كتب.
6ـ رغبتُه في التجديد الفكري، و التطوير التنظيمي برويّة، و من غير إحداث شرخ بين تيارات الحركة الداخلية؛ فلقد وقف موقفًا وسطًا من الجدال الذي ثار في داخلها بسبب مراجعاتها الفكرية الأخيرة.
فهو ليس مع المراجعات في المنهج والسلوك بالكلية، كما أنه ليس ضدها، فهو يحاول التوفيق بين التيارين، عبر استحداث صيغة وسطية تجمع بينهما؛ فالأحرار بحاجة لتوحيد صفوفها، و منع الانشقاقات عنها ما أمكن.
و لعلَّ ما جاء في البيان الذي أُعلِن فيه انتخابه قائدًا جديدًا للحركة، شيء من الدلالة على هذا النهج كما يرى عددٌ من المتابعين، الذين رأوا في صياغته ما يشي بكثير من التحول على المستوى الفكري، ( فلقد جاء اختياره قائدًا جديدًا تعبيرًا عن رغبة الحركة في تقديم نموذج غير مسبوق لتداول السلطة داخل الحركات الجهادية ).
إذْ اللافت للنظر هو مصطلح ( تداول السلطة )، الذي هو أحد مفردات ( الديموقراطية )، التي تصر أحرار الشام في أدبياتها ومواثيقها، مثل ميثاق الجبهة الإسلامية، على النأي بنفسها عنها، و لوم من ينادي، أو يعمل بها.
يرى المراقبون أنَّ هذا الأمر لا يمكن التغافل عنه، إذْ إن مثل هذا التبرير قد يكون مقدمة لخطوة جديدة تتخذها الحركة على صعيد هذه المراجعات التي تقوم بها، و التي يمكن أن تجعلها تُعلن عن تغيير موقفها من ( الديموقراطية )، كما أعلن بعض قادتها سابقًا عن تغيير موقفهم من ( السلفية الجهادية العالمية )، و ذلك مراعاة منهم لمواقف الدول الداعمة لهم، و حساسيتها من هذه الأنماط الفكرية و السياسية.
و يندرج في هذا رغبتُه في فتح باب الانتساب إلى صفوف الحركة في ( 23/ 8/ 2015) عندما كان الرجل الثاني، أو في ( 21/ 9/ 2015) عندما أصبح الرجل الأول، و هو ما نتج عنه انضمام المئات، جلُّهم في الجناح العسكري، و هو أمر فرضته طبيعة المرحلة.
7ـ انفتاحُه على الفصائل، و التجمعات، و الكيانات السورية التي يلتقي معها في التطلُّعات السياسية، و الأهداف الاستراتيجية، و المرحلية، و هو ما انعكس إيجابيًّا على جملة من التحركات على المستوى العام، من ذلك ما كان من تنسيق و تشاور في الرأي معهم، في جولة مفاوضات ( الزبداني ـ الفوعة ) الثانية، أثمر عنه نتائج إيجابية ضيَّقت على المفاوض الإيراني زاوية التحرك.
و المأمولُ مستقبلاً أن تترك الحركة خِيارَ إدارة الظهر للمبادرات التي يقدمها غيرهم، كما فعلت مع مبادرتي: الوثيقة التاريخية، و المبادئ السياسية الخمسة للثورة، اللتين قدمهما المجلس الإسلامي، و هو الذي محَّض لها النصح في أكثر من موقف.
اقرأ:
د. محمد عادل شوك: أحرارُ الشام بينَ جولتَيْ مفاوضات مع إيران
Tags: محرر