Archived: د. محمد الزعبي: التغريبة السورية بين رأيين

د. محمد الزعبي: كلنا شركاء

تشهد هذه الأيام رحيل / هجرة / نزوح / هروب  ،. عشرات الألوف ، لا بل مئات الألوف من وطنهم سوريا ( الجمهورية العربية السورية ) إلى أوروبا . وبينما يرى البعض أن السبب الحقيقي لهذه ” التغريبة السورية ” هو أولاً  ، الرفاه  ، وتعليم الأطفال ، وفرص العمل ، والدخل المادي المعقول  ، وثانياً تأتي مسألة الحرية والكرامة والأمن ، والتي يعتبر نظام الأسدين ( الأب والإبن ) مسؤولاً عنها بصورة أو بأخرى . يرى البعض الآخر ، على العكس من ذلك ، أن القتل والذبح والتدمير الذي تحدثه براميل النظام وطائراته وصواريخه وشبيحته والحشود الطائفية القادمة من  إيران ولبنان وأخيراً من موسكو  ، هي السبب. الأساسي وراء هذه التغريبة السورية ، وفي محاولة تفحّص  كل من هذين الرأيين ، توقف الكاتب عند مسألتين لهما صلة مباشرة في موضوع هذه التغريبة  ، ووجد أنه من المناسب  ، أن يشرك القارئ الكريم معه في الاطلاع عليهما :

المسألة الأولى : رِن  ذات مساء ، جرس الهاتف في بيتي بمدينة لايبزغ في ألمانيا ، وقد كان على الهاتف شخص ما ، ادعى أنه أحد أقربائي ، ومن نفس قريتي بل و ” حارتي ” ولما سألته من أين تتكلم الآن  ؟ أجاب من غازي عينتاب  ، وماذاتريد مني  ؟ أجاب  أنا موظف في  مكتب أحدى الوزارات  ، وأملك عشرة آلاف دولار ، وأريد أن ” أهاجر ” إلى ألمانيا عبر البحر  ( !! )  . أي أريد أن أشتري بها رحلة من أحد المهربين (!!) .ولكن مثل هذه الرحلات قد تكون نتيجتها الموت غرباً في البحر ، ولذلك لجأت إليك لعلك تساعدني في الوصول ءلى ألمانيا عن غير طريق البحر . بعد أن أفرغ  ” قريبي ” كل مافي جعبته ، أجبته بود ومحبة : ليس المسؤول بأعرف من السائل  بصدد الطرق الآمنة المؤدية إلى ألمانيا ياابن العم . فتش عن شخص آخر غيري .

المسألة الثانية : رِن جرس هاتفي ذات صباح  ، حيث أقيم في مدينة كذا الألمانية ، وإذ بإحدى قريباتي على الهاتف ، من أين  تهاتفينني يافلانة ؟ من درعا ، وماذا تريدين ؟ إن إبني فلان قد هاجر هو وزوجته إلى بيروت ، ولما كان السوريون غير مقبولين في بيروت ، فإن ابني يريد مغادرة بيروت إلى ألمانيا . وخاصة أن رفاقه السوريين قد أبلغوه أن من له قريب في ألمانيا فإن أبواب السماء ستكون مفتوحة أمامه للوصول إلى هناك  (!!)  . قلت لقريبتي دعي ابنك  يرسل  لي  صورة عن جواز سفره وجواز سفر زوجته  ، وصلتني صورة الجوازين  ، وهنا كانت المفاجأة حيث أن زوجته فتاة ” قاصر ” ، وهو أمر غير مقبول قانوناً في ألمانيا بعض النظر عن إمكانية وصوله من عدمها  . غضضت النظر  هذاالموضوع المرفوض أصلا لدي  نهائياً . ولم أعد أرد على الهاتف  ، وفقط منذ بضعة أيام ، هتف لي ابنها فلان ليبلغني أنه الآن في هنغاريا  وهو لايملك شورى نقير . ويريد المساعدة  ، مسكينة سوريا التي بلاها الله بعائلة الأسد المجرمة التي حرمت الناس من بيوتهم وأهلهم ووطنهم وحولتهم إلى ” شحاذين ” .  أعتقد  من جهتي أن هذا الفلان الذي هو قريبي ،  قد يصل مع التغريبة السورية إلى ألمانيا ، بعد أن يكون  قد ذاق  الأمرين في الطريق بين هنغاريا وألمانيا  ، وسيكون على ألمانيا  حل لغز زواجه من فتاة قاصر ، وهو مايتعارض مع القوانين الألمانية التي يحترمها ويلتزم بها الجميع . مسكينة ألمانيا التي بلاها الله كما بلانا بنظام عائلة الأسد ، الذي يقوم على التطهير الطائفي  ، والذي  يجعل الناس يغادرون بيوتهم ويهجرون أهلهم  وبلدهم  ، ويلجؤون  إلى ديار الغربة  حيث   أن  ” الفتى العربي فيها غريب الوجه واليد واللسان  ” !! .

   والآن لماذا تحولت هذه التغريبة  من هجهرة  فردية إلى هجرة جماعية  ثم  إلى ” تغريبة سورية “  مليونية  ، دونها ” التغريبة الهلالية ” إلى تونس الخضراء في القرن الخامس الهجري ؟. في رؤيتنا الخاصة لهذا الموضوع  ( التغريبة السورية ) ، نرى أن  لها سببين رئيسيين  : سبب بعيد يعود إلى القرن التاسع عشر ، وسبب قريب يعود إلى القرن العشرين :

أما السبب الأول فيمكن ربطه بسياسة التتريك التي مارستها جمعية  ” الاتحاد  والترقي “  التركية على العنصر العربي المندرج في إطار الخلافة الإسلامية  آنذاك . حيث أيقضت القومية التركية القومية العربية  ، التي وضعت حجر الأساس للثورة العربية الكبرى في القرن 19 ( ثورة الشريف حسين ) . ولكنها ربطت هذه الثورة  بالحالة الاستعمارية ( حسين – ماكماهون )  التي  ترتبت على اتفاقية  سايكس بيكو ، وبحالة الحداثة الأوروبية التي أعطت لأوروبا قصب السبق في العلوم والتكنولوجيا ، وبالتالي  في كل من ” المصنع والمدفع ” . وتحولت أوربا ( إنجلترا وفرنسا خاصة ) في إطار الحرب العالمية الأولى ، من عدوة للخلافة الإسلامية إلى  صديقة للقومية التركية العلمانية  ( كمال أتاتورك ) ، وعدوة للقومية العربية .

وأما السبب الثاني القريب ( القرن العشرين ) ، فيعود إلى أواسط الخمسينات ، حيث انقلاب الجيش المصري على النظام الملكي في مصر ، وظهور جمال عبد الناصر والناصرية ،  ولاحقاً حزب البعث العربي  الإشتراكي  ، وحركة القوميين العرب  ، كمظهر من مظاهر اليقظة العربية الحديثة  ، وكرد على هزيمة الجيوش العربية عام  1948 في فلسطين  .

لقد انطوى تنظيم حزب البعث العربي الءشتراكي ،  منذ نشأته الأولى ( أواسط الأربعينات )  ، على خلل بنيوي ، من حيث أن تركيبته الاجتماعية  لم  تكن تعكس البنية الواقعية للشعب السوري ، بل إن اللون الغالب على مسيرة الحزب ، كان لون ” الأقليات ” الدينية والطائفية ، من جهة ، ولون الأقلية المثقفة  ( طلبة ومثقفين )  ، من جهة أخرى  ، و غلبة الطابع الريفي على الطابع المديني الحضري ، من جهة  ثالثة  .  لقد رافق هذا الخلل البنيوي مسيرة الحزب كلها ، ولعب دوراً  أساسياً  في أبرز محطاتها ، ولا سيما محطات : الوحدة السورية المصرية ( ج ع م  1958 ـ 1961 ) ، ومرحلة الإنفصال ( 1961 ـ 1963 ) ومرحلة حكم الحزب الواحد ( 1963 ـ 1970) ومرحلة حكم الطائفة الواحدة / الطائفة العلوية  ( 1970 ـ 2011  ) ، ومرحلة الثورة الديموقراطية  ( 2011 –  وحتى اليوم ) . وتعتبر ” التغريبة السورية “  باتجاه أوروبا و آلتي نشاهدها يومياً على شاشات التلفزيون  ، واحدة من مخرجات هذه المرحلة الأخيرة .

وفي عودة إلى تباين الرؤى والرأي حول هذهالتغريبة ، والذي أوردناه في مطلع هذه المقالة نرغب أن نشير بل ونؤكد هنا مايلي :

1) إن حالة الفوضى  في سوريا ، والتي كانت الثمرة المرّة ، لمسك الأطراف الدولية الفاعلة  ، ولا سيما أوباما عصا الثورة السورية ضد بشار الأسد  من منتصفها ، بحيث لايسمح لاتدخلهم العسكري  ، ولا تدخلهم المدني ( استخدام حق الفيتو ) بجعل هذه العصا تميل لصالح هذا الطرف السوري أوذاك  (  المعارضة أو النظام ) .

2)لأن المطلوب بالنسبة لهذه الدول الكبرى ، والمتخمة عسكرياً ، هو أن يستمر الصراع في سوريا بين النظام والمعارضة ، أطول مدة ممكنة ، بحيث يصبح لجوء هذين الطرفين إلى الدول الكبري ( جنيف 3 ) هو الطريق الوحيد الممكن  لهما سلوكه . أي أن حل الأزمة السورية لم تعد بيد أصحابها ( السوريين ) ، ولكنها باتت بيد الدول الصناعية الكبرى ، مالكة المصنع والمدفع ..

3.إن التغريبة السورية إذن ، إن هي إِلَّا نوع من الهروب إلى الأمام ، نوع من هروب الناس بأرواحهم ، وبأرواح نسائهم وأطفالهم ، من براميل بشار الأسد  العمياء ، وصواريخ  وطائرات وسكاكين من يشد على يده من العرب والعجم  ، ومن الشرق والغرب ، ومن الدول الكبرى والصغرى ، إنني لاأنكر إمكانية اندساس  بعض  ( المحبكجية ) بل وبعض غير السوريين في    صفوف هذه التغريبة ، ولكن ذلك لا يعطي احد الحق ،  بمن في ذلك الأوروبيين ،   في ألّا يرى  ، أن السبب الحقيقي وراء هجرة هذه الملايين  ، هو وحشية وهمجية وبراميل وصواريخ وطائرات  نظام بشار الأسد ، والبحث عن الحرية والأمن بعيداً عن هذه البراميل والصواريخ والطائرات ،  وليس البحث عن كسرة خبز أو شربة ماء ، رغم أن ذلك من  أبسط حقوقهم على إخوتهم في الإنسانية ، سواء في الشرق أم في الغرب ، في الشمال أم في الجنوب .. 

اقرأ:

د. محمد الزعبي: نحن وهم ، الإخوة الأعداء !





Tags: محرر