Archived: صبري عيسى: اعلام الشعارات !

صبري عيسى: كلنا شركاء

لماذا لم يقم الإعلام السوري بإجراء حوارات مع المواطنين الذين نزحوا من مدنهم ؟ ولماذا لايلتقي بالسوريين الذين افترشوا الحدائق والأرصفة والساحات بعد انهيار مساكنهم وتشردوا في الداخل والخارج ، أم أنهم أنهم لم يسمعوا بذلك أو اقتصرت مشاهداتهم التلفزيونية على متابعة القنوات الفضائية التي يبثها القمر الروسي حصرياً . !

ولماذا لم يحاول صحفيو الشعارات الطنانة اختراق حدود الدول المجاورة لإجراء حوارات مع النازحين السوريين في مخيمات الذل، كما كان يفعل الصحفيون الأجانب الذين إخترقوا الحدود السورية خلال سنوات الأزمة لمتابعة مايجري في الداخل السوري ، ودفع بعضهم حياته ثمنا للبحث عن الحقيقة ليقدمها لمتابعيه ؟

اعلام باتجاه واحد !

ذات مرة نشرت مجلة صباح الخير المصرية كاريكاتير لشهادة افتراضية لمحو أمية ، وكانت مصدقة بتوقيع يحمل بصمة ابهام من منحها ، وهذه حال اعلامنا ، فالذي يوجه ويقود اعلامنا لاعلاقة له بالاعلام وقد يكون حاملاً شهادة موقعة ببصمة الإبهام ! !

أقول هذا الكلام تعليقاً على الآداء الإعلامي في سورية منذ نصف قرن ، والحوارات التي يكتبها بعض الزملاء لبحث ومناقشة الشأن الإعلامي ، وأقول أن الاعلام السوري بدأ انهياره منذ نصف قرن عندما أغلق الصحف وأوقف امتيازات لصحف وطنية معروفة بالتعددية والحوار والإختلاف ، وتم تأسيس صحافة من لون واحد ورأي واحد وتم تعيين العاملين فيه على مبدأ الثقة وليس على مبدا الخبرة مع الحاق الصحافة بوزارة اعلام مهمتها توجيه كل ماينشر لنقل تعليمات الحكومات المتعاقبة الى ( الرعية ) دون الاستماع الى آراء الناس وإدارة الإختلاف بمايغني حياة الناس ومصلحة الوطن ، وعلى راس المشاكل وأكبرها هو اختيار قيادات لاعلاقة لها بالإعلام مهمتها منع أي اجتهاد وقتل كل مبادرة لتطوير الأداء الإعلامي ومنع وسائل الاعلام من فتح ملفات الفساد والإهمال التي تعشعش في كل أجهزة الدولة ، وأعتقد أنه لو تم الحاق كل وسائل الاعلام بوزارة النقل والاتصال لكان هذا الاجراء أكثر فائدة على الإعلام وذلك لسبب واحد ، هو أن وزارة النقل تقوم بشق طرق سريعة باتجاهين – ذهاب واياب – بينما تقوم وزارة الاعلام على تحديد طريق الاعلام باتجاه واحد فقط ! ! لاخبرة ولامؤهلات !

عندما افقد السيطرة على جهاز الكومبيوتر ولا يعود يقبل أي أوامر لتشغيله ويتمرد على لوحة الكيبورد وكل أنواع الضغط على مفاتيح التشغيل، أشعر بأن هناك (مؤامرة) وهجوما كاسحا من (داعش الفيروسات) لتخريب ذواكر الكومبيوتر التي تصبح في خبر كان، ولابد في هذه الحالة من الاستعانة بصديق أو خبير ليقوم بفرمتة الجهاز وتنصيب البرامج من جديد، وأفقد الأرشيف الذي اختزنته خلال سنوات، ويعود الكومبيوتر الى المربع الأول بولادة جديدة بلا ذاكرة وبلا ملفات ووجع رأس.

هذه الحالة تتكرر معي كل عدة سنوات وقد أستطيع الحفاظ على بعض الملفات التي تهمني أرجع اليها عند الضرورة.

اشعر بأنني بحاجة لفرمتة (عقلي) وإلغاء الذواكر المختزنة في رأسي وتعود الى الأربعة عقود التي عملت فيها في الصحافة الرسمية، وكنت شاهداً على كل الممارسات الانتهازية لكثير من المتسلقين والوصوليين الذين دخلوا الإعلام من بوابة الواسطة.

جهات نافذة كانت تشرف على الاعلام وتمنع تواصله مع الناس، المديرون الذين تناوبوا على المسؤولية كانوا الأسوأ، وفي كل مرة يأتي مدير جديد، يطلب مني في أول يوم له في الجريدة التعاون ويفرد لي أحلامه في التأسيس لإعلام جديد يحمل بصمات التغيير الذي يريده، وأكتشف أن كل ما يفكر به هو تقديم أوراق اعتماده إلى الجهات التي اختارته ليقوم بدور المنقد والمخلص للإعلام، وفي الحقيقة وبعد أيام نكتشف أنا وبعض المهنيين وهم قلائل أن المدير الجديد لا يملك لا الخبرة ولا المؤهل العقلي الذي يسمح له بتمثيل دور (رئيس التحرير) ويبدأ بتكوين شلة من الانتهازيين الذي يشيدون بحكمته وعبقريته، وأن الصحيفة في عهده ستحقق أعلى معدلات التوزيع، وسيقبل عليها الناس أكثر من إقبالهم على الخبز، ويقومون بتزوير أرقام الطبع والتوزيع وإخفاء الأرقام الحقيقية عن التداول واعتبارها أسرار دولة، وأذكر أن احد المفاصل في التحرير قدم معلومة لأحد رؤوساء التحرير بأن حلف الأطلسي هاجم افتتاحيته، حيث انتشى رئيس التحرير طرباً من هذه المعلومة.

ورئيس تحرير آخر ذهب بعد أيام من تعيينه مع الوفد الإعلامي المرافق لرئيس الوزراء إلى دولة خليجية، وبعد وصول الوفد وإجراء أول جولة من المباحثات، أرسل أخبار الاستقبال والمباحثات ونشرها (افتتاحية) في الصفحة الأولى في العدد الصادر في اليوم التالي. اعترف وبكل فخر واعتزاز أنني عملت مع اثنين من المديرين حاولا أن يقدما صحافة تتصالح مع الناس وتعبر عن همومهم وتطلعاتهم، الأول المرحوم الأستاذ جلال فاروق الشريف الذي عملت معه في التأسيس لصحيفة «تشرين» وكان هذا الرجل مهنياً من الطراز الأول وجاء والجريدة في أفقر أوضاعها، وكانت تشغل غرفتين في مطابع صحيفة «الثورة» بدوار كفرسوسة وغرفتين في معهد الاعداد الإعلامي الذي كان مديره، وشكل طاقما للتحرير من الخبرات الإعلامية والثقافية البارزة في سورية، وكان منهم أساتذة غادروا الحياة وتركوا ارثاً ثقافيا وابداعياً يعرفه كل السوريين ومنهم، د. غسان الرفاعي- عادل أبو شنب – محيي الدين صبحي- وآخرون.

وكان من المجموعة المؤسسة الأستاذ جبران كورية وتناوب على كتابة زاوية «عزف منفرد» اليومية الكبيران الشاعر الراحل محمد الماغوط والأستاذ زكريا تامر ـ أطال الله عمره ـ القامة الإبداعية الذي يواصل مسيرته في الكتابة الإبداعية كل يوم.

الثاني الذي عملت معه هو الأستاذ محمود سلامة الذي كان يملك حماساً لتطوير العمل في صحيفة «الثورة»، وكان هذا الرجل يملك حساً وطنياً ورغبة في رفع المستوى المهني للجريدة، لكن (الرفاق) في الجريدة لم يعطوه فرصة ليقوم بمشروعه وانهكوه بالتقارير، لأنه لم يكن حزبياً ولم يكمل عامه الأول في الجريدة، حيث تمت إقالته، وتوفي بعد أشهر من إقالته.

أستعيد عبارة إهداء لروايته «ليلة نبع الفوار» وهو يقدمها لي: «ترى هل تتمكن الأجيال اللاحقة من استرداد أحلامنا المغدورة، هل نخرج من الشرنقة ذات يوم ونولد من جديد؟ آه يا صبري.

اقرأ:

صبري عيسى: عن أحوال البلاد والعباد





Tags: محرر