Archived: د. محمد الزعبي: نحن وهم ، الإخوة الأعداء !

د. محمد الزعبي: كلنا شركاء

بداية لابد من توضيح مضمون  الضميرين المنفصلين  “نحن ” و” هم ” الواردين في عنوان هذه المقالة . إننا نشير بالضمير المنفصل ” نحن ” إلى البلدان النامية عموماً ( الجنوب ) والوطن العربي  منها على وجه الخصوص ، أمّا  الضمير المنفصل ” هم ” فنشير به  إلى البلدان الصناعية الكبرى عموماً ، وإلى أوروباوأمريكا على وجه الخصوص ، والتي عادة مايطلق عليها بلدان  ( الشمال ) ، وإذا مانتقلنا من العام إلى الخاص  ، فإن الضمير  ” نحن ” سيشير إلى ماسبق أن أطلقنا عليها ” التغريبة السورية ” ( على غرار تسمية التغريبة الهلالية )   بينما سيشير  الضمير المنفصل ” هم ” إلى أوروبا بصورة عامة ،    

اعرف أن كتاب القرن الماضي ، ولا سيما اليساريين الحقيقيين منهم ، قد أراقوا كثيراً من الحبر  حول هذا الموضوع ( الشمال والجنوب ) ، ولكني أعرف  أيضاً أن الكثيرين منهم قد كسروا  أقلامهم   وأغلقوا دفاترهم   بعد سقوط موسكو ، وأصبحت الأفكار والتعابير اليسارية  في كتبهم وكتاباتهم ,  أقرب إلى ملح الطعام الذي لايزيد دوره عن دور ” المقبلات ” الأخرى ليس أكثر . ومع احترامي لهؤلاء الكتاب ، وإدانتي لتغيبهم عن الساحة الفكرية اليسارية هذه الأيام ،بل وتركها لأدعياء اليسار ، ولأنصاف التقدميين من أنصار بوتن وبشار الأسد وَعَبَد الفتاح السيسي  ، بل و أنصار كل الديكتاتوريين في العالم . نعم وبالفم المليان : لم تعد الإمبريالية بنظر هؤلاء اليساريين الجدد ( الليبراليين )  ” أعلى مراحل الرأسمالية ” !! ، وإنما أصبحت  مجرد معبر  تاريخي ضروري نحو ” الاشتراكية ” !! .

أنا هنا لا أدعو إلى العودة إلى الوراء ، إلى القرن الماضي  ، ولكني سأتوقف عند موضوعين اثنين ، يمثلان الصورة  الحقيقية للعلاقة الراهنة ( في هذا القرن )  بين  ” نحن ” و” هم ” .  أو بين ثورات الربيع العربي  ، والدول الغربية الموصوفة بالدول الديموقراطية  ، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ، هذان الموضوعان هما :  الإشكالية المتعلقة بالموقف مما بات  معروفاً ب ” ثورات الربيع العربي ” التي انطلقت عام ٢٠١١ ، والإشكالية المتعلقة بما سبق أن أطلقت عليها في مقالة سابقة ” التغريبة السورية ” ( على غرار التغريبة الهلالية ) والتي   تمثلت و تتمثل اليوم بوصول  حوالي مليوني مهاجر ( بل مهجّر ) سوري ، إلى أوربا عامة وإلى ألمانيا خاصة حيث تحولت هجرتهم إلى إشكالية وطنية  حقيقية تؤرق كلاً من منطقتي الجبذ والنبذ  على حد سواء .

لاأريد أن أتوقف فيما يتعلّق بآهداف هذه المقالة ، عند كامل مفاصل المرحلة الاستعمارية في القرنين الماضيين ،ولكني سأشير بالضرورة إلى أهم مفصلين من مفاصل هذه المرحلة ألا وهما اتفاقية سايكس- بيكو ، ووعدبلفور  ، اللذين ما نزال نعيش نتائجهما المأساوية ( التجزئة وإسرائيل ) حتى يومنا هذا .

يشير كثير من الكتاب العرب في  هذه المرحلة ، إلى أن موقف الدول الصناعية الكبرى من قضايانا القطرية والقومية  ، ومنها ثورات الربيع العربي  ، إنما تحدده مصالح هذه الدول ، وليس قيمها الديموقراطية المعلنة . والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : ترى ماهي هذه المصالح التي تجعل هذه الدول الصناعية العظمى تتجاوز قيمها الديموقراطية والأخلاقية إلى عنصر المصلحة  ؟؟.

١. من المعروف أن الصناعات الكبيرة  ( الشركات عابرة القارات ) عادة ماتحتاج الى ثلاثة أشياء يغلب تواجدها في البلدان النامية  ( آسيا ، أفريقيا ، أمريكا اللاتينية ) ، ألا وهي :  الخام ولاسيما النفط و السوق الاستهلاكية  ولا سيما المعد( بكسر الميم وفتح العين )   والأبدان والبنية التحتية ،  ولكي تبقى الطرقات لتحقيق هذه ” المصالح “  المشار إليها  سالكة  ، كان لابد من أن ترتبط المصالح السابقة  بمصلحة  بنيوية غير معلنة وغير ظاهرة  و هي ،أن تبقى البلدان النامية متخلفة في المجال الصناعي ، كي لاتصلالمواد إلى مرحلة متقدمة تستغني فيها عن الصناعات المستوردة ، وتصبح هي بحاجة إلى خيرات بلادها الموجودة فوق الأرض أو تحتها .

إن المصلحة غير المعلنة وغير الظاهرة  الثالثة هي التي أطاحت  ( حسب تقديرنا )  ، بصدام حسين  في العراق ومحمد مرسي في مصر ، وهي التي  تجعل الدول الصناعية المعنية تضع اليوم وزنها السياسي والاقتصادي والعسكري كاملاً لوقف دومينو ثورات الربيع العربي الديموقراطية ، والإبقاء على عملائها  في الوطن العربي ولاسيما  بشار الأسد وَعَبَد الفتاح السيسي وآخرين  على عروشهم  إلى ماشاء الله .

لقد سمعت الرئيس المنتخب محمد مرسي يقول في آخر خطبة له : إن دولة لاتصنع بنفسها ولنفسها الغذاء والدواء ووسائل الدفاع ، لايمكن اعتبارها دولة مستقلة . وعندها التفت إلى صديق كان يستمع إلى خطاب مرسي معي وقلت له : لقد انتهى الرجل ! نعم لقد كان وما يزال للدول الصناعية العالمية  الكبرى ، الدور الأكبر ، في انقلاب السيسي على مرسي  في مصر  ، وأيضاً في  منع سقوط  نظام بشار الأسد  في سوريا على يد ثورات الربيع العربي  ، رغم كل مجازره  ورغم كل براميله المدمرة ، ورغم  ملايين  النساء والأطفال التي قتلها ، والتي دمر بيوتها ، والتي هجّرها ، ورغم لعبة القط والفأر التي  ظل يلعبها مايسمون أنفسهم  زوراً  ” أصدقاء الشعب السوري ” على مدى سنوات الثورة التي بدأت في ١٨آذار ٢٠١١ وما تزال مستمرة إلى اليوم !! .

لقد قال أبو الطيب المتنبي ذات يوم :  إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ألّا تفارقهم فالرَّاحلون هم 

ونحن نقول هنا واليوم ، إن من يستطيع وقف قتل وتهجير نساءنا و أطفالنا ، ولا يفعل ، إنما هو  شريك  في  قتل  وتهجير هؤلاء المواطنين السوريين ،  وليس بشار الأسد وحده . والسؤال الملحّ الذي  يطرح نفسه هنا : ترى من هو ذلك الفارس القادر على منع بشار الأسد من ممارسة هوايته  القذرة ، في قتل أطفال ونساء وشيوخ الشعب السوري ولا يفعل ؟؟ ، وبالتالي الذي ينطبق عليه مضمون  بيت شعر المتنبي ، أي أنه شريك في قتل أطفالنا  ؟؟ .  أترك للقارئ الكريم الإجابة على هذا السؤال .

بينما كنت أنظر إلى آلاف السوريين من أبناء جلدتي من النساء والأطفال والشباب  ، هذا المساء عبر التلفاز  ، وهم  يصارعون الجوع والعطش والموت  والخوف والتعب ، كيما يصلوا إلى بلد أوربي غربي ، يعتقدون أنهم بوصولهم إليه سوف  يودعون  ذلك الجوع والعطش  والخوف  والتعب والموت تحت الأنقاض وبراميل بشار الأسد المتفجرة والعمياء ، وصواريخه الفراغية ،  ومشاهدتهم  أطفالهم وهم يلفظون أنفاسهم في أحضانهم . أو بين فكي سمك القرش ، سواء في البحر الأبيض المتوسط ، أو في بحر إيجه  ، تساءلت عن السبب الجوهري لهذه الظاهرة الانسانية  المؤلمة ، ؟ وجاأني الجواب :  إنها براميل بشار الأسد ، وصواريخه ، وطائراته ، وخبراؤه الروس ، وقوات حلفائه الإيرانيين ، وقوات حسن نصر الله ، وأسلحة عبد الفتاح السيسي ، وصمت المجتمع الدولي  .    

نعم لقد سكت الجميع عن قتل أطفالنا واغتصاب نسائنا وتدمير مدننا وقرانا من قبل نظام بشار الأسد الطائفي وشبيحته الداخليين والخارجيين ، ولكن طائر العنقاء سوف يظل  يصيح في آذان وفي ضمائر هؤلاء الساكتين صباح مساء قائلاً :  الساكت عن الحق شيطان أخرس

  أمّا ” التغريبة السورية ” الراهنة ، تغريبة  صيف 2015  فيمكن حصر الضمير المنفصل  ” نحن “  هنا بالمليوني سوري ، الذين غامروا بأنفسهم  وأولادهم  ، في الانتقال بزوارق المهربين  المطاطية ، وقواربهم الخشبية المهترئة ، ليوصلهم عبر بحر إيجه ،  من مدينة أزمير التركية  إلى اليونان ، كنقطة عبور وانطلاق إلى أوروبا الغربية الغنية ، ولا سيما ألمانيا والسويد . وأيضاً  حصر  الضمير المنفصل  “  هم ” بدول الاتحاد الأوروبي  بقسميها : الشرقي والغربي ، ولا سيما دول العبور بين اليونان وأوروبا الغربية .

لاأريد أن أتوقف كثيراًعند المعاناة ومحاولة الإهانة والإذلال التي لقيها هؤلاء الإخوة الهاربون من ألموت ( براميل بشار الأسد وصواريخه الموجهة وطائراته ) الى بلاد تحميهم من هذا الموت وتمنح أطفالهم  ونساءهم فرصة  ممكنة لحياة كريمة ، خالية من البراميل ومن أزيز الطائرات ودوي الصواريخ . ولكن ذلك لايمنعنا من الإشارة إلى الدور السلبي والمدان وغير الأخلاقي الذي لعبته بعض دول أوروبا الشرقية ، ولا سيما هنغاريا في هذا المجال . كما لايمنعنا أيضاً من الإشارة إلى صمت الدول الغربية كلها ، عن السبب الحقيقي لهجرة هذه الملايين من السوريين  من بلدهم ومن قراهم ومدنهم إلى أوروبا ، ونعني بهذا السبب – بطبيعة الحال – نظام بشار الأسد الديكتاتوري والفاشي والطائفي والوراثي .

لقد زارني قبل قليل أحد الأصدقاء وقرأ على مسامعي من الفيسبوك القصة المؤلمة التالية  ، والتي سأوردها بسبب علاقتها بموضوع هذه المقالة  :

شاهد بعض من يقفون على شاطئ إحدى المدن المتوسطية ، شخصاً قادماً من بعيد  سباحة إلى الشاطئ ، وعندما وصل وكان منهكاً ، استلقى على الرمل لاهثاً  ، وسأل من يحيط به : هل هذه هي اليونان ؟ ، فأجابه المحيطين به ، بل هذه هي طرطوس ! ، فما كان من هذا الشخص بعد أن سمع كلمة طرطوس ، والتي  يعرف على مايبدو أنها مدينة موالية لنظام بشار ، حتى عاد  مسرعاً إلى البحر ، مسلماً أمره لله ولأسماك القرش ( !!) ولكن ليس لشبيحة  بشار  .

إن ماأريد أن أقوله هنا  لأصدقائنا الأوروبيين  : إن السكوت عن دور بشار الأسد في هذه الهجرة الملايينية ، يجعل الاستقبال الجيد للاجئين السوريين من قبل بعض دولكم  ،  يفتقر إلى المضمون الحقيقي  للتعاطف الإنساني ، حيث يتم وضع  الباحث عن المساعدة الإجتماعيّة ، والباحث عن الحرية في سلة واحدة  ، وهذا مالا نرضاه لا لنا ولا لكم

اقرأ:

د. محمد أحمد الزعبي: بين بشار وأوباما شعرة معاوية





Tags: محرر