on
Archived: الاندبندنت: حكومة أوربان جلبت العار لـ”هنغاريا”
جورج زتسيترس- الاندبندنت: ترجمة فائق يوسف- كلنا شركاء
ذات ليلة، عندما كنت في الثامنة من عمري، وبعيد فشل انتفاضة 1956، لجأت عائلتي وبطريقة غير شرعية إلى النمسا. لقد كان ذلك صعباً وأسهل علينا من اختيار الغرق في قارب، أو الاختناق في شاحنة. لماذا فعلنا ذلك؟
لم يناقش معي أحد ذلك، ولم يطلب أحد من الأطفال الصغار أن يتزاحموا هكذا، على الحدود الهنغارية- الصربية.
أتذكر، كانت أوربا قد استعدت جيداً لاستقبالنا، حيث كانت النمسا قد أعدت لنا المخيمات اللازمة، وبعد ثلاثة أيام من البقاء في تلك المخيمات عرضوا علينا السفر إلى بريطانيا، ولم يكن آنذاك ليخطر ببالنا حتى أن نحلم بزيارة بريطانيا، التي بدورها أيضاً قد استعدت لاستقبالنا.
في زيارة لي قبل بضعة أسابيع الى بودابست، وحيث كان الجو حاراً، ذهبت للالتقاء بصديق في محطة قطار ” كِلِتي”. وما أن أدت بنا السلالم إلى خارج المحطة حتى رأيت اللاجئين :أسراً كاملة، آباء، وأمهات، وأطفالاً تتراوح أعمارهم بين الثامنة وما دون ذلك، وعلى مقربة منهم كان ثمة حشد مؤلف من حوالي سبعين شخصاً حشد يهتفون مرددين: ” المانيا! المانيا” تحيط بهم شرطة مكافحة الشغب.
أيضاً كان هنالك العديد من رجال الشرطة داخل وخارج محطة القطارات صامتين، يفرضون الملل على المكان، وهم يمنعون اللاجئين الذين ليست بحوزتهم أية وثيقة رسمية ماعدا تذاكر السفر من صعود القطارات الواقفة.
سار نحونا نادل المقهى القريب و هو يومئ لنا بالقول: ” أهلا بكم في هنغاريا” ، ثم واصل حديثه قائلاً قبل ألف عام كان الهنغاريون أيضاً حرس حدود أوربا المسيحية.
لكن، لا، ذلك ليس دقيقاً تماما، بطبيعة الحال، فإن من جاؤوا قبل ألف عام كانوا من المجريين المهاجرين غير المسيحيين، فقد حاولوا دخول هذا المكان، والبقاء في حوض الكاربات والسهول المجرية.، قبل أن تظهر بعد ذلك الحدود المسيحية.
غير أننا سرعان ما عدنا الى العالم المسيحي .و من أوربا المسيحية التي يدافع عنها المجريون ضد حشود المسلمين والإرهابيين كما يقول رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان. فهو يريد أن ينقذ ويحفظ المجر لتكون للمجريين الأصليين فليس كل المجريين مجريون في الحقيقة ويضيف أوربان بأنه أرسل استبياناً ما يعني بأن المهاجرين هم متطفلون أو إرهابيون، كما أنه وضع لوحات إعلانية موجهة إلى اللاجئين في المجر بغير لغاتهم مفادها أنه لا يسمح للاجئين بشغل وظائف المجريين. طبعاً لا يرغب أحد بالبقاء، ولكن تلك اللوحات تم تخصيصها بعد إخافة المجريين في البداية.
أوربان منشغل باستحضار التاريخ الذي يربط المجر مع الإمبراطورية “السلطنة” العثمانية. فبالنسبة إليه الإمبراطورية العثمانية لافتة للنظر نحو الماضي. و قال إنه بحديثه هذا إنما يحذر، إنما يقرع الأجراس، فإن هؤلاء يريدون أن يأخذوا أكثر،غير أن المجر ليست هي نفسها كما كانت سابقاً….!.
حقيقة، ينبغي على أوربان أن يؤدي دور الرجل القوي، لأنه سيكون في منافسة مع الرجال الأقوياء في حزب جوبيك اليميني المتطرف والذي يمكن أن يحل محله في الانتخابات القادمة مستحوذاً على المؤسسات والجيش. ومن هنا تتولد الشراسة وتنشأ البلاغة التي لاتخلو من الكراهية، عاكسة ما كانت عليه الأحوال منذ البداية، كمحض عداء وقذف.
تكمن هنا مشكلة لوجستية و أخلاقية بالنسبة لـ” أوربا” والتي فشلت في التعامل مع سيل اللاجئين الوافدين والتي لم تشهدها بلادهم من قبل، على الرغم من استقبالهم للمجريين في 1956، إلا أنها قد غدت أكبر الآن و يصعب تنظيم اللاجئين و إيجاد مكان لهم. ألمانيا والنمسا استقبلت عدداً محدداً بحسب قدرتها من اللاجئين لكن ليس بإمكانها الاستمرار في تلقي اللاجئين. من جانبه يقول رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بأن بلاده دفعت الملايين للاجئين خلف الحدود السورية. لكن اللاجئين الذين اختاروا الطريق المحفوف بالمخاطر التي نجوا منها سواء أكان على الحدود المجرية أو في محطات القطارات، بعد توغلهم داخل البلاد، فإنهم منذ الآن، وخلافاً لاتفاقية جنيف يعدون بنظرهم مجرمين، ليحكم عليهم بالسجن ثلاث سنوات، لتجاوزهم الحدود، ثلاث سنوات بتهمة التهريب، أو نزع وتحطيم السياج.
مخز جداً بأن المملكة المتحدة قد اتخذت إجراءات كثيرة في أفغانستان والعراق على المدى الطويل لترسيب الأزمة، لكنها لم تفعل سوى القليل جداً بالنسبة لهم. لكن موقف الحكومة المجرية هو أكثر تخاذلاً ليس من خلال معاملة اللاجئين السيئة فحسب و إنما أيضاً من خلال الإساءات النابعة من مواقف سياسية، وهو ما يختلف عن الفشل التنظيمي وحتى الأخلاقي ويعتبره أوربان وحكومته نجاحاً تنظيمياً وأخلاقياً، فممارساتهم لا تأتي إلا كنتيجة لعامل الخوف، وثقافة الكراهية و العنصرية.
يشهد العالم أجمع وحتى الصحفيون و الناشطون هناك بأن الهنغاريين على هذا النحو من السوء، فالآلاف من المتطوعين يساعدون اللاجئين لمدة أسابيع، لكنهم غير تابعين للمؤسسات الحكومية الرسمية.
وإنه على الرغم من العمل الإنساني المشرف لهؤلاء، فإن من شأن تدابير وممارسات الحكومة الإساءة إلى اسم المجر في سمائها العالية.
Tags: محرر