on
د. يحيى العريضي: الرأفة بالعباد، أيتها السلطة الرابعة
د. يحيى العريضي: كلنا شركاء
مثاليا، يحكم عالمنا سلطات ثلاث؛ التشريعية، والقضائية، والتنفيذية؛ كما اصطُلِح أن تحتل سلطة الإعلام المنزلة الرابعة؛ لتنال حرية الكلمة او حرية الصحافة لقب “السلطة الرابعة”؛ وخاصة بعد أن نصَّ الدستور الأمريكي في أحد مواده /الرابعة على ما أعتقد/ على إعطاء قداسة خاصة لذلك الدور الفاعل لهذه الأداة. من هنا، امتلك الإعلام الأمريكي قوة جبارة شكّلت طيفاً مهيمناً مخيفاً برقابته وسطوته وسلطته تجاه الثلاث الأوُل. أزاح الإعلام الأمريكي رؤساء، أوصل آخرين؛ أهلك إمبراطوريات إقتصادية، رفع أخرى من الرماد؛ أبقى قضايا وكيانات على الساحة الدولية، وسحق أخرى.
لم تقتصر قوة هذه “السلطة الرابعة” على ما استمدته من لحظها في الدستور الذي عززها بقوة القانون، ولكن ما دججها بسطوة جبارة هو اندماجها بالمؤسسات الإقتصادية الأقوى في ذلك البلد وعالمياً عبر ارتباطها العضوي بالمؤسسات الأقوى اقتصادياً والمتمثلة بمؤسسات المال والسلاح والنفط والتقانات. من هنا صار السياسي الذي يكسب ودها اسطورة لا تتزحزح، ومَن يناكفها في خطر محدق؛ وكي تصمد في وجه تلك السلطة الرابعة، لا بد من ارتباط مع المؤسسات الأخرى؛ وحتى تلك أحياناً لا تنفع. مَن تفضّله أو من تتعهده يسود، ولو كان “خرقة”؛ ومن تستعديه يترنح، ولو كان “فلتة زمانه”. مِن هنا، قِيل بأن هذه السلطة لا تُعادى.
هناك على أية حال استثناءات. هذه السلطة حبّت أوباما، فسدّت ثغراته وحمته كثيرا، فجعلت- باعتقادي مِمَن سقفه إدارة شركة محاماة شبه فاشلة- يحكم بلداً جباراً ويحدد قضايا مصيرية عالمية ثمان سنوات. ولكنها حبّت “هيلاري كلنتون” ولم تتمكن من أن تأتي بها إلى الرئاسة التي أيضاً لا تستحقها؛ برايي. في بداية السبعينيات شوهت أهم جنرال أمريكي في “فيتنام” /وست مورلاند/ وأنزلته عن عرشه؛ وأزاحت أحد اهم الرؤساء الأمريكيين (نيكسون، الذي حيّد الصين وسلخها عن الاتحاد السوفييتي)؛ ولكنها في الوقت ذاته حمَت “بيل كلنتون” المطعون بأخلاقه.
والآن، ما قصة هذه السلطة الرابعة مع “دونالد ترامب”؟ لو ان إمبراطورية تعرضت لـ “التسونامي” الإعلامي الذي يتعرض له “ترامب” منذ بداية حملته الانتخابية حتى اللحظة، لأضحت هباءً منثورا. صحيح أنه مادة ممتعة و مثيرة وإشكالية تحتل الموقع الأول في أي إجندة إعلامية، وصحيح أنه ناصب الإعلام العداء وتعرض له بشكل مثير للعدائية، إلا أن الصفة العامة للتناول الإعلامي لترامب تغلب عليها السلبية والاستهداف المدمر؛ والذي لا يتناسب حجما مع سقطاته الجاذبة جداً للإعلام؛ فحتى لو كان الهدف غير متوازن لا بد لوسيلة الإعلام من التوازن والمهنية العالية كي تحافظ على المصداقية رأس مالها الأساس.
إذا ما تفحصنا- وبشكل عابر- طبيعة تغطية السلطة الرابعة في أمريكا لزيارة “ترامب” إلى السعودية، نجد أنها كادت ترسمها كـ “سيرك” يجري في مكان بعيد لا قيمة له؛ والأمر الأهم (عمالته للروس الذين تدخلوا بجلبه لرئاسة أمريكا). الانشغال الإعلامي الأمريكي كان يتمحور حول هذه النقطة في مختلف الشبكات والمحطات والمؤسسات الإعلامية الأمريكية وتوابعها، ابتداءً من “السي أن أن” وانتهاءً باصغر محطة أو صحيفة تعتمد على مصادر إعلامية أمريكية.
ركزت في تغطيتها على تناقضات الرجل؛ فهو برأيها يسعى إلى إصلاح وحتى مسح ما خرّبه لشهور خلال حملته الانتخابية تجاه الإسلام والمسلمين؛ وكادت لولا “الضرورات المهنية” أن تصفه بالمنافق. { وقد لا نختلف مع هذا التوصيف بحكم ما لحقنا من أذى إثر ذلك}. بخصوص مسألة “الإرهاب”، اعتبرت ان ما يقدمه ترامب ليس أكثر من تنظير، وكادت أن تكون لسان حال الإعلام الإيراني عندما رأت وجوب حديث ترامب عن “الوهابية” في السعودية. قرّعته لأنه يتحدث فقط عن إيران دون أن يأتي على ذكر الدور الروسي العبثي؛ وكأنها تغمز مذكّرة إياه بارتباطه مع الروس، ولذلك لم يذكرهم. وفي جانب ثالث في المرافعة عن إيران، قالت إن علينا أن نعرف أن التصادم مع إيران يعني التصادم مع أوروبا بحكم أن أوربا شريكاً في الاتفاق النووي. وفي جانب رابع من المرافعة عن إيران قالت إن انتقاد سجل حقوق الإنسان في إيران يستلزم أيضاً انتقاد سجل حقوق الإنسان في السعودية.
مقدّسة هذه الحرية التي يتصرف بها الإعلام؛ إنها الحالة الصحية نحو مجتمع عفيّ قوي يصون الوطن وأهله؛ ولكن أن لا ترى إلا سواداً وبؤسا وسلبية بمن أُعطيت الحق بتصويره وتسليط الضوء عليه، فهذا سوء استخدام للسلطة، وما هو من المسئوولية والوطنية بشيْ؛ وما هذه المؤسسات الإعلامية بدكاكين من العالم الثالث تسوقها العواطف والشخصنات والمرامات ومشاعر الحب والكراهية والانتقام؛ كأن “يزعل” حاكم من حاكم، فيسلط عليه أدواته وأبواقه الإعلامية. نحن نتحدث هنا عن سلطة رابعة ملحوظ دورها في دستور له قداسة عند اهله.
لا بد أن ياخذ مراقبون متوازنون على هذه السلطة انها لم ترَ مثلاً في ما قام به ترامب في رحلته فعلاً أقل ما يُوصف به أنه تاريخي؛ وربما يفوق ما قام به “رونالد ريغن” عام اثنين وثمانين من القرن الماضي خلال زيارته إلى لندن. يذكرنا “نيوت غينغرتش” المرشح الرئاسي السابق للرئاسة الأمريكية أنه من هناك أطلق “ريغن” عبارته المشهورة/ The Evil Empire – امبراطورية الشر/ للاشارة إلى “الاتحاد السوفييتي” حينها. تلك كانت المقدمة لانهيار تلك الامبراطورية. مِن السعودية أيضاً أطلق “ترامب” شراكة مختلفة مع المنطقة الأكثر حيوية وخطراً وحساسية في العالم وحرباً على الخطر الأكبر على عالمنا “الإرهاب”. تُغفل هذه السلطة الرابعة وتنكر على ترامب ما قد يشكل الحدث التاريخي بعد خطوة “ريغن” تلك؛ خطوة سيذكر التاريخ انها غيّرت العالم. بالنسبة لنا، كأصحاب قضية، اول ثمارها سيكون الخلاص من السرطان الإيراني. ومن يعش، يرى.
حسبنا في سورية أن نكون الساحة التي كانت مقدمة في أحداثها إلى ما قد يغيّر العالم. نأمل أن يكون إلى الأفضل؛ رغم أن ما دفعناه من أرواحنا ودمنا يفوق التصوّر. على كل، تاريخياً سورية مهد الحضارات، فليس غريباً عليها أن تساهم- حتى ولو على حساب دمها- في تاريخ البشرية وتغيّرها إلى الأفضل. أخيراً، وعود على بدء- وليس دفاعاً عن ترامب- الرأفة بالعباد أيتها السلطة الرابعة.
Tags: سلايد