Archived: د. محمد الزعبي: الثورة السورية بين بوتين وأوباما

د. محمد الزعبي: كلنا شركاء

بعد التطورات العسكرية الأخيرة ، التي تمثلت ، بالاحتلال الروسي لسوريا ، والصمت الأمريكي على هذا الاحتلال  ، بدأت لعبة الأمم في المنطقة العربية ،  تأخذ شكلين فاضحين ، تمثل الأول بقيام قوات الغزو الروسي في سوريا بقصف مواقع المعارضة السورية ، المتداخلة مع المواقع التي ماتزال تحت هيمنة نظام بشار الأسد ، وذلك بهدف تكريس واقع جغرافي جديد ، تستطيع  أن تنطلق منه قوات النظام ، وقوات أعوانه ( القوات الروسية والإيرانية وقوات حسن نصر الله ) بحرية نحو  أهدافها في ضرب  ثورتي الربيع العربي في كل من سوريا والعراق ، وبالتالي تثبيت النظامين الطائفيين في ذينك البلدين العربيين ، النظام الطائفي الشيعي  في العراق ، الذي خلقته أمريكا عام 2003 ،  وكلفت إيران برعايته وحمايته ، ونظام الأقلية العلوية في سوريا ، الذي تتولى روسيا خلقه وتثبيته هذه الأيام  ، والذي  تشير ضربات طائراتها التي بدأت يوم أمس 30.09,2015 إلى هذه الحقيقة دونما غموض أو التباس ، حيث  ستتولى إسرائيل لاحقا ( بعد انسحاب القوات الروسية )  رعايته وحمايته  . وتمثل الثاني ، في أن مجيء روسيا إلى سوريا ، لم يكن  لضرب دولة العراق والشام  ( داعش )  ، وإنما لحماية نظام بشار الأسد الطائفي من السقوط . إن ما رأيناه أمس ونراه  اليوم وربما سنراه غداً وبعد غد  وبعد بعد غد  ، لاعلاقة له بداعش  . إن داعش سواء أكانت نبتاً طبيعياً أم مصطنعاً  ليست  بنظرنا أكثر من المشجب الذي  تعلق عليها الدول الكبرى ، وعلى رأسها روسيا وأمريكا أضاليلها في  العراق وسورية ، أي إخفاءها للحقيقة  ليس أكثر .   

عندما قامت الولايات المتحدة الأمريكية  ( بوش الإبن ) بغزو العراق عام 2003م ، كان قادتها  يعرفون جيداً أن غزوهم العراق ، واستبدالهم بنظام صدام حسين ، النظام الطائفي الشيعي  العلقمي البريمري ، لايمكن تمريره ولا تبريره و لا تثبيته  عربيا وإقليميا ودوليا إلا بغزو سوريا ، وتكريس حكم عائلة الأسد فيها وخلق بالتالي” درب حرير”  جديد للنظام الرأسمالي العالمي الجديد ، يصل بين طهران وتل أبيب مرورا ببغداد ودمشق وبيروت ، تتولى رعايته وحمايته ( في السنوات القليلة القادمة على الأقل ) كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا ، حيث تنطلق الدولتان معا لوضع  حاجز حديدي ، اقتصادي وعسكري وعسكري  وبشري ، في وجه تطور و / أو تقارب كل من الصين والعالم الإسلامي ، باعتبارهما يملكان القدرة المادية والمعنوية  ( الاقتصادية  والبشرية والأيديولوجية ) ، للعب دور عالمي وإنساني أكبر وأفضل  من الآخرين لمستقبل البشرية .

أعرف أن البعض لايقبلون بهذه الرؤية ، ولاسيما أن الإعلام العربي والعالمي مايزال يضخ في رؤوسنا جميعاً منذ 18 آذار 2011 ، أن روسيا هي العدو ، وأمريكا هي  الصديق . وإذا ماقبلنا الشق الأول من هذه المعادلة ( روسيا هي العدو ) ، فأين نذهب بالمثل الشعبي الذي يقول ( الصديق عند الضيق ) . فأي ضيق أكبر مما وصلت إليه الحالة في سوريا ،  بعد أن بلغ عدد قتلى الثورة ، بمختلف أنواع الأسلحة ، بما فيها السكاكين، وبما فيها أيضاً سمك القرش في البحر الأبيض المتوسط وبحر إيجة ،  أكثر من نصف المليون ، وزاد عدد مهجريها على العشرة ملايين  ، بمن فيهم مئات الألوف الذين تغص بهم اليوم شوارع مختلف المدن الأوروبية  ، ولا سيما مدن أوروبا الغربية ، والذين هجروا بلادهم ووطنهم سوريا هرباً من براميل الأسد وطائراته وصواريخه ، وأيضاً طائرات وبراميل وصواريخ حلفائه الروس والإيرانيين وحزب حسن نصر الله ونظام السستاني في بغداد ، كل هذا ولم نسمع من هذا الصديق على مدى السنوات الأربع والنصف الماضية سوى عبارة يتيمة واحدة متكررة هي  ” لقد فقد بشار الشرعية ولم يعد له مكان في مستقبل سوريا “. إن من قرر أن بشارالأسد ونظامه الطائفي  لم يعد لهم مكان في سورية ، هو الشعب السوري نفسه ، هو ثورة آذار 2011 العظيمة وليس أوباما أمريكا ولا بوتين روسيا !!.

إن لكاتب هذه المقالة وجهة نظر ، طالما رددها على مسامع كثير من الأصدقاء مفادها ، أن هاتفاً جديّاً واحداً من أوباما إلى بشار الأسد يقول له فيه فقط ثلاث كلمات هي : ” أوقف البراميل فوراً ” ، يعتبر كافياً لحقن دماء عشرات آلاف الأطفال والنساء والشيوخ في سوريا  ، بيد أن  هذا الصديق ، ومع الأسف الشديد  ، لم يفعل !!. إننا معذورون في أن نسمع كلامهم بإحدى أذنينا ، ثم نخرجه من الأذن الأخرى .

هذه رؤيتنا لما جرى و يجري وسيجري في  منطقتنا العربية عامة ، وفي بلدنا الحبيب سوريا خاصة . أي أن العلاقة بين روسيا وأمريكا  في المسألة السورية هي علاقة  ـ على المدى القريب  على الأقل ـ غير عدائية ، وما عدا ذلك لا يعدو كونه  نوعا من الأضاليل الإعلامية  المدروسة بعناية  ، والتي يريدون منا أن نصدق  من خلالها ما تقوله  ألسنتهم ، ونكذب مانراه بأم أعيننا ما تفعله ايديهم  . هذا والله أعلم . 

اقرأ:

د. محمد الزعبي: التدخل الروسي الصارخ والتدخل الأمريكي الصامت





Tags: محرر