Archived: د.موسى الزعبي: سر التآمر الكوني على الثورة السورية

د.موسى الزعبي: كلنا شركاء

شهدت المنطقة منتصف القرن الماضي ثورات عربية للتحرر من الاستعمار الفرنسي والإنكليزي اللذين انتصرا بالحرب العالمية الأولى وتقاسما المنطقة حسب اتفاقية مارك سايكس و فرانسوا بيكو وتصريح جيمس بلفور واتفاقية سيفر ولوزان ولكن بعد الحرب العالمية الثانية تغيرت موازين القوى الدولية لصالح الاتحاد السوفياتي وأمريكا وأصبح الحفاظ على الانتداب من قبل انكلترا وفرنسا باهظ الثمن علاوة على عنفوان حركات التحرر الوطنية فلم يكن هناك خيار لإجهاض هذه الثورات إلا بركوب موجتها من قبل المنتصرين بالحرب الثانية أمريكا والسوفيات فتم دعم عبد الناصر بمصر ضد الملك فاروق والإخوان بما يسمى ثورة تموز ليدخل مصر بحكم العسكر ويسن لذلك بكل الأمة حيث لا زلنا نعاني من أثاره المدمرة حتى الآن

كما عمدت فرنسا قبيل خروجها لغزو الجيش السوري بالأقليات بما عرف جيش المشرق ليبقى بؤرة للانقلابات حتى تم تهيئة هذا النظام العميل بعد ثورة الثامن آذار من قبل السوفيات عسكريا وكذلك العراق بعد ثورة شباط والفاتح من أيلول بليبيا والجزائر حيث تم تنصيب العسكر بسدة الحكم بكل هذه البلاد

وبذلك تم سرقة ثورات التحرر العربية لصالح الأمريكان والسوفيات وذلك بتولية أنظمة تابعة لها بما عرف بحكم العسكر رغم بقاء تبعيتها السياسية والثقافية لدول الانتداب السابق , كما حصل سابقا بخداع العرب بالثورة العربية الكبرى حيث استغل النفس القومي العربي لهدم الخلافة العثمانية الإسلامية وكما تم حاليا بثورات الربيع العربي بمصر وتونس وذلك بعودة الحرس القديم وحكم العسكر, لذلك كانت الحيرة الدولية والسر بالثورة السورية هو زوال الحرس القديم وخاصة الجيش الطائفي من جذوره الذي يعتبر تصميمه جزء أساسي لنجاح واستمرار كيان وعد بلفور الذي كانت نواته جيش المشرق وذلك لتورطه بجرائم إنسانية وجرائم حرب ضد شعبه ويقين العالم باستحالة إعادة ترميمه للمهمة المكلف فيها بحماية اسرائيل وقمع أي حرية أو انتفاضة للشعب السوري ,

فكانت الثورة السورية عبارة عن تمرد على سياسة ومنظومة دولية عمرها أكثر من نصف قرن وذلك بإرهاصات ولادة جيش وطني متمثل بالجيش الحر وبقية الفصائل الإسلامية واستحالة تكوين جيش مشرقي كما فعلت فرنسا قبل جلائها لوقوف الأقليات الدينية والايدلوجية بين الحياد الإيجابي أو السلبي وبين التماهى مع إجرام النظام ضد شعبه ،

فحاول العالم عبثا إنشاء جيش مشرقي من داخل الأكثرية الثورية بسوريا وذلك من خلال غرف الموك بالأردن والموم بتركيا ولكن باءوا بالفشل بعد محاولة قرابة ثلاث سنوات فقد نجحوا فقط بشراء بعض القادة وضخ أموال وأسلحة لبعض القيادات الفاسدة لتخريب الثورة ولكن مع ذلك فشلوا باستمالة السواد الأعظم من الثوار على الأرض مما اضطر الموك والموم لتقليص الدعم واعتماد القادة الأكثر تجربة وخبرة بالطاعة مع اتباع سياسة الاغتيالات للقادة الشرفاء

وبالتزامن مع هذا المخطط فقد تم اختراق الثورة من الداخل بتنظيم داعش واعطائها انتصارات وهمية وزخم شعبي وخاصة بعد تسليم الرقة لداعش بين ليلة وضحاها لخداع الثوار ولكن سرعان ما اكتشفت حقيقة داعش الذي كان بمثابة صفعة لإيران وأمريكا وحلفائها حيث كانت غاية التنظيم ضرب الثورة من الداخل وشيطنة صورتها النقية الطاهرة وتلطيف الصورة البشعة للنظام المجرم وذلك بخلق مقارنة باللاوعي لدى الشعب أن بقاء النظام أفضل من إجرام داعش ولكن أيضا فشلوا فقد فاقت جرائم النظام كل جرائم التاريخ البشري

ومن أحد أهداف داعش وقف تعاطف الشعوب العربية والإسلامية مع الثورة وذلك بلصق تهمة داعش بمن يريد دعم الثورة وقد نجحوا من خلال داعش بذلك وبخلط الأوراق وتجفيف الدعم الشعبي وتشويه صورة الثورة إعلاميا إضافة لتصفية الكثير من القيادات الثورية الشريفة بإشراف الموك والموم ولصق ذلك بداعش غالبا وقد أصبحت داعش حصان طروادة لكل أجهزة الاستخبارات العربية والدولية وذلك بالقيام بجرائم وتصفيات للخصوم ولصقها بداعش ومع ذلك صمدت الثورة بوجه كل ذلك

ولعل أهم الأهداف طويلة الأمد لدعم التطرف مثل داعش والبوكو حرام بأفريقيا هو ضرب وسطية الإسلام وبالتالي الربيع العربي الإسلامي وتشويه أي بديل لهذه الأنظمة المجرمة وخاصة بعد نجاح تجربة الإسلام السياسي بتركيا وبالأشهر الأخيرة عمدوا للعشائرية وتكوين الصحوات ولكن أيضا الوعي الثوري أفشلهم وبمقابل اختراق الثورة من الداخل فقط أعطى العالم الضوء الأخضر لإيران وميليشياتها الشيعية اللبنانية والعراقية وغيرهم للعيث فسادا وإجراما بسوريا حتى أبلغت إيران أمريكا بعدم قدرتها على متابعة دعم النظام إذا لم تفك الأموال المحجوزة عنها فكان الاتفاق النووي وتعويم ايران دوليا من أجل ذلك ,

وطيلة الفترة الماضية كانت أمريكا ولا تزال تلعب دور العدو السلبي وذلك بمنع تزويد الثوار بأسلحة نوعية وكذلك بشيطنة الفصائل المخلصة على الأرض وتجفيف الدعم والمساعدات والضغط على العرب وتدريب عناصر تابعة لها .

وربما يكون التدخل الروسي الفصل قبل الأخير للثورة السورية بعد افتعال مشكلة ملف اللاجئين وفشله بإجهاض الثورة بل ارتد سلبيا على أوربا وخاصة ألمانيا القوة الصاعدة ضد هيمنة الإنكليز فأغلب دول أوربا أصبحت مرهونة اقتصاديا لألمانيا كما أن امريكا لا تزال تعاني منذ قرابة عقد من الأزمة المالية التي أصابتها وتحتاج شريكا يساعدها بحمل أعباء العالم وأخذ الدور السيء والقوة الخشنة فكان الخيار الأفضل هو روسيا وريثة السوفيات بالإضافة لشرطي أمريكا بالمنطقة إسرائيل وايران وبعض أنظمة العرب وهناك خوف عالمي من أزمة مالية و انهيار بعض الأنظمة اقتصاديا إذا استمر عدم الاستقرار بالمنطقة وخاصة الثورة السورية .

فلا شك أن التدخل الروسي جاء بتوافق ضمني أمريكي روسي للحفاظ على المناطق الحيوية للنظام أو ما يسمى سوريا المفيدة واتباع سياسة الأرض المحروقة بالمناطق المحررة لغاية ما يتم هيكلة جيش مشرقي بديل لجيش النظام يحكم البلد ربما بواجهة إسلامية على غرار الشيشان أو كرزاي بعدما فشل الامريكان بذلك رغم نجاحهم بتأخير إسقاط النظام وذلك لفرض هيئة الحكم الانتقالية حسب جنيف 1 الناتجة عن تزاوج النظام مع المعارضة المشكلة من النظام داخل الائتلاف وهيئة التنسيق ولنجاح ذلك يجب أن يترافق بتدمير أجهزة المناعة الخارجية للثورة السورية كي تركع  لهكذا حل وخاصة تركيا والخليج ولكن احتمال نجاح ذلك ضئيل وسيضطر العالم بالنهاية لمفاوضة الثوار الحقيقيين على الأرض بعد معركة كسر عظم ربما تمتد أشهر أو سنوات .

وربما المخطط له هو صدام مباشر على الأرض السورية بين كل من روسيا وايران من طرف والخليج و تركيا من طرف وقد يكون ذلك بتفويض من الفصائل الثورية لإضفاء شرعية لذلك التدخل كي يضطر الحلف الخليجي التركي الثوري أن يستنجد بالأمريكان ضد روسيا وإيران ومن يحالفهم وبذلك تفرض أمريكا وروسيا شروطهم بالخفاء من حيث صفقات الأسلحة وميزانية الحرب التي قد تكلف الطرفين كل احتياطهم كما حصل بحرب الخليج الأولى والثانية حيث كان السوفيات يبيعون السلاح لإيران وامريكا وحلفاءها يبيعون السلاح لصدام حتى انتهت اللعبة الدولية المعروفة بانهيار السوفيات وإذا ما تم ذلك فإنه سيكون بعهد الرئيس الأمريكي الجديد – وليس أوباما الذي سيصفه التاريخ بأجبن وربما أغبى رئيس أمريكي – بعدما يكون الروس دمروا كل شيء وأثاروا سخط العرب والمسلمين وذلك لإكمال حبكة السيناريو الأمريكي جيدا وإذا لم يحدث ذلك فنحن أمام مباركة جديدة عربية وإقليمية ودولية لتدمير سوريا وإجهاض ثورتها وعلى الفصائل الثورية عدم إعطاء أي تفويض لتدخل أي دولة حتى لو كانت تركيا أو الخليج وكذلك رفض أي منطقة عازلة والمطالبة فقط بصواريخ حرارية ضد الطائرات إذا كان الغرب صادق بمساعدة ثورتنا لأن النية المبيتة تقسيم الأراضي السورية بين الحلفين واستمرار الحرب لحين إنتاج نظام أسوء من الحالي .

ولا خيار أمام الثوار لمواجهة العالم المتآمر إلا بالتقدم باتجاه دمشق وعدم الالتفات يمينا أو شمالا أو لطعم يرموه هنا وهناك وفتح الطريق للغوطتين والبدء بمعركة دمشق فبسقوط النظام بدمشق تسقط إيران وروسيا وحزب الله وكل المخططات وأقرب طريق لذلك هو الجنوب لذلك يحاصرونه من كل حدب وصوب حيث ما يسمى أصدقاء سوريا كانوا يوجهون الدعم للشمال بضغط أمريكي لإبعاد الثوار عن عقر دار النظام بدمشق فمفتاح الثورة السورية وربما الربيع العربي أصبح بالجنوب حيث توجد إسرائيل الخنجر المسموم بقلب العالم العربي و الإسلامي .

فقد تم تزويد الثوار بأسلحة فاسدة من الموك لإفشال معركة تحرير مدينة درعا مما ترك أثره السلبي على نفوس الحاضنة الاجتماعية إضافة لمد لواء داعش بحوض اليرموك المتواجد على حدود إسرائيل من دول الجوار وخاصة الموك عبر وسطاء بالمال و التسهيلات اللوجستية في ظل صمت مريب لإسرائيل وذلك حتى يتم انجاز مهمته بالقضاء على الفصائل الإسلامية والفصائل الأخرى الغير تابعة للموك وحالما يتم ذلك أو يفشل سنرى طبول الإعلام عن خطر داعش بالجنوب لإعطاء ذريعة للروس والتحالف لضرب أي فصيل مخلص بحجة داعش وخاصة من يقترب من حدود الجولان إضافة لدعم فرقة العشائر التي يقودها ضابط علوي والبدء بإسناد حماية حدود إسرائيل والأردن لها .

لذلك من الاستحالة أن يشرع العالم بإسقاط النظام أو بالأحرى رفع يده عن دعم النظام إلا إذا ضمن بديل عسكري لجيش النظام يحكم البلد بقبضة حديدية أو أضعف الإيمان تشكيل جيش معاق من الداخل بغزوه بعناصر تابعة له ليكون تربة خصبة للانقلابات كما كان حال جيش المشرق حتى يتم السيطرة عليه وكل ما ينشده الغرب من شعارات براقة عن الحرية والديمقراطية وحماية الأقليات ليس إلا مسمار جحا لتمكين العسكر من حكم البلاد لدعم من ينصبه الغرب وغير ذلك من حلول سلمية وهم وتقطيع وقت ريثما يصلوا لغايتهم وما حصل بمصر وتونس خير شاهد فلا أحد يتعب ويحرق نفسه بمؤتمرات فارغة فالبوصلة موجه إلى القوة العسكرية التي ستفرض وجودها على الأرض وتكون الكفة الراجحة بجيس سوريا الجديدة لذلك هذه النقطة أخطر شيء بأي مفاوضات وحلول مستقبلية سواء بالمرحلة الانتقالية أو غيرها والتي يعبر عنها العالم بشكل ملتوي ومتواري بعبارة مصير رأس النظام أي من سيستلم البلد عسكريا بعد إسقاطه و علينا التوحد والصمود لفرض القوى الثورية المخلصة على الأرض بأي حلول مستقبلية والحذر من المحاصصة فهذه عصارة الثورة فنحن بعملية عض أصابع وربما كسر عظم ليس مع النظام بل العالم أجمع ولكن الله غالب على أمره .

اقرأ:

د.موسى الزعبي: أحرار الشام وصراع الحضارات





Tags: محرر