Archived: مصعب الحمادي: وطننا في أسواق النخاسة

مصعب الحمادي: كلنا شركاء

أعطت ثورة الشعب السوري العظيم الفرصة لدول كبرى طامعة شرهة للهمبرغر والخمور ولحوم الخنازير كي تعبث بمصير بلدنا وتطرحه في سوق النخاسة ليُباع كله أو بعضه أو نتفاً منه من قبل العديد من الخونة والعملاء والمرتزقة يأتي على رأسهم بشار الأسد ثم تطول القائمة لتشمل نخّاسين صغار وقوادين وجدوا ما يبيعونه ويتاجرون به من درعا جنوباً وحتى عين العرب شمالاً.

وعين العرب وما أدراك ما عين العرب! قرية سورية جميلة على الحدود التركية اشتهر أهلها الفقراء بالكرم والبذل والمروءة. لكن القرية بسبب موقعها ارتفع سعرها في سوق بيع الوطن, وابتٌليَ أهلها الكرام بنخاسين وقوادين سارعوا للكسب عن طريق بيع الأرض والعرض فصرنا نسمع عن وزير خارجية عين العرب ونائب وزير الخارجية, ولسنا نستغرب لو سمعنا غداً باسم الإمبراطور. من يدري؟ فقد تتحول عين العرب إلى دولة عظمى تقلق راحة أمريكا وتسعى للهيمنة على العالم!

نعم, هذا مجرد جانب صغير من اللوحة الساخرة السوداء المريرة لوطنٍ عريق يصارع للبقاء أمام خناجر وطعنات خوّانة تأتي من طرف أبنائه قبل أي أحدٍ آخر.

القوادون ليسوا محصورين في عين العرب وتجد لهم أنداداً في كل منطقة من سوريا تقريباً لكن بروزهم ولمعانهم لا يعتمد على نوع البويا التي يُدهنون بها, وإنما على مواقع مناطقهم ومدى حماس أصدقاء سوريا أوأعدائها للعبث بها والنهش فيها.

وما يصحّ في عين العرب يصح في تل أبيض والحسكة والسويداء والزبداني وكفريا الوفوعة وكسب ونبل والزهراء وجورين وحمص والقصير ومدينة حماه, مع اختلاف القوادين والزبائن حسب حاجة السوق ونوع الصفقة.

وما يحصل على الأرض يحصل بخطٍ متوازٍ مع ما يحصل في الخارج على أيدي إمّعات تافهي الأحلام ادّعوا تمثيل هذه الثورة العظيمة, وأنا أقصد طبعاً من يسمّون أنفسهم بالمعارضة السياسية. ولعمري لو أن القضية الفلسطينية ابتليت بأمثال هؤلاء المنحطّين لماتت وشبعت موتاً ولكان المسجد الأقصى مجرد ذكرى من ذكريات الماضي وردماً يقوم فوقه هيكل سليمان المزعوم.

من الحيف طبعاً وضع شخصيات المعارضة في سلّةٍ واحدة فهم يتدرجون بين أشخاصٍ غيّروا ولاءاتهم من الإسلاميين إلى العلمانيين مقابل علاوة في رواتبهم, وبين آخرين تفاءلنا بهم أن يكونوا قادةً وطنيين فاعلين فإذا بهم يتحولون إلى محللين سياسيين, وكتاب مقالات وأعمدة في الصحف, ونجوم شاشات ومقابلات للحديث عن طرائق وفنون الدول في قتل أبناء جلدتهم.

والأصوات الإعلامية النافذة التي طالما عوّلنا عليها لتنطق باسم الثورة وباسم الشعب المنتفض, وتكون لسان حال هذا الشعب المسكين, تحولت بقدرة رب الدولار إلى أبواق طائفية حقيرة مهمتها زيادة لهيب النار التي نحترق بها وجعل الحلم الذي ننشده بوطن يشملنا جميعاً بعيد المنال رغم كل الدماء والتضحيات التي تُبذل.

ونحن النشطاء الذين لم نقترف السياسة قبل الثورة, وجسدنا ببراءة حلم شعبنا بالعدالة والكرامة والمساواة حتى عجز النظام عنا, تم إرسال تنظيم القاعدة لنا لكي يقتل من يقتل ويطرد من يطرد إلى الخارج بالتواطؤ مع قوّادين ونخّاسين من العيار المحلي الرخيص, يقبضون بالعملة المحلية, ويقبلون بأثمان قليلة لخدماتهم كونهم سيصبحون بعد أن تتحول مناطقهم إلى صحراء قاحلة من أصحاب الرأي والكفاءة إلى ديوكٍ شبِقة صادحة لا يشقّ لها غبار بين دجاجاتها وعلى مزابلها.

وهكذا انتهينا إلى هاربين, منا من امتطى قوارب بالية إلى بلدانٍ عجوزة, ومنا من بقي يصارع للبقاء بالتكسب في بلدان الجوارعلى أمل العودة للوطن, وهي عودة لا تبدو في حال أنها قريبة أو ممكنة في المدى المنظور فأسواق النخاسة ما تزال مشرعة, وطوابير القوادين ما تزال بازدياد, والوطن الذي حلمنا به حراً كريماً قوياً, مقيدٌ بسلاسل النخاسين وينزف بالدماء من كل جنباته.

اقرأ:

مصعب الحمادي : ثورتنا من أجل الحياة والجنّة ليست بيت دعارة





Tags: محرر