Archived: دانية الخطيب: البحث عن سهام.. وعن الأمل

هربت من ويلات الحرب إلى رصاص المسلحين

دانية الخطيب: دار الخليج

سهام.. الطفلة اللاجئة التي التقيتها السنة الماضية في وسط مدينة بيروت لم تفارق بالي. كان دائماً هاجساً يراودني: ما مصيرها بعد عامين أو ثلاثة؟ ولكنني ظللت على تواصل مع حسن صاحب المقهى، حيث التقيتها، آخذ أخبارها من وقت لآخر. فهي ما زالت على حالها تجوب الطرقات تتسول أم تبيع السلع لتؤمن لقمة العيش لها ولعائلتها.
في يوم اتصلت بي صديقة قالت لي إن صديقتها تعمل في مؤسسة خيرية كندية وتسعى تلك الجمعية لاستقدام عائلة سورية لاجئة إلى كندا. في الحال تذكرت سهام وتواصلت مع الجمعية وقلت لهم إنني أعرف عائلة بحاجة ماسة للهجرة. بعدها اتصلت بصاحب المقهى، وسألته عنها ولكنه قال لي إنه لم ير سهام منذ مدة ولا يدري أين تجوب الطرقات هذه الأيام. ولكنني أحسست أن هذه فرصة العمر لتحسن سهام حياتها وحياة عائلتها وأن هذه فرصة لإنقاذهم من الحضيض، فقررت السفر لبيروت للبحث عنها والتعرف إلى عائلتها.
اتهمني المقربون مني بالجنون، فأنا أنزل بيروت أجوب الشوارع لأفتش عن طفلة بين آلاف الأطفال اللاجئين الذين يجولون الطرقات. فما إمكانية أن ألتقيها، أو أعثر عليها؟ وعلى الرغم من ذلك قررت السفر إلى بيروت لإيجادها. الليلة قبل السفر، استيقظت الساعة الثالثة صباحاً مذعورة، كنت متوترة لأني أعرف أنه من الصعب إيجادها وأنه ضرب من الجنون أن أجوب الطرقات وأنا ليس لي عنوان أو رقم هاتف لها. ولكن ضميري قال لي إن نصيب هذه الفتاة أن أجدها وأن أساعدها. وفي قرارة نفسي، كنت أشعر بمسؤولية تجاهها. فعلى الرغم من أن مئات آلاف الأطفال اللاجئين في لبنان يعيشون الحياة البائسة التي تعيشها سهام، ولكن لسبب ما أجهله أحسست أن رب العالمين أرسلني لإنقاذها.

حسن، صاحب المقهى، قال لي إن منزلها في منطقة الكولا، وأول ما وصلت بيروت توجهت إلى تلك المنطقة، ورحت أجوب الشوارع والوجوه أفتش عن وجه سهام الذي لم يفارق مخيلتي وأسأل أترابها من المتسولين وماسحي الأحذية والباعة، وبعد 3 ساعات من المشي وبعد أن أوشكت قواي على النهاية، وساقاي أصبحتا مرهقتين، خطر لي أن أسأل شرطي السير الواقف على مستديرة الكولا، لعله يعرفها. وإذا بي أربت على كتفه وأساله: «سيدي هل تعرف هذه الفتاة؟ التقيتها العام الماضي وأنا أفتش عليها أحاول مساعدتها»، وأظهرت له صورتها هي وابنة عمها. تعرف اليها فوراً، وكما قال لي حسن، قال لي الشرطي، إنها فتاة مهذبة ولطيفة وأعطاني عنوان سكنها، في المساكن المجاورة لمبنى الضمان، ولكنه أضاف أنها على الأرجح تجوب الطرقات الآن، بحثاً عن لقمة العيش ولن تكون موجودة في بيتها، فأعطيته رقم هاتفي وطلبت منه الاتصال بي حين يراها، وعدت إلى المنزل، والجوال إلى جانبي، وعيناي لا تفارقان شاشته بانتظار مكالمة الشرطي.

في الساعة 8 مساءً، رن هاتفي برقم غريب، فالتقطته فوراً وكلي أمل أن يكون الشرطي، وإذا بي أسمع صوت سهام، وهي تبلغني كم أنها فرحت أني تذكرتها وأني وفيت بوعدي ورجعت من أجلها. وطلبت منها أن تلاقيني في اليوم التالي في مقهى حسن وأن تجلب معها أحد ذويها وأوراقهم الثبوتية وطلبت منها رقم هاتف والدها. بدت مترددة وأجابت أنها لا تعرف رقم والدها فأحسست بالقلق. اتصلت بعدها فوراً بالمسؤول في الهلال الأحمر الإماراتي، وأنا عملت معهم كمتطوعة خلال فترة الصيف، وقلت له إني أفكر أن أذهب إلى بيتها وطلبت المساعدة والنصيحة، فنصحني الشخص ألا أذهب وحدي إلى منزل سهام، لأن مراكز وجود اللاجئين غير مأمونة، وعرض أن يذهب معي ورافقنا زميل لبناني له. فاتجهنا إلى منطقة الكولا، وبدأنا نبحث في مساكن اللاجئين العشوائية التي يلفها الليل بوشاح يزيد من بؤس منظرها ونسأل السكان عن سهام حتى وصلنا إلى مكان مظلم بالقرب من موقف سيارات ووجدنا طفلة على مدخل مبنى متداعٍ قالت إنها تعرف سهام. وطلب مني مرافقي البقاء في السيارة لأن المكان ليس آمناً، ودخل أحدهما إلى المبنى مع الفتاة وخرج بعد ربع ساعة مع سيدة و3 أطفال.
تلك السيدة هي أم سهام، وحسب قوله فإن منزل سهام هو أبعد ما يكون عن المنزل، وهو عبارة عن بضعة جدران تحوي العائلة في الظلام الدامس. قالت لنا الأم إن سهام لدى ابنة عمها، فطلبنا منها أن تأتي بها وبأبيها في اليوم التالي، وتلاقينا في سوق الروشة وأن تجلب معها الأوراق الثبوتية معها، ووعدها المسؤول من الهلال بالمساعدة.
في اليوم التالي توجهت مع الزميل من الهلال الأحمر، وما إن رأتني سهام حتى هرعت لمعانقتي، وتملكني شعور بالفرحة لا يوصف حين رأيتها بخير، وأتت مع أبيها وأخيها الصغير. ونظرت إلى الأب ورأيت في وجهه أسى، يمثل قدر هذا الشعب المنكوب.
وقال لي الأب إنه وأباه الكبير وسهام يعملون، ولكن ابنه الكبير لا يتحرك بسهولة بعد أن أصيب في بيروت في ساقيه. وتأملت قساوة الحياة، فلا يكفي أن تهرب هذه العائلة من ويلات الحرب وأن تأتي لتواجه الفقر والعوز والعنصرية، فعليها أيضاً أن تواجه رصاص الجماعات المسلحة في بيروت.
أعطانا الأب الأوراق الثبوتية كما التقارير الطبية لوضعه الصحي المتردي له ولزوجته التي تعاني مرض السكري. فبادر المسؤول من الهلال الأحمر بترتيب له معاينة طبية في المستشفى، كما نصحني زميلي من الهلال ألا أذكر مسألة الهجرة لأنه ربما يتعثر الموضوع، فأنا لا أريد أن أخيب أملهم أو أن أعطيهم أملاً زائفاً، فاكتفيت بالسؤال لماذا لا يهاجر، قال لي إنه يتمنى ولكن ليس له المقدرة على ذلك.
ودعت سهام مرة أخرى ولكن هذه المرة لم يكن في قلبي حسرة، بل أمل أن حياة سهام ستتحسن فالهلال سيعتني بعائلتها وأنا سأعمل من خلال المؤسسة الكندية على السعي لها ولعائلتها لحق اللجوء. وأحسست بعد أن ركبت السيارة بعظمة الخالق الذي يبعث من حيث لا تدري بالرزق والمساعدة لعباده والذي يسخر الإنسان لخدمة أخيه الإنسان، رب العالمين الذي وضع سهام في طريقي والذي بث في نفسي الشعور بالمسؤولية تجاهها.. سبحان الله.

اقرأ:

دانية الخطيب: حقيقة الموقف الأمريكي من الأزمة السورية





Tags: محرر