Archived: أحمد عمر: وفاء الروسيات

أحمد عمر: المدن

استيقظنا ذلك اليوم على خبر غريب وعجيب، ذكرني بقول حجة الله هيثم مناع المأثور: أن الروس ليسوا مثل الأمريكان، ويلتزمون بوعودهم ..!

كنا نعتقد أن ناتاشا سعيدة، فهي أميرة، أو شبه أميرة، والشمس عندنا وفيرة، والمقاومة والممانعة على “محور” وساق .. ولها  زيارات من سكان القرية المثالية يتوددن إليها، ويتملقونها، فزوجها شقيق رئيس فرع أمن دولة، وابن عم رئيس شعبة أمن سياسي، وابن خال رئيس فرع  أمن عسكري،  وهو من  القرى المجاورة “لأم القرى” التوتسية .. كنا نعتقد أن ناتاشا لا ينقصها شيء، شقتها كبيرة، فيها ما لذّ وطاب، وتحتفل بعيد ميلاد أحد الرفاق أسبوعياً، وتشعل الشموع اشتعالاً، وتصير النساء فوق الأكتاف.. لكن الثلج قناع، وعندما يزول الثلج يظهر المرج.. صحيح أن بعلها وعقيلها وحليلها_ والكل لدى الروسيات حليل وحلال_ يعاني من ضعف جنسي استراتيجي في محور المقاومة والممانعة،  وكان في أيام روسيا والبحر الأسود صلباً، لكنه في السنوات الأخيرة تحول إلى استعمال الصوت واللسان.. وفي علوم المتعة والبورنو قد يقوم هذا مقام ذاك، ولكن شتان بين آلة القنبلة الديمغرافية التي تروع الشرق  والغرب، وبين آلة القنبلة الأذنية التي تصيب بالطرش لا غير. فاللسان عقيم، وهو قطعاً غير “الحيوان”.

وكنت أسأل الرفيق إسلام وسواه من الرفاق القدامي الذي ناضلوا على البحر الأسود، وأكلوا كثيراً من الكافيار والجمبري ، المفيدة للمحور.. والجروح قصاص: ألا تخشون أن يكتشف بعلها وحليلها ومحلولها أمركم؟ وتصيرون سجناء في تدمر، أو فرع فلسطين بتهمة توهين روح الأمة؟!  يا روح أمك.

فقال: نحن داخلون في حلف مقاومة وممانعة أبدي، الزبيبة من عند الروس، والعود من عندنا، وقد يكون العكس، فكم من عود تظنه لك، ويكون عليك .. والعود رنان يا ملك الزمان.

أنجب الزوج ولداً، كما أخبرناكم يا سادة يا كرام، صلوا على بدر التمام، وخير الأنام، وكبر الغلام، وترعرع، وبات أخطر من الثعبان الأقرع، علماً أنه لا يزال في الصف الثالث الابتدائي، لكنه في البطش والنهب ما شاء الله شبيح فدائي.

كان الغلام قد جمع صفتين، جشع الأب التوتسي، ورقّة الأم الروسية.

حوّل الغلام الصف إلى فرع  أمن، هو العريف، وهو الأول، وهو المعلم .. لكنه للحق كان يجيد لعبة الشطرنج، فالروسيات يعلمن أولادهن الشطرنج،  كما تعلّم أمهات الهوتو أبناءهن الصلاة عند بلوغ السابعة.  لكن الشطرنج لا ينفع مع تربية التشبيح، وبات الولد مصدراً للقلق في القرية المثالية، وفكرت عائلات من الهوتو الانتقال إلى مدارس في قرى أخرى، فضرب الغلام الشبيح مستحيل، فهو ابن جلا وطلاع الثنايا وتجار الشنطة والدخان المهرب، و ابن السيدة، متى تشعل شمعات عيد الميلاد تعرفونها. لكن بعض الصبية وجدوا  أوتاراً في الطفل يمكن العزف عليها، واكتساب صداقته، فهو يحب الحكايا والمداهنة والهدايا .. وكان الولد ينفق من “الخرجية”، ما ينفقه عشرة أولاد من بني الهوتو، فهو زبون دائم لدى “البياع ” في القرية المثالية، يأكل ما طاب ولذ من أنواع الشيكولاته والموالح ..

 الزيجات مع بنات بني الأصفر قليلة، ولا تقارن  بالزيجات مع الروسيات. صادفت زيجتين، تزوج فيها واحد من الهوتو سيدة أمريكية، و آخر سيدة بريطانية،  دخلن فيها الإسلام،  اسألوا غوغل، وسيقول في كل التقارير أن الإسلام  سيكتسح أوربا،  إن لم يكن بالعقل، فبالزواج والقنابل الديمغرافية. لم تمكث السيدة الأمريكية طويلاً،  وما لبثت أن عادت إلى نيويورك غير طلاق، ولم يستطع أن يقوم زوجها بشيء، إذ لا تنفع  مقولة “بيت الطاعة” مع سيدة أمريكية، فالعصمة دائماً بيد أمريكا، أما السيدة البريطانية، فكانت طبيبة  تعالج بالأعشاب، تزوجت صاحبنا الهوتو، وكان لحاماً، على ضرة، وعاشت معهما في الدار سعيدة بحياة جديدة، بعيداً عن صخب لندن وأشباحها.

استيقظنا ذلك اليوم على خبر غريب وعجيب، ذكرني بقول المناضل هيثم مناع عن وفاء الروس أعلاه.

سألنا الزميل أسد عن الخبر، فقال منكسراً :

قال:  نفوذنا ينتهي هنا ( يقصد على الشعب السوري المحتل)، ولا تطول يدنا روسيا ..

 كان جواز السفر في جيبها، خدعت زوجها، وادّعت أنها ستزور أهلها الذين اشتاقت إليهم، فالروس مثلنا يشتاقون إلى ذوي الأرحام، ويكتبون لهم رسائل يضعون فيها زهوراً جافة، وما أن وصلت إلى بلدها، حتى اتصلت بزوجها، وقالت له وداعاً، فوقع مصدوماً على محوره الذابل.

يا لوفاء الرجل.. إما أنه إخلاص للحب القديم، والعشرة الطويلة، أو أن معاهدة وارسو في المرحلة الباردة لا تزال سارية.

قال: المسألة هي مسألة الغلام .. إبني يا ناس!

وعندما ذكر الولد ..ضمه إسلام، وجلسا يبكيان.

نظر إلينا أسد الوغى، نحن زملاؤه معاتباً بعينيه:  إسلام هو صديقي الوفي الوحيد!

خرجنا مع إسلام بعد المواساة،  وسألناه عن سبب كل هذه الدموع الحرّى السواجم، فقال:  أنا أبكي على ابن لم أحافظ عليه كالرجال، ففقدته كالثكالى، أما ناتاشا فمثلها كثيرات، أولغا والكسندرينا وفكتوريا ..

بعد سنوات رأينا إسلام يقود كتيبةً من الجيش الحر، نسيت اسمها بسبب كثرة الفصائل، ثم سمعت أنه استشهد، وبحثت عن خبره في غوغل، فرأيت صورته شهيداً… وكان يبتسم كأنه يحتفل بعيد… ميلاده.

اقرأ:

أحمد عمر: الماء السوري المقدس





Tags: محرر