on
Archived: د. حبيب حداد: سورية الدولة الديمقراطية – هل تتوفر الآن مقومات بنائها؟
د. حبيب حداد: كلنا شركاء
تعيش سورية اليوم مرحلة استثنائية ومصيرية وذلك بعد انقضاء خمس سنوات على انطلاق ثورتها ,ومن ثم في أعقاب حرف هذه الثورة عن مسارها التحرري الوطني الديمقراطي . فهي بايجاز مرحلة انتقالية استثنائية حافلة بالمصاعب والتحديات التي يتوقف على سلامة التعامل معها من حيث انسجام المواقف والأساليب المنتهجة ,مع الغاية المنشودة ألا وهي التغيير الكامل لنظام الاستبداد الشمولي القائم وبناء النظام المدني الديمقراطي العلماني ,وهي كلها في حقيقتها مواصفات مترادفة لنفس جوهر النظام , البديل . واهم ماتتميز به هذه المرحلة كما هو معروف توصل التوافق الدولي بشان المسالة السورية ,وانطلاقا من تقاطع استراتيجيات ومصالح اطراف المجتمع الدولي في منطقتنا ,الى اطار عام لمعالجة هذه المسألة يستند الى وثيقة جنيف ا . والسوريون سواء داخل الوطن ام في دول الإغتراب التي شملت الآن قارات العالم الخمس , والذين انهكتهم وشتت جموعهم فصول مأساتهم المتتالية ,السوريون اليوم الذين قدموا من اجل تحقيق طموحاتهم المشروعة أغلى واجل التضحيات التي لم يقدمها اي شعب آخر ,السوريون اليوم ينظرون بأمل وترقب الى الجهود والمبادرات الدولية المكثفة التي أصبحت تولي اهتماما اكبر من اي وقت مضى لقضيتهم من جهة, والى محاولات المعارضات السورية في تجاوز واقعها ,واقع التشرذم والتناحر والارتهان للارادات الاقليمية والدولية, وان ترتفع الى مستوى مسؤولياتها الوطنية في توحيد رؤيتها وخطابها وبرنامج عملها ازاء مهمات المرحلة الانتقالية وآجال انجازها من جهة ثانية. واذا كان صوت الشعب السوري قد جرى تغييبه طوال السنوات الأربع الماضية بعد ان تم تفجير الاطار الوطني الاجتماعي للثورة السورية لتأخذ طابع الحرب الأهلية بأبعادها المذهية والاقليمية وبعد ان نشأ واصطنع العديد من تشكيلات المعارضة التي ادعى معظمها التعبير عن ارادة الشعب السوري ومشروعية تمثيله ,فان هناك جملة من الاهداف المتكاملة التي أضحت بالنسبة لشعبنا ,كما نعتقد ,في مرتبة المسلمات التي يتوقف عليها مصيره وصنع مستقبله المنشود الذي يؤهله لمواكبة مسار العصر .
اول تلك المسلمات ,أنه في مواجهة اية صيغ تطرح من هنا وهناك للمرحلة الانتقالية فان سورية لا يمكن باي حال من الأحوال أن تعود الى ما قبل خمس سنوات ,ولايمكن لأية اصلاحات جزئية أوتجميلية لنظام الاستبداد الشمولي العائلي القائم منذ اكثر من اربعين عاما ان تكون حلا للمسألة السورية او ان تحظى برضى وموافقة اية جماعة من الشعب السوري خارج نطاق الطغمة الحاكمة , فالشعب السوري الذي قدم كل هذه التضحيات جدير بتحقيق طموحاته في التغيير الديمقراطي الجذري وبناء سورية الدولة الديمقراطية على اساس مبدأ المواطنة الحرة المتساوية دون تمييز . هذا هو الهدف الأساس الذي قامت من اجله الثورة السورية ولذلك فان الحل السياسي التفاوضي الذي هو في الوقت نفسه الحل الوحيد الذي يكفل وضع حد لمأساة الشعب السوري المتفاقمة ينبغي ان تكون نتيجته انهاء نظام الاستبداد الحالي وان لا يكون لأي من رموزه وأركانه اي دور في مستقبل سورية .
أما المسلمة الثانية فهي التي يمكن استخلاصها من دروس وعبرتجارب كل حركات التحرر الوطني والاجتماعي العالمية وبصورة خاصة من دروس الانتفاضات الشعبية العربية خلال السنوات الأخيرة ,وهي المتعلقة بخطورة الصعوبات والتحديات التي تحفل بها المرحلة الانتقالية للثورات التحررية حيث الماضي بكل عوامل الاعاقة والارتداد والعطالة لم ينته بعد وحيث المستقبل بكل ايجابياته وحوافزه وآماله لم يولد ولم يستكمل تكوينه بعد . ان مرحلة الانتقال الديمقراطي في مجتمعاتنا كما سنوضح لاحقا تحتاج الى زمن وتتطلب االمزيد من الصبر وتقديم المزيد من التضحيات وما من شك في ان شعبنا المصمم على تحقيق اهدافه سيتقبل كل ذلك اذا آمن أن القاطرة تسير على السكة الصحيحة .
أما المسلمة الثالثة فهي ان مرحلة الإنتقال نحو الديمقراطية تحتاج الى قيادات وطنية ذات خبرة واهلية وان تكون قيادات وطنية جامعة ,قيادات تمتلك الرؤية الاستراتيجية الصائبة والوعي العقلاني العلمي السليم ,القيادات التي تدرك طبيعة المهات المرحلية وتتعامل معها بما يمهد الطريق نحو تحقيق الأهداف الأساسية .من هنا يمكن ان نقيم بكل موضوعية ان خطاب بعض المعارضات السورية التي ترفع سقف مطالبها بضرورة تحقيق كل شيئ الان قبل الغد ,انما يصدر عن قصور في الوعي تجاه معطيات الواقع الراهن واستخفاف بميزان القوى الدولية التي تتحكم الآن بامكانية التوافق لايجاد حل للمسألة السورية , وخلاصة القول ان اطراف المعارضة السورية التي تستمر باستخدام نفس خطابها الشعبوي الذي اعتادت عليه والمزايدة برفع سقف مطالبها الآنية انما تبرهن بكل جلاء انها في احسن الأحوال معارضات من اجل السلطة وليست معارضات تجسد مطالب الثورة في التغيير وصنع المستقل الأفضل ,انها تمثل الحالة التي تحدث عنها عالم الاجتماع الفرنسي ميشيل فوكو الذي رأى ان انظمة الاستبداد اذا طال أمدها فانها تخلق معارضات على شاكلتها ,معارضات لن يكون لها من هم حقيقي الا الاطاحة بالأنظمة القائمة والحلول مكانها لأنها لا تمتلك اساسا الرؤية المستقبلية الحقيقية ولا الهم والوعي المطلوبين لبناء المستقبل الأفضل .
رابع تلك المسلمات ان المجتمع السوري الذي يعيش في الوقت الحاضر ازمة عميقة وشاملة لكل جوانب حياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية بسبب عطالته وتخلفه عن مسار التطور الطبيعي منذ اكثر من اربعة عقود , لذا فان برنامج التغيير الوطني الديمقراطي يجب ان يشتمل على الاجراءات والاصلاحات الجذرية التي تتناول كل جوانب المجتمع المذكورة تلك ,والتي ينبغي ان تستهدف في حصيلتها خلق منظومة قيم وتقاليد واخلاق حضارية في هذا المجتمع تستند الى ماهو ايجابي في تراثنا وتاريخنا والى القيم الكونية المشركة المعاصرة ,كما ان برنامج التغيير الوطني الديمقراطي الواحد , والذي نسعى لتحقيقه , لا بد ان يستجيب لكل الحقوق الثقافية والسياسية لكل المكونات القومية والاثنية في اطار وحدة سورية وطنا ودولة ومجتمعا . ولابد قبل اي شيئ آخر ان يحرص على الدوام عى صيانة وتصليب الوحدة الوطنية وعلى اعلاء شان الهوية الوطنية فوق اية هوية او رابطة اخرى .
اما خامس وآخر تلك المسلمات التي تعتبر من وجهة نظرنا خلاصة وجوهر نجاح المشروع الوطني الديمقراطي الحضاري السوري المطلوب تحقيقه فهو المتعلق ببناء سورية الدولة الديمقراطية وتوفير مقومات هذه العملية التاريخية .مامن شك ان الاصلاحات التي اتينا على ذكرها توفر القاعدة الأساسية لبناء هذه الدولة الديمقراطية ,دولة الحق والقانون والمؤسسات المنتخبة , لكن وفي الطريق الطويلة لبلوغ هذه الغاية لا بد من التركيز على تأكيد بعض الحقائق التي لا بد من وعيها دائما وفي مقدمتها ان الاساس في عملية تغيير هذا الواقع المتخلف هو الاصلاح السياسي الذي لا بد ان يسبق الاصلاح في جوانب المجتمع الأخرى والذي هو اساس بناء الدولة الجديدة ,ولكي تبنى الدولة الجديدة لا بد ان ياخذ المجتمع المدني دوره المطلوب ,المجتمع المدني بكل هيئاته ومنظماته المجتمعية والنقابية والثقافية والسياسية وفي المركز منه ان تستعيد الطبقة الوسطى دورها الرئيسي المغيب حاليا .والحق ان اول ما يتطلبه المجتمع السوري في تطلعه نحو الغد الأفضل هو ثورة ثقافية شاملة يحتل المركز فيها الاصلاح الديني الذي تأخر كثيرا والذي بدونه لا يمكن لمجتمعاتنا العربية والاسلامية ان تعيش حياة العصر .تلك هي في راينا الغاية المستقبلية المنشودة و المعبرة عن رسالة الثورة السورية ألا وهي :استعادة وتجديد الذات .
اقرأ:
د. حبيب حداد: هل هناك نهاية قريبة للمأساة السورية
Tags: محرر