Archived: سمير العيطة: قرار أمميّ بوقف القتال في سوريا؟

سمير العيطة: السفير

يبدو أنّ آليّة التوافق الإقليميّ-الدوليّ حول سوريا التي انطلقت في فيينّا قد بدأت تأخذ مفاعيلها، برغم الصدمة الكبيرة التي تعرّضت لها حين أسقطت تركيا طائرة حربيّة روسيّة. وهناك أجواء تفاؤل بصدور قرارٍ من مجلس الأمن حول سوريا تكون أولويّته هي وقف إطلاقٍ للنار. وما يزيد في هذا التفاؤل وقف إطلاق النار الذي بدأ في اليمن مع الشروع في التفاوض حول حلٍّ أكثر استدامة.
في هذا المسار، نجحت العربيّة السعوديّة في مهّمتها الدوليّة بجمعها مؤتمراً للمعارضة استطاع، برغم التنافر الشديد بين الفصائل السياسيّة والعسكريّة التي حضرته والتناقضات الحادّة ضمن كلّ فصيل، أن يُنتج نصّاً يمثّل توافقاً بينها بالحدّ الأدنى. وعلى الأغلب استفاد المخطّطون السعوديّون، للوصول إلى هذه النتيجة، من تجارب كثيرة سابقة، بما فيها «حوارات» موسكو في بدايات هذا العام. صحيحٌ أنّ هذا النصّ يتبنّى آليّات فيينّا دون اعتماد نصّها، وأنّ حضور المعارضة لم يكن شاملاً ومتوازناً، لكنّ ملفّ المعارضة أضحى اليوم بيد الرياض الأقلّ عدائيّة لروسيا من أنقرة. وفي المحصّلة، ستسمح هذه الخطوة بالانتقال نحو الخطوات الأخرى، أي عزل القوى المتطرّفة والإرهابيّة، وإصدار قرار دوليّ يؤسّس لوقف إطلاق نار بين من يُفترض أن يتحاوروا سياسيّاً بينما يحاربون مجتمعين… الإرهاب.
لكنّ الخطوات القادمة لها أيضاً تحديّاتها. فخطوتا تحديد من هو إرهابيّ ووقف إطلاق النار، لا بدّ أن تأخذا ملفّ القوى المتصارعة إلى قطيعة مع «جبهة النصرة» قبل «داعش». وهذا سيعيد خلط الأوراق ضمن المعارضة السوريّة المسلّحة، ليس فقط سياسيّاً وخطابيّاً، وإنّما أيضاً، وأساسا،ً في المجابهات العسكريّة على الأرض. كما سيأخذ إلى خروج القوى غير السوريّة، غير المنضبطة بالآليّة الأمميّة، مهما كان الطرف الذي تحارب معه. ما يعني أنّ مجلس الأمن سيُضفي شرعيّة ونُظماً بشكلٍ ما على التدخّلات الخارجيّة التي تزدحم في الأجواء وعلى الأراضي السوريّة لمحاربة «داعش» والإرهاب، وهذا ضروريّ كي يتمّ ضبط آليّتي التحالفين اللذين يقصفان في سوريا، فيما يتخطّى بكثير البند السابع الذي لطالما كان موضوعاً خلافيّاً في الأزمة السوريّة.
ويتمثّل التحدّي الرئيس الآخر في ما سيحدث وراء خطوط وقف إطلاق النار، على الأقلّ لمرحلةٍ ما، قبل تقدّم الأمور على صعيد التفاوض السياسيّ التي ستكون بالضرورة بطيئة. فالصراع في سوريا المشرذمة لم يعد صراعاً بين سلطة ومعارضة على قيادة دولة في دمشق العاصمة فحسب، بل لأنّ فعاليّات وطنيّة أخرى، غير تلك التي حضرت مؤتمر الرياض، لها أيضاً كلمتها في الحلّ. وهنا لا بدّ، من أجل أمن المواطنين ومعيشتهم، أن تنطلق الآليّات المحليّة التي توازن بين عودة الدولة وخدماتها إلى المناطق كافة، وبين إدارة أبناء كلّ منطقة لأمورهم، مع العناية بعودة الأمور المعيشيّة إلى حدٍّ معقول، بما في ذلك الطبابة والتعليم، وبما في ذلك العلاقة بين الإدارة المحليّة في المناطق ذات الغالبيّة الكرديّة والدولة. وقد سمّيت هذه الآليّات من الأدنى إلى الأعلى، وكانت أساساً لمبادرة المبعوث الأمميّ ستيفان دي ميستورا حول وقف الحرب في حلب، تلك التي لم تنجح حينها، بالضبط لأنّها لم تكن شاملة.
بالتالي، من المتوقّع ألاّ يكون التفاوض السياسيّ حول صيغة الحكم الانتقالي والنهائيّ في الدولة سوى أحد الملفّات، في حين يجب أن تنطلق الملفّات الأخرى، الأمنيّة والعسكريّة من ناحية، والمعيشيّة الإغاثيّة والإعماريّة وإعادة المهجرين من ناحية أخرى بوتيرة أسرع، بحيث تؤسّس لتحوّل وقف إطلاق النار إلى هدنة، وتخلق مناخاً يسمح بحلّ سياسيّ ضمن مبادئ فيينّا، إن لم تكن «جنيف 1».
في مثل هذا السياق، قد يُعطي قرارٌ جماعيّ من مجلس الأمن المبعوث الدوليّ قوّة أكبر من بيانٍ رئاسيّ لاستكمال مسارٍ معقّد وطويل، يهدف تحديداً إلى استعادة وحدة سوريا أرضاً وشعباً، وإلى الحفاظ على مؤسّسات الدولة وإصلاحها انطلاقاً من ممارسة صنع السلام.

اقرأ:

سمير العيطة: التغير في الموقف الفرنسي سينعكس على مؤتمر الرياض





Tags: محرر