on
Archived: د. أسعد الصالح: إلى العميل أو (الشهيد) أو الجندي قبل أن يسقطوا
د. أسعد الصالح: كلنا شركاء
في كتاب كشف الخفاء للإمام العجلوني يورد كلاماً يظنه بعض الناس حديثاً ولكن التعليق عليه رائع جداً: “(الشفقة على خلق الله تعظيم لأمر الله). قال في المقاصد لا أعرفه بهذا اللفظ، ولكن معناه صحيح، وقال القاري هو من كلام بعض المشايخ، حيث قال مدار الأمر (يعني مدار الدين) على شيئين: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله” (ص 11 المجلد 2). أنا أشفق على كل من يقتل في حرب من حروبنا المجنونة. أرى أن هناك سبباً خبيثاً للتجنيد في سن المراهقة (18) لأن المقاتل لن يستخدم وعيا ناضجاً ليعارض الحرب. لن يقول لا للقتال سواء كان المقرر لها آية الله أو سيادة الرئيس أو جماعة مسلحة دينية أو ثورية. الكل عنده “سبب مقنع” للحرب من إسرائيل إلى جماعة الحوثي!
من يسقط في الحروب الشرق أوسطية المعاصرة ليس المهم عندي تسميته شهيداً أو عميلاً. (أصلاً إطلاق لقب الشهيد على شخص معين هناك رأي إسلامي يمنعه. لكنه للأسف ليس رأياً مشهوراً ربما بسبب الرغبة العارمة بإغداق الألقاب في ثقافتنا المعاصرة). المهم من وجهة نظر فكرية وغير عاطفية هو: لماذا لم يعرف هذا المقاتل من البداية أن حروبنا كلها عبثية ومتخلفة وأن من يشجعه على المشاركة في الحرب ربما أناس آخر همها أن يموت أو يعيش؟
هؤلاء المشجعين لاحظ أنهم دائماُ أكبر عددا ًمن المحاربين أنفسهم! مثلاً في الحالة السورية أنا واثق أن هناك على الأقل مليون سوري كان يشجع على تسليح الثورة ويريد إسقاط النظام بقوة السلاح (وهو أغبى رأي تم تبنيه في سورية بعد قرار بشار المجرم بمواجهة الثورات الشعبية بالجيش والتمسك بالسلطة بدلاً من التنحي عن الحكم). هذا يقودني إلى لغة الأرقام مرة أخرى وبطريقة عكسية: الذين يقررون شن الحروب ويكونون مسؤولين عنها بشكل مباشر هم غالباً بعدد أصابع اليد. مثلاً، العدد قليل جداً عندما يأتي صدام حسين ويقرر اجتياح الكويت. لكن العدد كبير وهائل عندما ترى المشجعين وقد يكونون بالملايين (ومنهم للأسف بعض السوريين الذين بدون وعي كانوا ينظرون إلى صدام أنه على حق (!) ويعانون الآن من بعض ما عانى منه الكويتيون بسبب الحرب). العدد الذي يقاتل هو ليس كبيراً مثل المشجعين ولا يملك قرارا مثل أصحاب القرار المعدودين على الأصابع. هؤلاء المقاتلون هم الذين يدفعون الثمن. إن كانوا في المعسكر هذا فهم شهداء وإن كانوا من المعسكر الآخر فهم عملاء وهكذا. القابض على نيشان البطولة هو القائد في حالة الانتصار والخاسر الأول والأخير هم وليس قادتهم ولا مشجعيهم.
لكن تعظيم الحرب وتبرير كل طرف لقضيته وجعلها غاية في الإنسانية والقداسة هو الطعم الذي يصنعه الإعلام الموجه بعناية للتغرير بالشباب في الشرق الأوسط وغيره. يتم تسويغ الحرب دائماً بمسوغات شتى. رأيت أن من أهم ما يتم إثارة العرب به لخوض أي حرب هو الجانب المتعلق بالاعتداء على العرض. الإشارة إليه تؤدي عملاً سحرياً. يكفي أن تخلق بشكل إعلامي حالة أو حالات من الاعتداء على العرض حتى تكسب المتطوعين تلقائياً ولو كذباً. رغم أن وقائع الاعتداء على الأعراض قد تكون واقعة حقيقةً ولكني لا أتحدث هنا عن الحرب وفظائعها ولكن عن طرائق تسويقها وجعلها أصلاً واجباً لا تهاون فيه. الدفاع الذاتي عن العرض المشروع في كل الشرائع يختلف عن الإثارة باسم التحريض على القتال. صدام حسين في إحدى محاكماته المسجلة يقول حرفياً مدافعاً عن نفسه: “يحاكم صدام حسين لأن الكويتين قالو إن العراقية راح نخليها ب 10 دنانير تنزل إلى الشارع ونزل بشرف العراقي يدافع عن العراق.” لم يذكر لا أسعار النفط ولا مشاكله مع حكام الكويت. المسألة كلها صارت عند “فارس العرب” مجرد كلمة مهينة! المشكلة هنا إني لا أعرف إن كان صدام يكذب أو هو صادق في تبرير الحرب على الكويت. في كلا الحالتين هذا يدل على أن الجندي العراقي الذي أرسله صدام إلى الكويت هو جندي لا يهم أن يموت هو وآلاف مثله طالما أن احتلال الكويت متعلق بالرد على مقولة لا نعرف إن كان هناك كويتي واحد قد قالها. حسب منطق حبيب الملايين فإن جيوش الدول لها أن تحتل الدول للرد على كلام الشوارع!
حرب بوش القذرة على العراق للإطاحة بصدام (ولا أقصد حرب تحرير الكويت) هي أيضا نموذج واضح لكيفية الضحك على الجندي (الأمريكي هنا) لكي يصدق أن هناك فعلاً خطراً من قبل صدام على أمريكا نفسها! المهزلة تستمر إذا عرفنا أن بعض من ذهبوا إلى العراق لمحاربة الأمريكيين تم الضحك عليهم أيضاً. بعضهم ساهموا فقط بخدمة نظام إيران الانتهازي وجعل إيران الرابح الأكبر في العراق. هذا يفسر تواطؤ القاعدة مع إيران إن صح أنها آوت بعضهم. كل طرف منهم كان ينظر إلى مصلحته: بينما كانت إيران تنظر إلى مستقبلها في العراق، كان أغرار القاعدة ينظرون إلى أحزمتهم الناسفة دون وعي. منهم من تم توجيهه إلى السعودية واندفع كأنه ثور هائج وصار يريد الشهادة في بلده وضد شعبه! بل حتى تهييج المناطق السنية لمحاربة أمريكا جر عليها الخسائر التي لم تكن لتحدث لو أنها كانت أكثر حكمة وعرفت كيف تتعامل مع الحرب بتعقل.
الحرب في بلادنا هي غالباً دفاع عن رئيس مجرم او دولة عدوانية او حزب تضليلي او نظام دكتاتوري او جماعة اسلامية ارهابية او تجمع عسكري مبني على المصالح والدعم. لكن لا توجد حرب إلا ولها بيئة إعلامية تجعلها دفاعا عن الدين أو العرض أو الطائفة أو السيادة أو “الحقوق التاريخية” (وهي أيضا إحدى تسويغات صدام الهزيلة للحرب على الكويت) أو الكرامة أو (وهذا أسوء نوع بشري يظهر إلى الآن في سورية) دفاعا عن مقام السيدة زيتب!
أيها الجندي إن كان الدين هو الرادع الأكبر بالنسبة لك فلا تشترك في حرب يقودها رئيس شاذ خارج عن حدود المنطق أو دولة مارقة عن العرف الدولي أو جماعة لا تعرف أصلها ولا فصلها (من حسن نصر الله إلى البغدادي). اسمع هذه الكلمة العالمية من صحيح مسلم: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية. ومن قاتل تحت راية عمِّيَّةٍ يغضب لِعَصَبَةٍ أو يدعو إلى عَصَبَةٍ أو ينصر عَصَبَةٍ فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ. ومن خرج على أمتي، يضرب بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فليس مني ولست منه” (راية عمِّيَّةٍ قال القدماء: هي الأمر الأعمى لا يستبين وجهه. يعني “على عماها” كما يقول المعاصرون). هذا الحديث الصحيح المعروف هو فلسفة عميقة في الحث على الابتعاد عن الحروب الفاشلة والعبثية والمشبوهة، وليت الجنود يعلمون!
Tags: محرر