on
Archived: وفيق عرنوس: سوريا العرب بين الثقافة والتجهيل
وفيق عرنوس: كلنا شركاء
شهدت سورية الدولة والشعب في مطلع الخمسينات من القرن الماضي تطوراً ملحوظاً في ظل لحظة ديمقراطية قصيرة ولكنها مؤثرة وفاعلة في مجال التطور العلمي والثقافي حيث كانت جامعة دمشق مشعلا ومنبراً ليس لسورية فحسب بل لدول عربية (كالأردن، العراق، تونس، الجزائر، السودان، إريتريا) .كما صدرت فيها أعداد من الصحافة الحرة والمعبرة عن الكلمة الصادقة، وانتشرت النوادي والمنتديات وتشكلت الأحزاب المتعددة التوجهات والمقاصد السياسية وبرزت فيها قامات وشخصيات وطنية وسياسيه واقتصاديه قارعت الاستعمار الفرنسي وتركت بصماتها على مختلف نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لا يمكن نسيانها حتى يومنا هذا.
هذا التطور جعل الشارع في المدن السورية مسرحاً للتنافس السياسي الحر وتبادل الآراء وموضوعية الحوار من أجل الوصول للحقيقة فضلاً عن التطور العلمي والاستفادة من الزمن حيث أرسلت البعثات للغرب وتضافرت الجهود الشخصية والأسرية للاستفادة من تجارب العالم المتقدم في مختلف العلوم كالإدارة والقانون والطب والهندسة والصيدلة والكيمياء وغيرها ونقلها إلى بلدنا المتطلع للسير في طريق التقدم والتطور وحرق مراحل الزمن. ورغم قصر المرحلة وعمق نتائجها فانه لم تتح للشعب السوري من إنجاز كل ما طمح إليه لإكمال مسيرته وبناء سورية الحديثة بعد أن جاءت الانقلابات العسكرية العديدة لتوقف وتعيق هذا المسار وتغتال التجربة الديمقراطية الوليدة وأبعادها الثقافية والحضارية فأغلقت الصحافة الحرة وفرضت صحافة تمثل وجهة نظر السلطات الحاكمة التي فرضتها الانقلابات كما منعت الأحزاب والنوادي والمنتديات وتشكلت عوضاً عنها منظمات تدعم هذه السلطات ومشروعها في الحكم، كما اجتمعت حول هذه السلطات دوائر مختلفة في توجهها ومتفقة في منفعتها مثل رجال الدين ومشايخ الجوامع وبعض المثقفين من السوريين والعرب الذين ساهموا في رسم برنامج الحكم وصياغة القوانين والمراسيم التي تتيح للحكم السلطة المطلقة دون أية منافسة من أحد .
لقد تميز الشعب السوري في تاريخه الطويل بوحدته الوطنية بكل مضامينها ورفضه التطرف الديني والطائفي والمذهبي بكل أشكاله لكن السياسات التي اتبعت من تزوير للتاريخ ومسح للذاكرة الوطنية وتهجير العلماء والمثقفين والسياسيين على قلتهم أو إدخالهم السجون والمعتقلات وكم الأفواه وانتشار الغوغائية ساهمت في نشر الفكر الديني المتزمت السلفي واندياحه في أوساط شعبية عدة. إنني أذكر حادثة جرت بدمشق في التسعينات من القرن الماضي ، إذ دعت جامعة دمشق إلى مناظرة فكرية بين الشيخ رمضان البوطي والمفكر الطيب تيزيني وقبل ساعتين من الموعد تجمع أنصار الشيخ البوطي بالآلاف في مدرج الجامعة وحولها مما لم يترك مجالا للطرف الثاني في الحضور وعندما وصل الخبر للسيد الرئيس أمر بإلغاء المناظرة وهذا ما دل حينها على مدى الاكتساح الفكري السلفي في غياب الحرية الفكرية للقوى الأخرى. لقد أشير إلى أن بناء دور العبادة في سورية خلال العشر سنوات تجاوز ما بني منها في خمسمائة عام مضت إضافة إلى أن السلطة كانت قد اتخذت توجيها سمحت بموجبه لمن يرعب من أعضاء الحزب بالانتساب لكلية الشريعة بغية خلق خرق في تكوين الأحزاب الدينية مستقبلا لكن المؤسف أن هذا الإجراء كانت له عواقب سلبية. إنني أوردت هذا السياق كدليل على فشلنا في بناء الإنسان الواعي والمثقف سياسياً واجتماعياً في ظل غياب الحرية والفصل بين حرية الوطن وحرية المواطن التي كانت سببا في الكثير من الإخفاقات والهزائم التي لحقت بالأمة كانت وراءها الأنظمة العربية المستمرة في تزوير التاريخ و محوا ذاكرة الأجيال من خلال مثقفين تابعين لها يدافعون بأقلامهم عن سياساتها ، ومشايخ الجوامع الذين يبررون أعمالها ، عملا بالقول، (وأطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم )، والسياسيين الانتهازيين ، ورجال الصحافة الموظفين، والتجار المتكسبين، والمتربصين بالفرص. لقد شكل كل هؤلاء الصف الثاني والثالث والرابع لأنظمة الحكم العربية منهم تم اختيار المستشارين والوزراء و القضاة وغيرهم ، وشرعوا ما يلبي حاجة الحاكم وليس حاجة الشعب طمعا بالمال أو الجاه .
لاشك أننا في سوريه توسعنا في بناء الجامعات والكليات والمعاهد ولكننا فشلنا في بناء قاده وجيل بكفاءة عالية أو بناء مدارس فكرية تستطيع أن تقف في وجه العواصف وهذا ما سمح لما سمي بالربيع العربي بأن يتحول إلى كارثة بالنسبة للشعوب العربية وأن يتوقف في سوريه ليصبح نكبة بكل المقاييس قتلت آمال شعبنا وتطلعاته نحو الأفضل وأخرجت الوطن من كونه دولة ممانعة ضد إسراْئيل و المشاريع الغربية إلى دولة فاشلة وشعب جاهل يعيش دون خط الفقر ماديا وعلميا وسياسياً ، إنها حقائق لا تقبل الشك وتدل فيما تدل على:
11 أن ما يجري من قتل وتدمير وسرقة تاريخ وحضارة شعبنا واقتلاعه من وطنه يثير الشك والريبة٠
2 – إن هدم المدارس وحرمان الأجيال الصغيرة من العلم والتعلم أمر مفجع وخطير.
11 إن استنزاف الطاقات البشرية عسكريا واقتصاديا وثقافيا وحرمان الأجيال من أدنى حقوق العيش الكريم أمر خطير جدا.
11 إن تهجير الإنسان السوري وتسهيل سفر الكفاءات العلمية والأجيال الشابة أمر في منتهى الخطورة.
5 – إن تعميق النزعات الطائفية بين الطوائف أمر خطير ومرفوض ويخدم أعداء الأمة.
6 – إن شعار العروبة والإسلام صنوان في جسد واحد.
7- إن تدخل القوى الإقليمية في الشأن السوري تحت ذرائع مختلفة هو اعتداء على السيادة الوطنية.
8 – إن على السوريين وحدهم تقع مسؤولية حل الأزمة السورية بمساندة من العرب والأصدقاء الحقيقيين المخلصين لسورية.
9- إن تدخل الدول العظمى في الشأن السوري بحجة حماية الأقليات حق يراد به باطل فالأقليات في سورية تعيش منذ مئات القرون جسد واحد لشعب واحد ( الشعب السوري )٠
10 – إن إغراء الحكام العرب بالمساعدات الدولية وإعطاء المشورة في هذه الظروف بالذات أمر لا يخلو من الخداع واستدراج هذه الأنظمة نحو حتفها والإجهاز عليها .
11 – إن على العرب أخذ الحيطة واليقظة لان هذه الدول لا تعمل إلا لمصلحتها الخاصة ومعظمها لخدمة مصلحة إسرائيل أيضاً.
إن المخاطر والجرائم التي ترتكب حالياً في غفوة منا وبإرادتنا المسلوبة وبمساندة أنظمة جائرة، و شعوب جاهلة ومثقفين غاٍئب أو وصوليين، ورجال دين سبقهم التاريخ، و قوى دولية وإقليمية غير عربية تدفعها مصالحها التوسعية لبناء إمبراطوريات جديدة على حساب العرب ستذهب بالوطن العربي وخاصة سورية الشعب والجغرافيا إلى مهب الريح.
إن إحصاء هذه النتائج المفجعة والخطيرة ما كانت لتتم لولا غياب الإنسان المثقف العاقل والسياسي الوازن والمفكر المبدع والفنان الملتزم والصحفي الحر والمهني الوطني والنظام الديمقراطي الجامع لكل هذه العناصر والتي تشكل في مجملها الدولة الوطنية العميقة لكل الشعب لأنها صمام الأمان الحقيقي والجدار المنيع في مواجهة أي معتدي.
Tags: محرر