Archived: مرح البقاعي: من التعدّدية إلى التكفير.. حين تأكل الشعوب أبناءها

مرح البقاعي: أفق

إنه أول أيام عيد الفطر للعام 2015، يوم الجمعة، يوم عمل عادي في واشنطن، وكان علي أن أحتفي ما بعد ساعات الدوام المعتادة بالعيد الذي لن يهبّ علي هذا العام، كما العديد من الأعوام التي خلت، من مقام الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي  في الحيّ المسمّى على اسم الشيخ الجليل والممتد على السفح من جبل قاسيون في مسقط رأسي العاصمة السورية دمشق.

قصدتُ الحيّ الصيني في القلب من الوسط الحكومي والتجاري من واشنطن وهو مكاني الحسّي المفضّل في المدينة العالقة في قسوة الاسمنت. وزائر الحيّ الصيني هنا يلجه عابراً  قوساً عملاقاً من الطراز المعماري الامبراطوري الصيني فيأخذه شعور فوري أنه اخترق الغلاف الجوي الصيني بالفعل، حيث تنتشر المطاعم التي تقدم وجبات الطعام الصينية التقليدية ومتاجر البضائع الترائية والشعبية التي نعرفها منذ سنيّ الطفولة المبكّرة وكانت تباع في معرض دمشق الدولي من المظلات الملونة والمراوح والقمصان الصينية المزينة بخيوط الذهب، وهي ما كنت أحرص على اقتنائه كل سنة.

اختياري للعشاء الاحتفالي كان وجبة “البيكن ضاك” أي لحم البط على الطريقة الصينية. لا أعرف إذا كان البط الصيني يذبح “حلالاً أم لا، فقد” قررت أن يكون العيد احتفالاً كوزموبوليتانياً تغيب فيه مشاعر الوحدة في غياب الأصدقاء المنشغلين في أعمالهم اليومية، ومن بقي حيّاً من الأهل وما زال قابعاً في حي المهاجرين الدمشقي.

لابأس، هي وجبة البط وليست “المقلوبة” الشامية بيد والدتي، وهو مناخ التعددية الثقافية الذي يشكل بصمة الـ “دي ان اي” الخاصةً بهذه المدينة التي تحتفي بالأعراق والقوميات والطوائف المهاجرة إليها من جهات الأرض الأربع بحثاً عن منمنمات الحلم الأميركي.

والحلم الأميركي ليس بيتاً مريحاً يوفر وسائل الرفاه وسيارة فارهة، إنه أبلغ من أن يقيّم برصيد من الدولارات وحسب، بل إنه يكتسب قيمته من بعده الزمني والقيمة الإنسانية التي لا معيار لها إلا قياساً بمناخ الحريات العامة والعدالة الاجتماعية يستوي فيها المواطنون جميعاً في الحق والواجب في دولة القانون التي تحتفي مؤسساتها الحكومية والشعبية بتلك التعددية البشرية والثقافية ــ العامود الفقاري للأمة الأميركية.

فكلمة سرّ المعاصرة لدى الشعوب تكمن في مدى تمكّنها من تحرير الفرد والفكر في آن، وكذا إطلاق الحريات في الاختيار والتعبير التي تتجلَّى في أعظم صورها في الاعتراف والاحتفاء بالنسيج المجتمعي الذي يقوم على التعددية الثقافية والعرقية والدينية، مع الحرص على تدبير هذه التعددية وفق أسس ديمقراطية تفرض حتمية إقرار حقوق الإثنيات في العيش والتعايش، واحترام خصوصيتها الدينية والحضارية، وفتح باب الاجتهاد  في النص القانوني بما يجاري تطور هذه الحالة الاجتماعية وييسّر سبل استيعاب المزيد من ألوان البشرية. والدستور ليس بمنزّه عن فعل الاجتهاد والتحديث لبناء دولة مظلتها “المواطنة” بعيداً عن مصطلح “الأقلية”، بإسقاطاته العرقية والدينية، والذي لا أرى فيه إلا فرزاً عنصرياً ومذهبياً بغيضاً استشرى في ظل تغييب منهجي لمبدأ المواطنة التي يستوي فيها أبناء الوطن الواحد في الحق والواجب مهما تغايرت انتماءاتهم. فكيف نطالب بالعدالة والمساواة والوحدة الوطنية في مجتمع لا يتساوى أفراده في الحقوق في حين يطلب من الجميع أداء واجباتهم كاملة؟

ويكفي هنا أن ننظر إلى الفرق بين توظيف مصطلح الأقليات في العالم العربي عنه في الولايات المتحدة الأميركية لنعرف أين نقف اليوم من سلّم الحضارية الإنسانية، لاسيما بعد غزو جحافل التكفيريين المتطرفة لغير بلد عربي وفرضها نهجأ تتاريأ ظلامياً على الحياة لا يمت للإسلام وتعاليمه المعتدلة بصلة ويقوم على الفصل العرقي والطائفي والتنكيل بالأقليات المستضعفة.

فمصطلح الأقلية (Minority) في الولايات المتحدة  يُستخدم للتأكيد على دور هذه الفئة من المواطنين كشريك حقيقي فاعل في الحراك المجتمعي العام، ولتقديم دعم استثنائي لها رسمياً كان أم عاماً، وكذا تمكينها اجتماعيا لتلتحق بركب المواطنة والاندماج في البنية الاجتماعية (Integration)، بعيداً عن سياسات الاستعلاء والاقصاء والعزل والتطهيرفي المجتمع الواحد. وفي مثال من مئات الأمثلة في هذا الشان أستطيع أن أسوق هنا ما يفرضه القانون الأميركي على المؤسسات وأصحاب العمل في أن تًذيّل طلبات التوظيف بعبارة ملزمة قانونياً مفادها: “الأولوية في التوظيف تكون للأقليات والنساء من الذين تقدموا للفرصة الوظيفية عينها”.

أما في مجتمعاتنا المسلمة بالأغلبية، وعطفاً على التشريع الإسلامي ودوره في الحياة العامة والسياسية بوجه الخصوص، فلنا في نهج الشيخ مصطفى السباعي قدوة، وهو المرشد العام الأول لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا وصاحب الخطاب الليبرالي الإسلامي الأول، والذي أقرَ بالآلية الديمقراطية وصادق على دستور لم ينص على أن دين الدولة هوالإسلام. ومن أقواله المشهودة في إحدى جلسات الجماعة ما مفاده:” إننا نريد لوطننا نظاما شعبياً ديمقراطياً يقوم على إرادة الشعب، وتتمثل فيه إرادة الشعب”. وما الديمقراطية في ألِف بائها السياسي إلا قبول للآخر المختلف.

وليس الشيخ السباعي بمنأى، في رؤيته التنويرية عن نهج الإسلام المدني المستنير في العصر الذهبي للحضارةالإسلامية، إسلام الأندلس المفقود، حيث شكلت الدولة العربية في حينها مظلة تعايشت في وارفها الديانات والمذاهب والطوائف كافة، بل وازدهرت في ظل حس جمعي موحِّد، بعيدًا عن ممارسات التهميش العرقي والاضطهاد الديني؛ عصر إسلامي استشرف الحالة المدنية في شريعته وأطلقها في ممارساته السياسية بعيداً عن الغيبيات والمكابرات والفرز المذهبي أو الطائفي.

أما عمر بن الخطاب، فحين قام بتدوين الدواويين في عهده، وهو ما يعرف في الاصطلاح المعاصر بـ “إنشاء الوزارات”، فقد أبقى عليها في إيران فارسية، وفي مصر قبطية، وفي الشام رومية، تماماً كما كانت عليه الأمر قبيل الفتح الإسلامي، وذلك ضمن وحدة جغرافية يسوسها مبدأا العدل المجتمعي والتسامح الديني. ومضى التجديد وروح الاجتهاد متساوقين، حيث شكّل الفعل الاجتهادي تقليداً إسلامياً راسخاً في التعليل، والوصول الى أحكام مستقلة، إلى جانب كونه أداة تحديث متّصل في النص الديني، الأمر الذي جعل من الاستيعاب العرقي والديني مؤشّر قوة الدولة وليس بذرة لتشقّقها.

إن ما يشهده العالم منذ هجمات الحادي عشر من أيلول على الولايات المتحدة التي تبنّاها تنظيم القاعدة وما فرّح هذا التنظيم الإرهابي من مجموعات موت متنقل تجلّت في أبشع صورها وأكثرها ظلامية في العراق وسوريا حيث منبت ما يدعى تنظيم الدولة (داعش) التي تُمارس حملات همجية على مكونات المنطقة الثقافية من إثنيات وقوميات سكنت هذه الارض منذ مئات السنين، بل بعضها وجدت في الشمال العراقي والسوري ما قبل الاسلام كالسريان والآشوريين، إنما تشكّل العدو الحقيقي للإسلام لما زوّرت في عقيدته وتعاليمه، واتخذت من عنوانه سكّينًا يحزّ عنق كل من خالفها ليس فقط في العقيدة الدينية، بل وفي الملبس والمسلك ومشارب المعرفة.

تنظيم الدولة للذي يدّعي حماية السنّة العرب بتكفير كلِ آخرٍ إنما هو المحرِّض الأساس على السنّة العرب من خلال تشويهه العمدي لصورتهم وزج جرائمه في مفردات قاموسهم العقيدي والاجتماعي وجرّهم جميعاً إلى خانة التطرّف الديني الذي لن يكون إلا  محرقة لشعوب تأكل أبناءها.

هذا التنظيم “التعددي” بتركيبته البشرية، حيث جمع في خندقه متطرفي العالم من جنسيات الأرض كافة، يجرّم على الآخر ما يرضى به لنفسه! فقوامه المتعدّد الجنسيات، وإرهابه العابر للحدود والقارات، ليس سوى الوجه الظلامي من لثقافة الموت المتعدّد الأسباب التي ينشر راياتها السود على غير موقع من العالم.

 الداعشيون من أصحاب كأس التكفير الزعاف هم اليوم في أضعف حالاتهم، ليس فقط بسبب الحرب العبثية الدائرة على الأرض التي يعيثون فيها فساداً وطغياناً، بل لأن الاستبداد السياسي لمن يشاطرهم حاكمية تلك الأرض، والوجه الآخر للاستبداد الديني، مازال يدير رحى هذه الحرب بما يخدم استشراء الفوضى العارمة التي يتغذى على دمائها الداعشيون والحكام المستبدون في آن.





Tags: محرر