Archived: د. محمد عادل شوك: قراءةٌ في المراجعات التي خضعَتْ لها الثورةُ السوريةُ مؤخرًا

د. محمد عادل شوك: كلنا شركاء

مؤلمةٌ هي الأحداث التي ألمَّت بالمشهد السوري مؤخرًا، و لكنها في الوقت نفسه حملَتْ المعنيين بالثورة، على القيام بمراجعة شاملة لمسيرتها عن الفترة الماضية، في مسعى منهم للوقوف على مواضع الخلل، و إعادة العربة إلى السِّكة، و العودة بالثورة إلى مسارها الصحيح، انطلاقًا من قاعدة ( إنقاذُ ما يُمكِن إنقاذُه )، وقد كانت العناوين الرئيسة لتلك المراجعات هي:

ـ الظُلم.

ـ الفساد.

ـ الإساءةُ في التصرُّف، و سوءُ تقديرِ الموقف.

و قد تمثَّلت مظاهرها في جملة من الأمور، منها:

1- غيابُ المنطق المؤسساتي في إدارة شؤونها، و تغليبُ المنطق الفصائلي، لا بلْ العائلي أحيانًا، و لاسيّما في الجوانب ذات النفع المادي.

2- السيرُ في ذات الطريق التي اختطَها النظام في بسط يد رجال الأمن على مرافق الحياة كلّها، فكان رجل الأمن مُفتيًا في شتى شؤون الحياة؛ و هو الشِنْشِنةُ التي ورِثتها عنه طائفةٌ من الثوار، فترى أحدهم في السياسة، و التخطيط الاستراتيجي، و الإغاثة، و المخفر، و النقطة الطبية، و الأوقاف، و المكتب الزراعي، و حتى برنامج التغذية الأسرية.

و هو الأمر الذي أطلقَ يدَ طائفة من الذين حملوا السلاح تحت دواعيَ عِدَّة؛ ليُعيدوا الكَرَّة نفسَها ظلمًا و فسادًا، و لنقُلْ تشبيحًا على كلّ من خالفَهم في الرأي، أو كان لهم مَظلَمةٌ عنده في أيام النظام، فجعلوا من الثورة غطاء للمآرب الشخصية.   

3- إغلاقُ باب الثورة في وجه اللاحقين، عملاً بقاعدة ( الثورةُ  لمَنْ سبقَ، لا مَنْ صدق )، و رميهم بالعمالة و التشبيح، و تغيير الولاء خوفًا من المحاسبة و طمعًا في المكاسب في سورية المستقبل.

4- التفريطُ في الاستفادة من الخبرات المتراكمة لدى المنشقين من الضباط و العسكريين المنشقين، و جعل شعار ( الثوريُّ أولاً )؛ الأمر الذي جعلَ كثيرًا من الأرواح تُزهق في الثورة بسبب حداثة السِّن و قلة الخبرة.

5- محاولةُ السير بالثورة بجناح واحدة، اعتمادًا على منطق العسكرة، انطلاقًا من أنّ ما أُخِذَ بالقوة لا يُستردًّ إلاَّ بها، و أن السياسيين قد فرّطوا بالقضية بجلوسهم خلف الحدود، في غرف الفنادق؛ و أصبحت الألسنةُ تلوك شعار ( ثوارُ الخنادق، و سُكنى الفنادق ) دونما فقهٍ أو بصيرة.

و حتى لمّا استطاعت الثورة أن تتخطى هذه العقبة في مؤتمر الرياض، خرج على المُنضوين في أروقته من الفصائل المسلحة مَنْ يستعدي عليهم أبناءها، و يُؤلّبهم على التمرد و الانشقاق، و يرمي الهيئة التفاوضية المنبثقة عنه بالعمالة، و خطف الثورة، و عَلمَنتها، و رِدَّتها.

و قد استمرأ كثيرٌ من المنضوين في الثورة هذا الأمر، فأصبحت عادة ذمِّ المؤسسات المنبثقة عن  معارضة الخارج السياسية، و التنكرِ لها، سمةً غالبة على حديثهم؛ لا بلْ غدا مَنْ ينتمي إليها دريئةً للتصويب عليها في كثير من أوقات المُلِمات و الشدائد، أو لكسب وُدّ الفصائل الإسلامية، التي لا تخفي مناكفتها لها.

6-قلبُ ظهرِ المِجَنَّ لليد السورية، التي كان لها فضلُ السَّبق في المساعدة بالقليل المُتحصِّل لديها، قبل أن تُعطى إشارةُ البذل للمنظمات الوافدة، التي لم تسلم هي الأخرى من التعدّي على مرافقها؛ الأمر الذي جعلها تكمشُ يدها في وقت هو مدعاةٌ للنظر في مقاصدها ابتداءً.

و قد انسحبت هذه الحالةُ من نكران الفضل، على كثير من الأفراد و المؤسسات الذين أمدوا الثورة في غير مرّة.   

7- اِستعداءُ دول صاحبة نفوذ في الملف السوري، كالولايات المتحدة التي رأت في ضرب برنامجها في تدريب جماعات من الفصائل المحلية، كجبهة ثوار سورية و حركة حزم، امتدادًا لمشروع الصدام المفتوح بينها و بين الجهادية العالمية.

صحيحٌ أنّ جبهة النصرة، و الجهات الأخرى المتحالفة معها، كجند الأقصى، و أطرارٌ من أحرار الشام قد سدّدوا ركلة في الشباك الأمريكية حينما أجهضوا سعيها في كسب ولاء طائفة من الجيش الحر، إلاَّ أنَّ المباراة ما تزال تشهد مزيدًا من الركلات لصالحها، سواءٌ من خلال إدارتها للملف السوري بإدارة الظهر، أو بفتح الباب موارَبًا لروسيا لتفعل بعصاها الغليظة ما يُدمِلُ جرحها.

و هو ما جعلَها تولّي وجهها صوب بعض الجماعات الكردية، و بقايا تلك المجموعات بزعامة جمال معروف، و العشائر العربية؛ في مسعى منها للاعتماد على أذرع أخرى، تكون جزءًا من مشروعها البديل عنها و عن الأسد على حدٍّ سواء.   

8- تعمُّد الإساءة إلى الدول المتحالفة مع الثورة ( السعودية، قطر، تركيا )، و الغمز من قناتها ما أمكن الأمر، و عدمُ تفويت فرصة في تخوين مواقفها، و تحميلها تبعات أيّة انتكاسة تلحق بالجبهات الميدانية، و هو الأمر الذي جلبَ فتورًا في العلاقة معهم في بعض الأحيان.

و قد لاكَتْ ألسنةُ قادة ميدانيين في هذا الأمر؛ ممَّا استدعى عتبًا لهم من إخوانهم الذين صحبوهم حين استلام الإمداد اللوجستي، و المادي من هاتيك الدول في مرّات عديدة.

9-جعلُ القضاء ذا بُعد جهويّ ضيق على الفصيل الذي أوجده، و يتولى رعايتها عسكريًا و ماديًا، و ليس دار قضاء موحَّدة، فكان أبعدَ ما يكون عن تجسيده عناوين الدولة المنشودة، التي تتخطى سوءات العهد الماضي، المليء بالمحسوبيات الضيقة.

الأمرُ الذي جعل جُلَّ أحكامه خاضعة لقناعةٍ، مصدرُها ( الشيخ )، و ليس القاضي المختص بعلم القانون، و إجراءات المحاكم العصرية، و ما سلِمَ من هذه اللوثة نُزِعَتْ أنيابُ قراراته من عنتريات مُسلحي الفصائل الأخرى.

10-تغليبِ منطق ( الأَنصاف ) على أهل الاختصاص و العلم و الدراية و المعرفة، فأصبح هناك نصف ثائر، و شيخ، و سياسي، ووو.

11-الاستهانة بالدماء، و التجرُّؤ عليها بشكل لافت للنظر، سواء من خلال فضّ الخصومات الفصائلية ذات البُعد المحليّ و العالمي، في إطار السعي لبسط النفوذ، أو القيام بضربات استباقية لإفشال مساعي الدول النافذة في الملف السوري ضدها.

و لا يبعُد الأمرُ كثيرًا عن دوافع فردية، مغلَّفة بتلك الرايات الفصائلية، و هو أمرٌ شاع عن طائفة من حملة السلاح، الذين يُبدِّلون كتف البندقية بين الفينة و الأخرى، تحت ذرائع و مبررات لا تنسجم مع شعار تلك الفصائل في كثير من الأحيان.

12-استمراءُ التعدّي على الحُرُمات و الأملاك، الخاصة و العامّة، بتبريرات هي أقربُ إلى منطق الذرائعيّة المغلّفة بدثار مصلحة الثورة، و هو أمرٌ كان النظام يتوقفُ عنده كثيرًا، في أشدّ مراحل الخصومة مع معارضيه في أيام الثمانينات.





Tags: محرر