on
Archived: سعاد خبية: مسارات الفوضى والعجز…إشكالات المعارضة السورية
| العمل السياسي في سوريا قبيل الثورة كان من المحرمات باستثناءات بسيطة استخدمت كمتنفس عام تمثلت بأحزاب شكلية يرعاها النظام. |
سعاد خبية : مجلة رؤى مصرية الصادرة عن مركز الاهرام للدراسات
لعله الملف الأكثر تشابكا وتعقيدا حين وضعه على طاولة البحث والتقصي، للإجابة عن سؤال ملح هو لماذا لم تستطع المعارضة السورية الممثلة للثورة بلورة مشروعها وتقديم نفسها كبديل مناسب عن النظام القائم في سوريا، الذي نادى الشعب السوري بإسقاطه منذ 2011 مع كل ما ارتكبه من جرائم وتدمير ممنهج للدولة السورية، لماذا فشلت المعارضة في أن تكون رافعة حقيقية لإحداث التغيير المطلوب الذي ينشده السوريون ويقبله العالم.
بلا شك إشكالية المعارضة أحدثت فراغا يدفع الوطن السوري برمته ثمنها، وخلّفت حالة من الفوضى وغياب في المركزية وتشتيت في الرؤى والتعبير، ترافقت مع واقع دامٍ سجل أرقاما فوق قياسية في مستويات العنف الممارس ضد أبناء الشعب السوري وكانت إحدى معززاته، واقع تمظهر بالقتل والتدمير بكل أنواع الأسلحة (المحرمة وغير المحرمة)، مسجلا ما يفوق عن مليون قتيل ومفقود تشمل (قتلى جيش النظام والمعارضة) وخمسة عشر مليونا من المهجرين والنازحين بحسب آخر أرقام للأمم المتحدة، فيما يعاني قسم كبير ممن تبقى في الداخل من القصف والبراميل المتفجرة والحصار والتجويع الذي يطبق منذ سنوات على مناطق عدة داخل سوريا، وما رافق ذلك من اعتقالات واختفاء قسري ورعب، أحداث وَسَمَت جميعها ذلك المشهد المروع.
أولا: المعارضة والواقع السياسي
ما قبل 15 مارس 2011
العمل السياسي في سوريا قبيل الثورة كان من المحرمات باستثناءات بسيطة استخدمت كمتنفس عام تمثلت بأحزاب شكلية يرعاها النظام تدعى (أحزاب الجبهة الوطنية التقديمة) تعمل تحت سقفه وحسب توجيهاته، ليس لها أي امتداد شعبي، وأحزاب أخرى سرية محظورة منها القومية ومنها الشيوعية والعلمانية انكمشت وسيطر عليها الاستبداد والنخبوية والانفصال عن القاعدة الشعبية بفعل الانغلاق وصعوبة الحركة واعتقال وملاحقة معظم أعضائها وتصفية كثير منهم، ومن بقي صامدا من تلك الأحزاب لا يتعدى أن يكون اسما يرتبط برئيس يدير المكتب التنفيذي للحزب مع بعض الأعضاء دون امتداد حقيقي على الأرض، ينسحب الأمرعلى العمل المدني كذلك، في حين فرضت بعض مؤسسات حقوق الإنسان نفسها خلال العقد الأخير في ظروف عمل قاهرة، فمعظم أعضائها ملاحقون ويتم محاصرتهم ومتابعة تحركاتهم وقد اعتقل عدد من النشطاء الحقوقيين أو هربوا خارج سوريا.
ثانيا: محدودية دور الأحزاب
في صناعة الثورة
انطلقت الثورة السورية كما توصف كحركة عفوية شاركت بها شرائح اجتماعية مختلفة، لم تمتلك رؤية محددة عن البديل المفترض ولكنها طالبت بشكل قاطع بالتغيير الكلي وإسقاط النظام القائم ومحاكمته، كانت دعواتها تتمحور حول الديمقراطية كمنهج لنظام حكم مرجو، والحرية كأساس، حملت هتافات الثائرين ولافتاتهم شعارات واضحة (لا سلفية ولا إخوان – لا بعثية ولا إيران بدنا دولة مدنية) (واحد واحد واحد الشعب السوري واحد)، رفضت الطائفية وقد شارك علويون ومسيحيون وغيرهم من الطوائف والأديان في بواكير مظاهراتها كما شارك فيها أكراد وقوميات مختلفة، لم تكن ثورة دينية قطعا فلا يمكن لثورة دينية أن تتقدمها ثائرة كرزان زيتونة “الناشطة الحقوقية العلمانية السافرة”، التي كانت إحدى أعمدة الحراك، شاركت بالثورة السورية شخصيات سياسية لها تاريخها النضالي ضد النظام القائم، فيما لم تشارك فيها أحزاب منظمة.
أخذت معظم الأحزاب التي كانت تصف نفسها بـــ”المعارضة” موقف المتفرج منذ انطلاق الحراك دون تدخل فعلي، واكتفت بنشر بيانات مكتوبة تحمل جملا فضفاضة غير محددة الموقف إزاء التحرك الشعبي الداعي لإسقاط النظام، ورد النظام العنيف على المظاهرات، فخسرت موقعها كموجه فعلي لمسار الأحداث، كما خسرت القاعدة الشعبية المتحركة التي فسرت موقفها بأنه مهادنة للنظام واصطفاف معه، رغم المواقف المائعة تجاه الثورة من الأحزاب السياسية (المعارضة) إلا أن عددا غير قليل من قواعدها ومنتسبيها شاركوا بصفتهم الشخصية ضمن الحراك الثوري وكان لهم في الهيئات التي أفرزها لاحقا موطئ قدم، فتصدر المشهد عدد منهم فيما اعتقل آخرون ومازالت أسماء كبيرة تغيبها معتقلات الأسد منذ أربع أو خمس سنوات أمثال (فائق المير، عبد العزيز الخير، رجاء الناصر، توفيق انجيلة، صبحي خبية وآخرين.. لم يكن هذا الحضور كافيا لردم فجوة غياب التنظيم، فأخذت الثورة تحرك نفسها في كل الاتجاهات دون وجود رأس يديرها ويوجهها، عشرات المحاولات والمؤتمرات أنجزت لتشكيل نواة حقيقية تمثل الثورة وتكون بمثابة البديل المناسب للنظام غير أنها اصطدمت بعقبات جوهرية حالت دون نجاحها.
ثالثا: مؤتمرات صناعة الرأس
بدأ السوريون بتلمس الحاجة الماسة لصناعة رأس يقود ثورتهم ويتحدث باسمهم ويبلور مشروعهم عقد أول اجتماع للمعارضة بعيد انطلاق الثورة في أنطاليا في تركيا 1 يونيو 2011 نظمه رجال أعمال، حضره 300 معارض سوري غالبيتهم أعضاء «إعلان دمشق» تحت اسم “المؤتمر السوري للتغيير”، نظم النظام حملة شرسة ضد الحضور واتهمهم بالخيانة وأطلق على المؤتمر توصيف (المؤامرة) ثلاثة أيام فصلت بين مؤتمر أنطاليا ومؤتمر آخر عقد في في العاصمة البلجيكية بروكسل في 4 يونيو 2011 وسط حضور مكثف لجماعة الإخوان المسلمين المعارضة المحظورة، والتي صدر مرسوم رئاسي بالعفو عنها قبل أيام من انعقاد المؤتمر بعد ثلاثين عاما من حظرها في سوريا.
استمرت محاولات السوريين في تجميع أنفسهم وبلورة مشروعهم الذي بدا بأن كل مجموعة تراه بشكل مختلف، فعقد المؤتمر الثالث على مستوى الحراك في بلدة حلبون في ريف دمشق فى 17 سبتمبر 2011 وحضره معارضون تقليديون من الداخل، وأسفر عن إنشاء “هيئة التنسيق ، وفي فندق «سميراميس» وسط دمشق، عقدت نحو 200 شخصية سورية فى 27 يونيو 2011 مؤتمرا تحت عنوان “سورية للجميع في ظل دولة ديمقراطية مدنية”، أصدر المؤتمر الذي شكك كثير من السوريين بارتباطه بالنظام القائم بسبب الموافقة على عقده داخل دمشق بيانا دعم فيه ما أطلق عليها “الانتفاضة الشعبية السلمية ” ودعا إلى ضرورة إنهاء الحل الأمني ورفض التدخل الخارجى.
1- مؤتمر الإنقاذ: انعقد في إسطنبول/تركيا بتاريخ 16يوليو 2011 حضره 420 شخصية سورية، ترأسه هيثم المالح، تفاوت الحضور بين الشخصيات المستقلة أو الممثلة لتيار أو جماعة (مجموعة إعلان دمشق – ممثلين عن بعض العشائر – ممثلين عن بعض الأحزاب الكردية – ممثلين عن تيار الإخوان المسلمين) تمخض عن المؤتمر الذي تخللته خلافات عديدة عن انتخاب “مجلس وطني للإنقاذ ” مؤلف من 25 شخصا، كان من المقرر أن يعقد هذا المؤتمر في دمشق في منطقة القابون تشارك به قيادات ثورية وشخصيات سياسية من الداخل، إلا أن مبادرة النظام لتخريبه ومنعه كانت الأسبق، فتمت مهاجمة الحي الذي ضم الصالة التي أعلن عنها مكان للاجتماع وأطلق الرصاص على أهالي الحي وقتل حينها (14) شخصا ما دفع المنظمين لنقل مقر المؤتمر إلى خارج سوريا، كان من المقرر أن يترأس المؤتمر المعارض السوري الكردي – مشعل تمو – الذي اغتيل بتاريخ 7 أكتوبر 2011 بُعيد المؤتمر وقد اتهم النظام باغتياله، فيما شارك – تمو – في فعاليات مؤتمر “الإنقاذ الوطني” المنعقد في إسطنبول بشكل علني من الداخل السوري عبر السكايب، كانت الإشكالية الأساسية بهذا المؤتمر والتي كانت سبب فشله كما يصفها المعارض السوري وعضو الائتلاف الحالي هيثم المالح تكمن في العدد الكبير للمشاركين (420) شخصا، وكان مقررا أن لا يزيد على (150) عضوا، غابت معايير الترشح الذي طغى عليه العلاقات الخاصة والحزبية والواسطات، انصب الاهتمام بحسب المالح على الجانب الشكلي والتوصيفي بحيث تم تأجيل نشر الوثيقة السياسية التي وضعت أصلا في دمشق – واعتمدها مؤتمر الإنقاذ- وأهملت وأجلت لما بعد الانتخابات وبدأ التحاصص على المقاعد وبدأت الخلافات (انسحاب الأكراد – تململ العشائر – استقواء الإخوان) وبعد إتمام المحاصصة تلك غادر المشاركون كل إلى حيث الدولة التي يقطن فيها ولم يتم إقرار الوثيقة السياسية أو متابعة مخرجات المؤتمر وتنفيذها.
2- المؤتمر الخامس: عقد في الدوحة / قطر حضره الإخوان المسلمون وتيارات وشخصيات مستقلة أخرى، نظم المؤتمر المفكر العربي عزمي بشارة وكاد يصل لاتفاق بين أقطاب المعارضة السورية إلا أن خلافات جديدة حالت دون ذلك .
3- مجموعة الستين وتأسيس المجلس الوطني: ضغوط شعبية كبيرة وانتقادات واسعة للمعارضة التي عجزت حتى ذلك الوقت عن تأسيس مجلس وطني سوري، فبعد فشل محاولة مؤتمر قطر لتحقيق تلك الغاية، عقد مؤتمر اسطنبول من قبل – مجموعة الستين(1) – وتم دعوة برهان غليون لترأس المجلس الوطني السوري كنوع من التوازن والترضية كما فسره البعض كان العمود الفقري لهذا المجلس هم الإخوان المسلمين ومجموعة إعلان دمشق(3) – كانت الإشكالية الأساسية في عمل المجلس الوطني بحسب توصيف – هيثم المالح (4) أنه لم يستطع الانتقال للحالة المؤسسية، من ناحية تحديد الهدف من وجوده، وتحديد مهامه ووضع خطة عمل مناسبة وآليات قادرة على التطبيق، اقتصر عمل أعضائه على التنقل من بلد لآخر دون الاتفاق على مشروع محدد الأبعاد والمعالم والمسار ودون وجود آلية مراقبة ومتابعة ومحاسبة فعلية فكان عبارة عن مكتب تنفيذي مؤلف من عدة أشخاص ورئيس دون وجود فعلي لمؤسسات فاعلة داخله.
4- مؤتمر المجلس الوطني الأول في تونس: في 17 يناير 2012 عقد المجلس الوطني السوري مؤتمره الأول في العاصمة التونسية بهدف توحيد جهود الفصائل المعارضة لنظام حكم الأسد في سوريا، حضره نحو 200 من أعضاء المجلس الوطني غير أن خلافات كبيرة نشبت بين أعضائه استدعت تدخل الأمن التونسي في القاعة بعد هجوم الأعضاء على المنصة الرئيسية التي يقف عليها مسئولوه، كان سبب الخلاف هو تحديد مدة الرئاسة والتي نشب خلاف حاد حول مدتها (3، 6، 12) شهرا وكانت الفترة المقرة سابقا 3 أشهر وفي تعليق المالح حول أهم إشكالات المعارضة ومراحل تشكلها يقول “بدأنا بتشكيل لجنة العلاقات الخارجية فتقدم 60 شخص! وكلهم يرون أنهم مناسبون دون أن يتم تحديد معايير محددة للترشح في غياب مؤسسة منظمة فعليا تقوم بدراسة مدى مناسبة المرشحين – تم اختيار الأمانة العامة دون تشكيل لجان أو مؤسسات رقابية تابعة.
ومع ارتفاع حدة العنف من قبل النظام في دمشق والخسائر البشرية والدمار الواسع، ومع اللغط والتشويش والخلافات التي بدأت تتعمق ويتم التعبير عنها بشكل أكثر فجاجة مابين معارضتي (الداخل الممثلة بهيئة التنسيق والخارج الممثلة بالمجلس الوطني وما بينهما من تجمعات) عقد في القاهرة برعاية الجامعة العربية في 3 يوليو 2012 مؤتمر للمعارضة أقر ما سمي بــ (وثيقة العهد الوطني) تعاهد المؤتمرون على أن يقرّ دستور جديد للبلاد حددوا في الوثيقة رؤيتهم العامة للمشروع الوطني وشكل الدولة والحكم ومحددات عملهما والعلاقة بين الأطراف.
5- الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة: بعد التأييد الواسع الذي ناله المجلس الوطني وخيبة
الأمل من أدائه تم تشكيل الائتلاف الوطني في الدوحة/قطر في نوفمبر 2012 وضم الأطراف السابقة بتوسع أكبر، وانتخب الشيخ معاذ الخطيب، إمام المسجد الأموي في دمشق سابقا رئيسا للائتلاف من قبل المشاركين فيه وهي ذات طريقة التعيين التي اعتمدها المجلس الوطني، تكون الائتلاف من 63 مقعدا، ضم المجلس الوطني السوري إضافة لممثلي عدد من الهيئات والأحزاب الأخرى، نال الائتلاف اعتراف دول الجامعة العربية باستثناء العراق، لبنان، الجزائر كما نال اعتراف ودعم كثير من دول العالم، إلا أن هذا الاعتراف بدأ بالتراجع فبدأ بالتضييق عليه واتسعت الهوة بشكل كبير مع الداخل السوري، يؤخذ على الائتلاف تكراره جميع أخطاء المجلس الوطني وارتباط أعضائه الكبير بالخارج والانقسامات الحادة بينهم، يبرر أعضاؤه تراجع مكانة الائتلاف إلى الرغبة الدولية بتشتيت القرار السوري فيما يتهم بعض السوريين أعضاءه بالفساد المالي والفشل الإداري والتبعية.
رابعا: سوريا بين فوضى الفصائل المسلحة وعجز المعارضة السياسية
أطراف عدة تمثل محاور صراع متداخل، هذه الأطراف ترتبط جميعا بدول داعمة لها مصالح متباينة، تزيد بدورها إوار الاحتراب بين جميع الأطراف عمقا وعنفا. ابتدأت الحالة السورية بحراك شعبي ضد نظام مستبد طالبت بإسقاطه مظاهرات وصل تعداد المشاركين فيها عدة ملايين، استمر الحراك سلميا مطلقا لستة أشهر باعتراف رأس النظام السوري ذاته والذي واجه ذلك التحرك بالسلاح الثقيل والطيران وفيما بعد بالسلاح الكيماوي والبراميل المتفجرة، ففي مقابل شعب مدني يتلقى الضربات من جهات عدة، يقف جيش نظامي مدجج بالسلاح النوعي وفي مقدمته سلاح الطيران، يُدّعَى بأنه “جيش وطني” كان يُعدّ منذ أربعة عقود لقتال عدو بمستوى (العدو الصهيوني) وقد تحول بمن تبقى ضمن صفوفه وبكامل عتاده لقتال شعب أعزل، يحرّكه نظام تدعمه دول عظمى تحولت بفعل مصالحها الإستراتيجية في سوريا ومع المساحة غير المحدودة التي منحت لها مقابل حمايته إلى دول مُحتلة، تفعل ما تفعل، بمنطق صاحب الملك، غير آبهة بأى مُسائّلة في ظل صمت دولي مطبق، ناهيك عن طرف ثالث ضمن مفردات المشهد السوري لا يقل دوره أهمية اليوم وقد بات صاحب القرار على الأرض في ظل غياب شبه تام للمجتمع المدني يصنف باسم (مجموعات مسلحة) يجمعها عداؤها للنظام القائم كهدف معلن، فيما يشي واقع بعضها بحال أخرى كداعش التي أكدت العديد من التقارير الدولية وتصريحات مسئولين دوليين كبار (ارتباطها العضوي وتعاونها الميداني وتنسيقها مع نظام بشار الأسد).
تنافس وصراعات واحتراب هو جوهر العلاقة بين الفصائل العسكرية على الأرض، اختلاف أيدلوجي يرتبط بتوجهات الجهات الداعمة في الأغلب، تباين في الأهداف والمصالح ينعكس على مجريات المعارك على الأرض،لا تمتلك الفصائل العسكرية أسلحة نوعية تمكّنها من حسم معركتها مع النظام (مُنع دعمها بالسلاح النوعي منذ بداية العمليات العسكرية وفي مقدمة الممنوعات – مضادات الطيران- القادرة فعليا في حال توافرها على وقف الهجمات الجوية التي يقوم بها طيران النظام والطيران الروسي اللذان يوقعان أعدادا كبيرة جدا في صفوف المدنيين)، ينتظم تحت عنوان المجموعات المسلحة فصائل (الجيش الحر) المنشق عن الجيش النظامي وأفراد من الجيش الشعبي وقد تقلصت بسبب انعدام الدعم الخارجي من جهة والتضييق عليها وتعرضها للتصفيات والهجمات المركزة من قبل النظام وروسيا وإيران ومن قبل بعض الفصائل المتشددة الأخرى التي تقاتل النظام والجيش الحر معا كــ (النصرة – داعش – بعض الفصائل الإسلامية)، الفصائل الإسلامية التي توصف بـ(المعتدلة) وهي مدعومة من قبل بعض الدول العربية والإقليمية وفصائل أخرى توصف بـ (المتشددة) ومن أهمها مايسمى بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) مثار قلق الجميع ودافع تحركهم.
في مقابل هذا المشهد الداخلي المترع بالفوضى تقف هيئات المعارضة السياسية السورية الرسمية متآكلة، عاجزة، تُنتقد بشدة ممن تمثلّهم، تفصلها عنهم هوة تزداد اتساعا مع التنصل والتراجع الدولي في دعمهم وتقليص مساحة الاعتراف بهم ورفض الإقرار بكونهم الممثل الوحيد للثورة السورية نتحدث هنا عن الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة بصفته المظلة الأعلى للثورة السورية كما تواضع على وصفه قبلا، تُحمّلُ المعارضة مسئولية مآلات الوضع، كما يُشكك بها من قبل الأطراف الخارجية، بينما لا يزال النظام القائم في دمشق يحرص على تقزيم حجم أي جهة تمثل الطرف الآخر ويعمل جاهدا على سحب أي ورقة ضغط حقيقية من يدها مما يزيد في إضعاف المعارضة وتشتيت جهودها.
خامسا: توظيف المعارضة السياسية
في الدائرة الدولية
يبقى أن نضع المعارضة السورية في موقعها ضمن تناقضات الواقع الدولي الحالي، وهو الأكثرَ مباشرةَ في إظهار مصالحه وعدم مبالاته وانسحابه العلني من محاولة الضغط لإيجاد مخرج فوري يتوافق مع ادعاءاته بدعم السلام وحقوق الإنسان وتطلعات الشعوب نحو التغيير، يتخلل كل ذلك المشهد واقع استقطاب وتوتر إقليمي أخذ بعداً طائفيا، يؤثر سلبيا ويتأثر بالملف السوري وربما يكون أحد نتائجه.
معطيات متنوعة فشلت المعارضة السورية ممثلة بهيئاتها الأكبر الائتلاف الوطني وقبله المجلس الوطني وغيرها من الهيئات التي تقدم نفسها كتجمع رسمي، في التعامل معه لصالح ما يفترض بأنه مشروعها الوطني، لتظهر عاجزة على التعامل معه وفهم استراتيجياته ومصالحه وتقديم نفسها كبديل مقبول لديه لتظهر صورة تلك الثورة مشوشة تقودها مجموعة من المعارضات غير المتفقة وغير المنسجمة.
تراجع واضح في الدور التمثيلي للائتلاف خلال العام المنصرم تجلى هذا التراجع بحمى البحث لصناعة معارضات جديدة، عبر عقد مؤتمرات للمعارضة لم يكن للائتلاف بوصفه المرجعية السياسية الأعلى للمعارضة السورية دور فيها بشكل رسمي، مما أعاد فوضى التمثيليات وأصعد أسماء وشخصيات سياسية ليس لها ثقل فعلي على الساحة السورية باستثناء قبول النظام وإيران وروسيا لها كممثل ومفاوض محتمل.
يعزو أعضاء الائتلاف هذا الضعف بأنه انعكاس واقعي للصراع الدولي والإقليمي الدائر حول الأزمة، وترجمة عملية لمصالح الدول المُتداخلة والمتدخلة في القضية السورية، والتي تعمل بشكل حثيث على تقليص مساحة تمثيله وفاعليتها باعتباره الممثل الوحيد للثورة السورية ومفرداتها على الأرض والذي يتمسك بأهدافها وأولها رفض أي دور لبشار الأسد ونظامه في المرحلة اللاحقة.
فيما تتبدى رغبة بعض الأطراف واضحة بإعادة
إنتاج النظام القائم ذاته وفرضه على السوريين عبر خلط الأوراق، بينما يشير كثيرون إلى أن هذه المآلات والمواقف استدعاها ضعف الائتلاف ذاته ليس غير.
فمن مؤتمر القاهرة فى فبراير 2015، إلى اجتماعات موسكو 1- 2، إلى مؤتمر فيينا 1 – 2، وبعده اجتماع باريس في ذات الفترة، يليهم مؤتمر توحيد المعارض في الرياض والذي أفرز هيئة عليا للتفاوض ضمت أطرافا وشخصيات سورية مختلفة ومتباينة منها السياسي ومنها العسكري، ورغم ذلك استمر التشتيت والرغبة في كسر هذا التوافق قبيل بدء المفاوضات بين (المعارضة والنظام) المزمع عقدها في نهاية يناير 2016 عبر “صراع القوائم”.
فروسيا بوصفها القوى العسكرية الأكبر في سوريا تقدم قائمتها من “المعارضين السوريين” المقبولين كجهة تفاوضية (قائمة موسكو)، كما يقدم نظام دمشق قائمة بأسماء المفاوضين الذين يقبل الجلوس معهم وهي ما تسمى (قائمة دمشق)، بينما تصر المعارضة السورية المنبثقة من الرياض على أحقية قائمتها لكونها تمثل إجماعا سوريا معارضا حقيقيا.
سادسا: عوامل ضعف المعارضة السورية
ما يطلق عليه توصيفا بـ”المعارضة السورية ” ليس جسدا واحد منسجما بل عدة أطراف وشخصيات متناقضة المصالح متفاوتة الرؤى تجاه سبل الحل، يُتفق على أنها بعمومها شخصيات كان لبعضها باع في العمل السياسي قبل الثورة، أتاحت فرص الظهور الإعلامي دون ضوابط لبعضها الشهرة التي قادته لصفوف المعارضة، كما أتاحت علاقات البعض بالدول العربية والإقليمية والدولية من الحصول على الدعم ليكونوا “سفراء” لتلك الدول داخل جسد المعارضة السورية المتشظي، بينما حجز بعض ديناصورات المعارضة (كما يحلوا للبعض تسميتهم) مكانه في الصف الأول مستفيدا من وضع يد حزبه مبكرا على مفاصل العمل السياسي ضمن المعارضة التي فرضت نفسها لتمثيل الحراك الثوري -هيئة التنسيق الوطني لقوى الثورة والمعارضة، المجلس الوطني، ولاحقا الائتلاف الوطني- وما تبع ذلك من تشكيلات ومجموعات سياسية وحزبية يظهر منها الأكثر دعما، تكتلات ترى بأنه لها الأحقية في تمثيل السوريين ولكل منهم مشارب مختلفة.
ويتركز الصراع التمثيلي بين عدة كتل سياسية تبدأ بهيئة التنسيق والتي يتزعمها حسن عبد العظيم، والتي تضم عددا من ممثلي أحزاب “صغيرة” ومستقلين في الداخل السوري،اعتمدت في طرحها منذ البدء على فكرة رفض التدخل الخارجي ورفض العسكرة ودعت للتغير الديمقراطي انطلاقا من ذلك، اتهمت بمواقفها المائعة تجاه الثورة السورية وكذلك تجاه سلوكيات النظام ورده عليها، حدثت فيها انشقاقات كبيرة حتى بات وجودها يقتصر على عدد قليل جدا من الأعضاء دون أن يكون لها امتداد شعبي واضح فيما تتمتع بعلاقات مقبولة مع النظام في دمشق وكذلك طرفي المعادلة العسكرية في سوريا الروس والإيرانيين، فيما تكوّن المجلس الوطني وبعده الائتلاف السوري المعارض من ((شخصيات مستقلة، حزب الإخوان المسلمين – قوى إعلان دمشق، بعض أحزاب التجمع الوطني السوري (قوميون – شيوعيون)) كان للإخوان المسلمين بحكم تنظيمهم المسبق ووجودهم خارج سوريا فرصة أكبر في بلورة مشروعهم وتحديد مصالحهم، بينما تَغلبُ مظاهر التشتت والفرقة على الآخرين الذين لم تتح لهم ذات الفرص، فكان وجود الإخوان هو الأقوى ضمن الهيئات العليا، قبضوا على معظم الخيوط وأداروا الدفة، لم يكن هناك معايير محددة لاختيار الأعضاء سوى (شطارتها) في الوصول إلى هذا الجسم دون الالتفات الكبير لخبرتها السياسية ووطنيتها وتمكنها المعرفي والعلمي في هذا الجانب أو توافق الشعب السوري عليها بأية وسيلة، واقع خلق تفاوتا كبيرا وعدم انسجام وتناقضا داخل الهيئات السياسية ذاتها، فتضاربت المشاريع بدل تكاملها داخل ما يفترض بأنه مشروع واحد يمكن وصفه بالوجودى.
يفند المعارض ميشيل سطوف (معارض مستقل لا يتبع لأي جهة) أسباب فشل المعارضة السورية في صناعة البديل ويرى بأنها لم تكن تمتلك في الأصل تصورا حول البديل ذاته، بديل حقيقي يحقق الأهداف المرفوعة المتمثلة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ولا يختبئ خلفها لمجرد الانقضاض على السلطة، ويشير إلى ضرورة وجود قوى أو قوة كبيرة ومهمة تمتلك فلسفة ثورية قادرة على امتلاك النظرية (حقائق الوضع الدولي – حقائق السلطة ذاتها وكموناتها وعلاقاتها غير المنظورة مع أطراف عدّة في إطار حركية ودينامية المنطقة وانتقالية النظام الدولي قيد التشكل – الإدارة القادرة وذات المصداقية والموثوقية في وضع سوري طارئ وسريع التحول)، في هذه الحالة كما يقول يمكنها تحويل العفوي الثوري إلى تعضٍ ملموس وصامد، هذه العناصر ليست متوافرة بل غائبة في الحالة السورية وأحياناً مقلوبة وبأداء معاكس.
يمكن وصف الثورة السورية بأنها كانت عفوية بالمطلق افتقدت إلى الحامل المنظم وخصوصا بعد اغتيال وتهجير الكفاءات الشابة الواعدة، تغلب إرث الذاتية وذهنية القبيلة والتكتل على أسس ما دون الوطنية على معظم من تسلم قيادها، ناهيك عن خبث السلطة وترتيباتها المسبقة على أرضية الأمن والفساد والعنف المنفلت والرادع وامتلاكها المبادرة في كافة المجالات للتحكم في إدارة الصراع .
يصف كثير من السوريين الشخصيات المعارضة التقليدية بمحدودية فهم الواقع وبأنهم عبر السنوات الخمس بقوا رهينة موضعين، الأول تجلى بوهم القفز على القيادة والتحكم من منطلق أن السلطة ستسقط خلال أشهر، والثاني غياب ثقافة العمل الجبهوي الحقيقي، وتفضيل الاعتماد على المناورات والتلاعب بل والاعتماد على الدعم والسند الخارجي بديلاً للتوجه الجبهوي وإنهاض المشروع الوطني المناسب والمواكب، وبالتالي ساد التشتت والتشقق والفبركات حتى إذا ما تعاظمت التحديات، وابتعدت آمال النجاح، ازدادت الأنانية والجري وراء التموضع الذاتي الذي لم يعد وقفاً على الأطراف الحزبية التقليدية بل تعدى ذلك للشخصيات والفعاليات ذات القابلية أصلا لمثل هذا الانزلاق والانحراف.
يشير سطوف في معرض توصيفه لفكرة الانغلاق ضمن عقلية وذهنية وسلوكية “المعارضة” التي لم ترتق إلى ذهنية “الثورة”، حيث ليس فقط لم يتم العمل لتوليد قيادة مركزية “رأس” .. بل في الحصيلة استهلاك معطيات الميدان والتضحيات والثبات والاستثمار السلبي فيها عوضا عن دعمها وتطويرها واعتبارها رصيد النجاح والتقدم ما زاد بالضرورة انعزال “القيادة المفترضة” عن الجسد الثوري والميدانى، وأفسد صورة الثورة ومصداقية التوجه وتضييع احترام الآخر عبر فرض الحضور وتسليم القرار للآخر الخارجي المتنوع الأجندات والمفهوم والسلوك، بحيث أصبح الأداء الثوري مدحرجاً إلى أداءات شبه معارضة مخترقة في الفكر والذهنية والسلوك لابد من أن تكون فاشلة
Tags: محرر