Archived: د.حبيب حداد : مستقبل مفاوضات جنيف بين تحديات الواقع الراهن والاخلاص للهدف المنشود

د.حبيب حداد: كلنا شركاء

تواجه مفاوضات جنيف3 كما هو معلوم بداية متعثرة وصعوبات متعددة في طريق الارادة الوطنية التي تقاطعت مرحليا مع الارادة الدولية الفاعلة من أجل وضع حد للمأساة السورية ومن اجل اغتنام الفرصة المتاحة لانقاذ المصير الوطني . والسوريون اليوم بعد انقضاء هذه السنوات الخمس على ثورتهم الوطنية التحررية التي انطلقت لتحقيق مطالبهم في الحرية والكرامة والمساواة وانتقال مجتمعهم الى الحياة الديمقراطية السليمة ينظرون الى مسار هذا الحل السياسي بدافعين متباينين : الأول شعور الأمل  المرتجى في نجاح الخطوات التمهيدية والمرحلية المطلوبة للانتقال نحو دولة المواطنة , والثاني شعور التشاؤم المحبط مخافة ان تظل المسألة السورية تدور في نفس الدائرة المفرغة التي عرفتها طوال هذه السنوات بعد ان تم حرف مسار هذه الثورة واغتيال هويتها نتيجة العسكرة والأسلمة والتدويل ,وبعد ان اصبحت سورية ساحة صراع واقتتال لكل الدول الطامعة وكل المجموعات المسلحة الارهابية التي تستخدمها هذه الدول ,او تلك التي تقف في حلف النظام .

هل يمكن المراهنة على نجاح الحل السياسي المطروح الآن وفق وثيقة جنيف 1 والقرار الدولي 2254  , وبصورة اوضح هل بلغ التوافق الأمريكي الروسي المستوى الذي يساعد على دفع مسار الحل السياسي للمسألة السورية الى غايته المنشودة بعد ان ايقنت هاتان الدولتان المقررتان والمجتمع الدولي عموما  ان الأزمة السورية لم تعد شانا محليا يهدد وجود ومصير سورية فحسب , بل اضحت شأنا عالميا يهدد امن واستقرار العديد من الدول وبخاصة دول القارة العجوز بفعل موجات النزوح المتتالية واخطار الارهاب المدمرة لحياة الشعوب وقيمها الانسانية والحضارية ؟؟؟ هذا هو السؤال الذي يواجهه كل مواطن سوري اليوم سواء كان داخل الوطن ام في الشتات ,بل ان كل المراقبين والمتابعين للشأن السوري عالميا يواجهون نفس هذا السؤال, كما ان مراكز الدراسات والبحوث الدولية وخاصة الغربية منها تتابع باهتمام كبير نتائج الحرب العالمية على خطر الارهاب المستشري وجدوى الاساليب المستخدمة في القضاء عليه ؟؟ هل تقتصر على المواجهة العسكرية المباشرة ام تتطلب سياسات بعيدة المدى تستهدف الجذور والاسباب العميقة لهذه الظاهرة , الأسباب المجتمعية وفي مقدمها الاستبداد والتهميش والفقر والجهل والتعصب الديني والايديولوجي .

لقد تعثرت الخطوات الأولى لمسار جنيف3 بدواعي متباينة من قبل النظام واطراف المعارضة وهذا ان دل على شيئ فانما يدل على ان الطرفين اللذين ذهبا للتفاوض غير جادين في موقفهما بالالتزام بمسار التفاوض المطروح أو ان كلا منهما ينطلق من رؤية خاصة به لهذا المسار ,رؤية لا تتوافق ولا تنسجم مع توفير الظروف الملائمة والمساعدة على تذليل العقبات التي يمكن ان تعترض هذه العملية  وهنا تبرز مسؤولية الدولتين المخولتين من المجموعة الدولية بالاشراف على تنفيذ هذا الاتفاق وذلك بالزام كل الاطراف السورية  المعنية والاطراف الدولية والاقليمية الضالعة في استمرار الماساة السورية وتحميلها ما يخصها من مسؤوليات ضرورية لتنفيذ هذا الاتفاق . والا كيف نفسر مواقف تلك الأطراف تجاه الاجراءات الانسانية في كسر الحصار عن المدن والبلدات التي يتعرض سكانها للموت جوعا والتي تفتقر الى ابسط الخدمات الصحية ,تلك الاجراءات التي من غير المعقول ان تكون موضوعا تفاوضيا بين النظام والمجموعات المسلحة ؟ وكيف يمكن استمرار احتجاز عشرات الآلاف من المعتقلين والمخطوفين والمغيبين بمن فيهم الأطفال والنساء ,وبأي قانون دولي او عرف انساني او اخلاقي يمكن تبرير هذه الممارسات الوحشية ؟ ومن جهة اخرى فكيف لنا ان نفسر دوافع تلك الأصوات النشاز التي ارتفعت هنا وهناك في اوساط المعارضات السورية والتي تحتج على قرارات الأمم المتحدة في تصنيف جبهة النصرة وغيرها من المنظمات المتفرعة عن تنظيم القاعدة والادعاء بأنها منظمات غير ارهابية وان ما قامات وما تقوم به تلك المنظمات من جرائم طوال السنوات الماضية لم يكن الا في خدمة المشروع الوطني الديمقراطي وبناء الدولة السورية الموحدة لجميع ابنائها دون اي تمييز ….

خلاصة القول اننا نؤمن ان المواطن السوري الذي اثخنت جسده وروحه جراحات عملية التدمير الذاتي الذي كان  وما يزال شعبه ضحيتها  والذي يتسلح اليوم بالوعي المطلوب لكل الأخطار الوجودية التي تواجه وطنه , انما يتطلع الى الغد بعين الامل والرجاء في ان تكون هدنة وقف الاعمال العدائية على الارض السورية التي من المفترض ان يبدأ تطبيقها اعتبارا من يوم السبت القادم مقدمة لوقف اطلاق النار على كافة الجغرافية السورية , في الوقت الذي ينبغي ان تتواصل فيه مكافحة المجموعات الارهابية وفق اللائحة التي اقرتها الامم المتحدة . ومما لاشك فيه ان وقف اطلاق النار ومن ثم وقف هذه الحرب العبثية المجنونة والمدمرة التي تكاد تاتي على ماتبقى من كيان سورية بشرا وحجرا وحضارة يجب ان تتم على التوازي مع انجازخطوات الانتقال السياسي التي  تبدأ بتأسيس هيئة الحكم كاملة الصلاحيات التنفيذية . ان عملية الانتقال السياسي التي هي الوسيلة الوحيدة في راينا لانقاذ وطننا والتي باتت اليوم في عهدت الدولتين الراعيتين وهما روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن ان يكتب لها النجاح الا اذا حظيت بموافقة الشعب السوري والا اذا استجابت لتطلعاته المشروعة في الحفاظ على وحدة وطنه وتمكينه من تقرير مصيره وبناء مستقبله . وهنا تتجلى خطورة المسؤولية الوطنية للمعارضات السورية التي ينبغي ان توحد رؤيتها ومواقفها وبرنامج عملها  وان تعبر عن ارادة شعبها  الحقيقية تجاه استحقاقات الحل السياسي وهذا لن يتاتى لها الا اذا تحررت من هيمنة المحاور الاقليمية والدولية والا اذا خاطبت المجتمع الدولي بصوت واحد هو صوت الشعب السوري الذي قدم اجل التضحيات للانعتاق من قيود واغلال التخلف والاستبداد والارهاب .  





Tags: محرر