Archived: د. محمد أحمد الزعبي: حزب البعث السوري والصعود إلى الصفر

د. محمد أحمد الزعبي: كلنا شركاء

استعرت من الكاتب الفلسطيني  فيصل حوراني عنوان كتابه “الصعود إلى الصفر” والذي تدور وقائعه أيضا حول الوضع السوري . هذا ويقف وراء اختياري لهذا العنوان سببان ، الأول ، هو تلك المسرحيات الهزلية  والمضحكة لبشار الأسد وأعني بها مسرحيات الانتخابات الرئاسية  !! ( ماي 2014) والانتخابات البرلمانية !! التي أعلن عن موعدها ( أفريل 2016 ) ، والثاني ،هو الأوضاع والمستجدات السياسية والاجتماعية والميدانية المؤلمة ،التي تحصد فيها أسلحة بشارالأسد وشبيحته ، وسوخوي بوتن ، وعمائم ولي الفقيه وحسن نصر الله  ، كل يوم بل وكل ساعة أرواح عشرات المواطنين السوريين  (من 60 إلى 80 قتيلاً يومياً / قبل وقف الأعمال العدائية /حسب ماقاله ديمستورا اليوم ) الذين كانوا كلهم من المدنيين ، وأكثر من نصفهم من الأطفال  الذين لاذنب لهم سوى أنهم وطالبوا  ( فقط ) بحقهم في الحرية والكرامة .

وبما أن لحزب البعث “حصة الأسد” ! فيما وصلت إليه الأوضاع المفزعة والمؤلمة في سورية ، بغض النظرعن نوع وعن حجم هذه الحصة ، فقد وجدت أن من واجبي كعارف بدواخل هذا الحزب ، بل وكشريك سياسي في مرحلة ما من مراحل هذا الصعود إلى الصفر ، أن أقول شيئاً حول هذا الموضوع ، وبالتحديد  حول  المحطات الرئيسية  في  هذه المسيرة المأساوية  للحزب ، ولاسيما في بلد المنشأ  ( سورية ) ، والتي سمحت للشعب السوري بإدانة مسيرة حزب البعث  منذ 1963 وحتى اليوم ، جملة وتفصيلاً ، دون التوقف عند مايطرحه البعض من عدم علاقة هذا الحزب  بنظام عائلة الأسد ، وبالتالي بكل ماجرى ويجري في سورية .

إن ماأرغب توكيده هنا  هو أنه :

إذا كان عام 1947 ، يعتبر عام الانطلاق الرسمي لـ ” حزب البعث العربي ” وعام 1953 هو عام الإندماج بين البعث العربي والعربي الإشتراكي وبالتالي تشكيل ” حزب البعث العربي الإشتراكي ” ،فإن عام 1958 ، يمثل بنظري ، عام بداية النهاية لهذا الحزب ، في بلد المنشأ ” سورية ” حيث تم حل كافة الأحزاب في سورية عام 1958، ومنها حزب البعث ، وذلك في إطار ج ع م . وعندما استأنف الحزب نشاطه التنظيمي والسياسي في سورية ، جزئياً في مرحة الإنفصال  ( 1961 ــ 1963 ) ، وكلياً بعد الثامن من آذار 1963 ، وضع مجموعة معروفة من الضباط البعثيين (!!) يدهم على السلطة في سورية ، وبات كلٌّ من الحزب والجيش والحكم رهن فوهات بنادقهم ، وهو ما مثّل عملياً بداية النهاية لدور الحزب في سوريا  ، والذي توقف جزئياً عام 1963 ، وكلّياً عام 1970 . وتعتبر أبرز المحطات في مرحلة صعود حزب البعث إلى الصفر هي :

  1. تراجع الحزب  عن الوحدة مع مصر ( ج ع م ) ، بل ودعمه الإنفصال عام 1961 سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، وبغض النظر عن التفاوت في مواقف قادته الثلاثة ( ميشيل عفلق ، صلاح الدين البيطار، أكرم الحوراني ) من هذا الإنفصال. هذا مع العلم أن هذا التراجع عن الوحدة مع مصر ،  قد أخذ داخل الحزب صورة صراع حول مسألة الأولوية  في ثلاثية ( الوحدة والحرية والاشتراكية ) ، وهل هي للوحدة أم للحرية أم للاشتراكية ؟ وأدّى بالتالي إلى انقسام الحزب وتفتته ( بين ميشيل عفلق ، وصلاح الدين البيطار ، وأكرم الحوراني ، وجمال عبد الناصر ، ولاحقاً صدام حسين وصلاح جديد وحافظ الأسد ، وبعث اليمن الجنوبي ) . إن مايعرفه القاصي والداني أن  ثورة  الثامن من آذار 1963 ،قامت بالتحالف بين الضباط البعثيين وزملائهم الضباط  الناصريين في الجيش من أجل إنهاء الإنفصال وإعادة الوحدة  ، وكانت النتيجة أن حزب البعث السوري بجناحيه العسكري والمدني قد انقلب على كل من الوحدة والناصريين معاُ ،  ولا سيما بعد  فشل محاولة جاسم علوان الإنقلابية في 18 تموز 1963 . والتي جرى استغلالها  لتسريح مئات الضباط الناصريين من الجيش ،
  2. تراجع الحزب عن شعار الحرية ، بعد الثامن من آذار 1963 ، حيث تم التخلي عن الديموقراطية  لصالح نظام حكم الحزب الواحد  ( الحكم الشمولي ) ، ولصالح استمرار العمل بقانون الطوارئ  الذي سبق أن سنّه الإنفصاليون عام 1962 ،
  3. استخدامه قانون الطوارئ في قمع ” الرأي الآخر ” ، والذي تجلى في أوضح صوره في طريقة تعامل الحزب  مع أحداث حماه الأولى 1964 ، ومع إضراب تجار دمشق في تلك الفترة ، وأيضاً مع بعض اليساريين الذين انتقدوا تلك الممارسات ، مثل  الدكتور المرحوم ( جورج حبش ) ،
  4. انقلاب القيادة القطرية العسكري – نصف الطائفي ــ ، على القيادة القومية ، في 23 شباط عام 1966 ،والذي قاده اللواء صلاح جديد ، تحت ذريعة ادعاء الصراع بين اليمين واليسار في الحزب  ( !! ) ، مستغلاًّ الميول اليسارية عند بعض الحزبيين الشباب ، وتجنيدهم ، ضد القيادة التاريخية للحزب ، ولا سيما ضد الأستاذ ميشيل عقلق
  5. انقلاب حافظ الأسد العسكري ــ الطائفي ــ على شركائه في حركة 23 شباط 1966 في ( 16.11.1970 )وزجه معظم اعضاء القيادتين القومية والقطرية الشباطيتين في السجن ، أكثر من عقدين من الزمن ، دونما سؤال أو جواب ، ( كنت من جهتي قد غادرت سفينة الحزب( استقلت)قبل حركة حافظ ” التصحيحية !!”ولذلك لم أكن بين من سجنهم ) .
  6. تصفية حافظ الأسد  لكل من اللواء محمد عمران ، واللواء صلاح جديد ، لكي يظل  ( وهذا من وجهة نظري الخاصة ) هو المرجع الوحيد للطائفة العلوية مدنياً وعسكرياً ،
  7. محاولة حافظ الأسد ، المزج بين ” اليسار ” و ” الطائفية ” ،والذي كان عبارة خلطة سياسية عجيبة وغير مسبوقة  أدت إلى تذويب اليسار السوري ،  ولا سيما الحزب الشيوعي (خالد بكداش ويوسف الفيصل ) وجزء من الناصريين  في أتون نظام عائلة الأسد الديكتاتوري ، في إطارماسمي  ” الجبهة الوطنية التقدمية !! ” ،
  8. هزيمة حرب حزيران 1967 ، والتي انتهت باحتلال إسرائل لهضبة الجولان ، ولعاصمتها مدينة القنيطرة ، والتي أعلنت  ” إسرائيل ” رسمياً ضمها رسمياً  إلى كيانها عام 1981  ،
  9. البلاغ العسكري المشبوه رقم 66 الشهير الذي أعلن عن سقوط مدينة القنيطرة بيد إسرائل قبل سقوطها الفعلي ، ( أنظر  محمد أحمد الزعبي ، خواطر شاهد عيان ، الخاطرة الثالثة ، الحوار المتمدن 22.08.2011 ) و(الخاطرة الثانية ، حول موقف المرحوم زكي الأرسوزي من هزيمة النظام السوري عام 1967  ، نفس المرجع ) ،
  10. اعتراف نظام البعث في سوريا  باسرائيل والمتضمن في القرار 242 ، الصادر عن مجلس الأمن الدولي ، بتاريخ 22.11.67  ، وأيضاً في القرار 338 تاريخ 22.10.1973 واللذان ينطويان بصورة لالبس فيها على هذا الإعتراف تحت مسمى ” الأرض مقابل السلام ” ، ولعل هذا هو مايمثل السبب الرئيسي ـ حسب تقديرنا ـ  لصمت النظام على احتلال إسرائيل لهضبة الجولان والمستمر منذ 1967  ( كان حافظ وزيراً للدفاع ) وحتى اليوم ، ( تاريخ هذه المقالة )
  1. لقد وضع المؤتمر القومي السادس 1963 بتبنيه ل “بعض المنطلقات النظرية ” (التي صاغها شخصان غير بعثيين هما المرحومين الياس مرقص وياسين الحافظ)  كبديل أيديولوجي ل “دستور عام 1947″ العفلقي ، حجر الأساس لإلباس الصراع الحزبي ثوب اليمين واليسار ، وبالتالي ل” حركة 23 شباط 1966 “، التي وضعت بدورها حجر الأساس ل “الحركة التصحيحية “الانقلابية التي نفذها حافظ الأسد عام 1970. أي  لانتصار العسكريين  بقيادة  حافظ الأسد على المدنيين بقيادة نور الدين الأتاسي ويوسف زعين وصلاح جديد ( إضافة إلى عدد كبير من أعضاء قيادتي حزب حركة 23 شباط  القومية والقطرية )، وزجهم في سجن المزة العسكري قرابة ربع قرن دون سؤال أو جواب ، بل والتصفية الجسدية لكل من نور الدين الأتاسي وصلاح جديد داخل السجن ، إضافة إلى اللواء أحمد سويداني الذي توفي بعد بضعة أشهر من خروجه من السجن . هذا مع العلم أن حافظ الأسد كان من أبرز المخططين والمنفذين لحركة 23 شباط عام 1966 .
  2. تعتبر حرب حزيران عام 1967 إذن ، الحلقة الأخيرة التي كانت تربط بين حافظ الأسد وحزب البعث ، حيث بدأ الصراع الحزبي العلني بين المدنيين والعسكريين في سباق الصعود إلى الصفر ،والذي أدى إلى انتحار عبد الكريم الجندي ، وانتهى أخيراً بانقلاب حافظ الأسد العسكري الطائفي عام 1970 ، وإنهاء دور الحزب بصورة كاملة وتقع مسؤولية الاستمرار في المآسي والمصائب  التي شهدتها وتشهدها سورية  ، بعد هذه المرحلة ، على عاتق نظام الأسدين ( الأب ثم الإبن ) بصورة أساسية . بيد أن الكثيرين ، ظلوا  يحسبونها  عملياً على حزب البعث ككل معتبرين  إيّاه  المسؤول      ( بالتكافل والتضامن ) عن كل  ما ألمّ بسوريا منذ 1963  وحتى  يومنا هذا من مصائب وكوارث ، ولا سيما  أن حركة حافظ الأسد التصحيحية  عام 1970 ، كانت بنظر هذا الشعب الإبن الشرعي لمرحلة الحمل التي سبقتها ، بين 1963و1970    (أ نظر محمد الزعبي ، بين الخديعة والخطيئة خيط رفيع ،الحوارالمتمدن 8/4/2015  
  3. وتعتبر مسرحية ” الانتخابات ” التي ،يمثلها بشار 2014 فوق خرائب ماسلم من براميل طائراته ومن صواريخه  ومن قتله السجناء المعارضين تحت التعذيب ، والتي أعطته حتى اليوم  لقب ” الرئيس الشرعي !! ” الخطوة الأكبر والأقذر في هذه المسيرة الدموية المؤلمة التي شهدتها وتشهدها سورية منذ ستينات القرن الماضي وحتى هذه الساعة ، ولعله  من حق كل من يسمع بأمر هذه المسخرة  الإنتخابية ، (الإنتخابات الرئاسية !! التي جرت في سورية  2014 ، والبرلمانية !! التي يمكن أن تجري  في أبريل  2016 )  أن يفغر فاه ويصيح : يالوقاحة  هذا الرجل ،الذي يؤكد بسلوكه القذر هذا صحة المثل الشعبي القائل  ” الولد سر أبيه ” !!.، ولست أدري فيما إذا كان بشار سيعيد عام 2016 مسخرة عام  2014 منفرداً ، أم مدفوعاً من قبل الآخرين ؟؟ . أعترف  للقارئ الكريم  ، أن تساؤلي هنا  ليس بريئاً !!.
  1. إن ما يمكن  توكيده  في ختام هذه المقالة ،هو  أن حزب البعث العربي الإشتراكي  في سوريا ، قد وصل في صعوده إلى الصفر ، أي أنه لم يعد موجوداً في سوريا بعد عام 1970 ، والموجود هو نظام عسكري طائفي ديكتاتوري ، مرجعيته في طهران وليست في دمشق أو بغداد . الفكر القومي العربي  لابد وأن يظل حياً ، ولا بد أن يعيد بناء نفسه  من جديد ، وعلى أيدي شباب الربيع العربي ، شباب ثورة آذار 2011 الذين تقع عليهم اليوم مسؤولية إحياء نشيد آبائهم ، وملؤه بالمضمون  القومي الحقيقي :

                        بلاد العرب أوطاني        من الشام لبغدان  .

                       ومن نجد إلى يمن        إلى مصر فتطوان





Tags: محرر