Archived: د.حبيب حداد: من فرصة الهدنة الهشة والمؤقتة الى الوقف الشامل والنهائي للحرب

د.حبيب حداد: كلنا شركاء

انقضى حتى الأن الأسبوع  الأول على اتفاق وقف الأعمال العدائية بين الأطراف المتقاتلة فوق الأرض السورية . عموما , وكما يشير الى ذلك معظم المراقبين الدوليين المحايدين , فقد سارت هذه الهدنة بصورة مقبولة مع تسجيل بعض الخروقات والانتهاكات المحدودة في بعض المدن والمناطق في مختلف المحافظات السورية . وعلى الرغم من محاولات كل طرف من الأطراف المعنية بتطبيق هذه الإتفاقية القاء المسؤولية على غيره ,فان هناك جملة من الحقائق التي لا بد من تسجيلها هنا والتي تأكدت نتيجة الأيام المعدودة التي مرت على تطبيق هذه الاتفاقية.

أول هذه الحقائق ان شعبنا قد استقبل هذه الخطوة بارتياح كبير املا ان تكون بداية جادة لوضع حد للماساة التي يعيشها بعد حرف ثورته الوطنية التحررية عن مسارها الصحيح وتغييب ارادته وقراره الوطني المستقل وارتهانهما لأجندات الأطراف الاقليمية والدولية .لقد رأى شعبنا في هذه الخطوة النوعية التي جاءت نتيجة توافق الدولتين الرئيسيتين في مجموعة الدول المعنية بالمسألة السورية أي روسيا والولايات المتحدة ,المدخل الملائم الذي يمكن ان يفضي الى وقف دائم لاطلاق النار من جهة , كما انها تعتبر الاجراء اللازم لتوفير المناخ المطلوب لانطلاق مسار التفاوض  لتنفيذ المهام المرحلية في عملية التغيير الديمقراطي وفق وثيقة جنيف1 والقرارات ذات الصلة وبخاصة منها القرارين 2254 و2268.

وثاني هذه الحقائق ان هذا الوقف المؤقت للأعمال العدائية بين المجموعات التي تهمها مصلحة وطنها والذي تتطلع كافة القوى الوطنية السوربة الواعية الى ان يتحول الى وقف دائم لهذه الحرب الأهلية الموية الشرسة  التي اتت حتى الآن على الجزء الأكبر من المقومات الوجودية لشعبنا لا بد ان يترافق بصحوة حقيقية على صعيد الوعي والضمير والحس الوطني المسؤول وادراك ان الخطايا التي ارتكبناها واسهمنا فيها نحن السوريين ,بحق شعبنا وثورته وهي خطايا العسكرة والأسلمة والتدويل ,هي التي قادت الى المحنة الحالية التي يعيشها وطننا اليوم,.    تلك المحنة التي تأتي على رأس مشاكل منطقتنا العربية المتفجرة ,والتي باتت تمثل اليوم خطرا داهما للأمن والاستقرار الدوليين .علينا ان نقر اليوم بارادة جماعية ان عسكرة الثورة ,ولا مجال هنا لايراد الحجج والذرائع التي قادت الى هذ المسار المدمر ,كانت هي السبب الرئيسي للوضع الكارثي الذي وصلت اليه بلادنا .وعلينا ان نؤكد بقناعة حقيقية ان ليس هناك من طريق آخر غير طريق الحل السيا سي ,طبعا بكل مايتطلبه وما يستدعيه من شروط ومقومات ,لانقاذ وطننا والحفاظ على وحدته  الوطنية والسياسية وتحقيق اهداف شعبنا في الحرية والديمقراطية وبناء المستقبل الأفضل المنشود . وهل يمكن لأي عاقل ان يتجاهل النتائج الأولية الهامة التي تحققت خلال هذه الأيام المعدودة من وقف اطلاق النار وفي مقدمتها : خسائر وتضحيات بشرية ومادية اقل مما سبق ,وعودة المظاهرات الشعبية السلمية الحضارية في معظم المحافظات السورية ,المظاهرات التي ترفع شعارات واهداف الثورة الحقيقية التي جرى تشويهها واغتيالها طوال السنوات الماضية ,المظاهرات التي تؤذن بعودة الثورة من جديد الى مسارها الصحيح .

وثالث واخطر تلك النتائج التي ,كشفتها الأيام الماضية على وقف الأعمال العدائية , هوذلك السلوك غير المسؤول والمواقف المشككة التي اطلقها العديد من اطياف المعارضات الخارجية . اذ بدل التركيز على اهمية هذه الخطوة واعتبار ان نجاحها ودوامها هما مسؤولية الجميع والحرص التام على توفير كل الظروف لضمان ذلك ,وجدنا أن تلك المعارضات تنطلق مسبقا من  مواقف التشكيك بهذه الخطوة وجدواها وانها قد تكون لصالح النظام  . هكذا استمرت تبشر في كل يوم بانهيارها وتضخيم الانتهاكات التي حدثت وارجاعها غالبا الى غير الجهات المسؤولة عنها .,و ازاء هذا الوضع الذي يدعو الى التيأييس والاحباط ,فإن  السؤال الذي نتوقع ان يطرحه كل مواطن سوري على نفسه يوميا هو: ما الهدف من هذه المواقف ومن يقف وراءها ؟,وذا انهارت هذه الخطوة فما هو البديل عند هؤلاء يا ترى ؟؟؟ هل ترمي تلك الدعوات والمواقف اذن الى مواصلة اشعال الحريق السوري حتى ياتي على ماتبقى من كياننا الوطني والى امتداده وتوحده مع الحرائق الأخرى التي تهدد البلدان الشقيقة وكل قضايا الأمة المركزية ؟؟؟ هل مازال اولئك الذين يكررون تلك المواقف يراهنون على فشل الحل السياسي والعودة مجددا الى الحلول العسكرية والتسابق الى طلب المزيد من  المعدات والأسلحة المتطورة من الدول التي ينخرطون في اجنداتها متوهمين ان هذا المسلك يمكن ان يحقق لهم ما يريدون ؟ من جهة أخرى  كيف يمكن ان نفسر مواقف تلك الأطراف في المعارضة السورية الخارجية التي كان دأبها وما يزال التغطية على هوية المنظمات التي اقرت الأمم المتحدة انها منظمات ارهابية معادية لكل القيم الانسانية والشرائع الدولية مثل جبهة النصرة والمنظمات الأخرى المتفرعة عن القاعدة مهما تلونت بيارقها او تعددت مسمياتها . وهل يجوز الاستمرار في معارضة الجهود الدولية المستهدفة مكافحة المنظمات الارهابية وعلى راسها داعش وجبهة النصرة وتلك المنظمات الأخرى المرتبطة او المتفرعة عن القاعدة بحجة ان بعض هذه التنظيمات تتداخل في  تواجدها ومواقعها الجغرافية  وربما في نشاطاتها وافعالها مع المجموعات المسلحة المعتدلة ؟؟؟.

اما رابع  وآخر تلك الحقائق والاستنتاجات التي يمكن استخلاصها في ضوء التوافق الدولي  بين روسيا الاتحادية   والولايات المتحدة الأمريكية على الاطار العام للحل السياسي للمسألة السورية فهي تلك المتعلقة بالموقف من استئناف مفاوضات جنيف التي من المفترض ان تبدأ في العاشر من هذا الشهر كما اعلن المبعوث الدولي السيد دي ميستورا . ان التلويح من قبل الهيئة العامة المنبثقة عن مؤتمر الرياض بمقاطعة هذه المفاوضات لأن الظروف غير مهيأة لذلك , والتقدم ببعض المطالب التي نرى انها محقة , ليس موقفا مبررا من وجهة نظرنا ولايخدم المصلحة الوطنية التي تتطلب من جميع وفود المعارضة التي يمكن ان تشارك في مفاوضات  جنيف القادمة والمؤمنة فعلا بان مسار الحل السياسي هو السبيل الوحيد لتحقيق مطالب الشعب السوري المشروعة ,والتي تلقى الآن دعما دوليا لم يتوفر من قبل , تتطلب منها موقفا موحدا ومنسجما في مخاطبة والتعامل مع المجتمع الدولي وتحميله مسؤولياته وفي مخاطبة الشعب السوري بتوضيح كل الحقائق والمصاعب التي تعترض , و الحرص الدائم على تصليب وحدته الوطنية وتمتين جبهته الداخليه والتسلح بثقته المستندة على عدم التفريط بالتضحيات التي قدمها والاهداف التي انتفض من اجلها . ان مفاوضات جنيف هي معركة ضارية وطويلة وشاقة ومتعددة الجبهات . بيد انه ينبغي خوضها بكل ثقة وخبرة ودراية وبالوعي الكامل لمعطيات الوضع الداخلي والاقليمي والدولي والأهم من ذلك التصميم الأكيد على مواصلة السير نحو الغاية المنشودة , اي نحو الأهداف التي تعيد سورية الى شعبها وتجسد صورة الغد الذي عبدت طريقه دماء الشهداء الأبرار. اما مواقف الحرد والمقاطعة لهذا الاستحقاق المصيري فلا يمكن تفسيرها الا بافتقاد القرار الوطني المستقل  لدى الأطراف التي تتخذها أو لخطأ جسيم تمارسه نتيجة افتقاد الرؤية السليمة ,خطأ لن تكون حصيلته الا في مصلحة النظام وتفاقم المأساة الوطنية … 





Tags: محرر