Archived: د. محمد أحمد الزعبي: الثورة السورية وجدلية التراث والمعاصرة

 د. محمد أحمد الزعبي: كلنا شركاء

 اولا في تحديد المفاهيم :   

ينطوي عنوان هذه المقالة على ثلاثة مفاهيم   هي ( الجدل والتراث والمعاصرة ) ، ينبغي توضيحها أولاً ، ومن ثم الانتقال إلى العلاقة الجدلية فيما  بين التراث والمعاصرة  ، وهو مايمثل  موضوع هذه المقالة . هذا مع العلم  أن المفاهيم بصورة عامة ،   إنما تولد من رحم اللغة ولكنها في كثير من الحالات ، ورغم بقاء الحبل السري الذي  يربط المفهوم بأصله ( جذره ) اللغوي ، فإن هذا المفهوم يمكن أن يبتعد قليلا أو كثيراً  عن هذا الأصل ، ليكتسب بتغير الزمان والمكان والأحداث  معنى اصطلاحيا  جديدا .  فمفهوم ” التراث  ” مثلا إنما  يتفسر بالفعل الثلاثي ” ورث ” وهو انتقال ماكان بحوزة الأموات إلى الأحياء ، سواء أكانت أشياء مادية أو معنوية  ، ويكون التراث بهذا المعنى هو ” الإنتاج المادي والروحي الذي يورثه السلف إلى الخلف ”  ، أما اليوم فإن هذا المفهوم بات يتفسر بنقيضه ” المعاصرة ”  أكثر مما يتفسر بأصله اللغوي ، ولكن هذه  ” المعاصرة  ” سوف تتحول  غداً بدورها  إلى تراث .  وذلك بعد مرور حقبة تاريخية طويلة إلى حد ما تفصل بين الأمس واليوم  . ألم يكن الإسلام  يوم نشأته  الأولى يعتبر حداثة ومعاصرة بالنسبة إلى العصر الجاهلي  ؟ ، وبالتالي  ألم يكن العصر الجاهلي   يعتبر يوم جرى تجاوزه بالإسلام  تراثا ؟ .  أي  أن إشكالية العلاقة بين التراث والمعاصرة  كانت موجودة أيضاً  في حينها . ولكن الإشكالية التي يطرحها هذا الموضوع  قديمه وحديثه هي :  ماهي المحددات الاجتماعية النظرية والعملية  التي تفصل بين زمني التراث والمعاصرة   ؟ . إننا واقع الحال أمام  مايمكن أن نطلق عليه ” السيولة التاريخية “، أو “الأبواب المفتوحة” بين العصور بمختلف مسمياتها ( القديمة ، الوسيطة ، الحديثة / قبل الميلاد ، وبعد الميلاد الخ)  ) وبالتالي بين مفهومي وبين زمني التراث والمعاصرة  . 

إن  مفهوم  ” العلاقة الجدلية ”  ، يمكن أن  يساعد الباحث  هنا في حلحلة هذه الإشكالية المعرفية  ، وذلك من خلال  رؤيته  أن  الواقع الملموس الذي  يعيشه الباحث  اليوم ، إنما هو الابن الشرعي لليوم الذي عاشه آباؤه وأجداده بالأمس ، والأب الشرعي أيضاً لليوم الذي سيعيشه أولاده وأحفاده  غداً  ، أي أن علاقة جدلية  تربط الحاضر بجناحيه التاريخيين : الماضي والمستقبل  ربطا جدليا بمعنى التأثير المتبادل أفقيا وعموديا بين أضلاع مثلث (الماضي – الحاضر- المستقبل) الأمر الذي تنتفي معه عملياً العلاقة  العدائية  بين التراث والمعاصرة لتحل محلها  علاقة القرابة البيولوجية والاجتماعية والفكرية على مدى مرحلة الانتقال  الطويلة من التراث إلى المعاصرة  ، و التي يصعب وضع حد زمني بالشعرة  لها  على حد تعبير المرحوم حسين مروة ، ( أنظر : مجلة الثقافة الجديدة ، عدن ، 1979، ص 137 )  . إن هذه الرؤية التاريخية الجدلية  الموضوعية ، للمرحلة الانتقالية الطويلة التي  تمثل الحاضرالذي يتعايش ويتداخل على  صعيده  وفي بنيته الداخلية كل من الماضي والمستقبل ، تتنافى  عملياً مع فكرة  “القطع ”  مع التراث  التي طالما ألح عليها  المرحوم  محمد عابد  الجابري  . يقول الدكتور الجابري حول مسألة القطع مع الماضي “إن ما جعل الرشدية تدخل التاريخ في نظرنا ،هو قطيعتها مع السينوية ”   ( أنظر كتابه  ، نحن والتراث  ، قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي  ،  دار الطليعة ،  بيروت 1982 ط2 ، ص 71 ) وتعليقنا على رؤية المرحوم  الجابري ، هو وهل  يعتبر ابن سينا(الشيخ الرئيس )  الذي قطع معه ابن رشد   اليوم خارج التاريخ ؟!. 

ثانيا ، في تحديد وتوضيح إشكالات العلاقة الجدلية  بين التراث والمعاصرة ،  

في إطار العلاقة الجدلية بين التراث والمعاصرة ، يقع الباحث على عدد من الإشكالات والتساؤلات التي تحتاج إلى أجوبة علمية . أبرز هذه الإشكالات والتساؤلات هي : 

  1. لماذا الاهتمام بالتراث ، وبالتالي بالعلاقة بين التراث والمعاصرة ؟. 

 وجوابنا : يحمل  كل ابن أنثى  عند وبعد ولادته وراثتين  : وراثة بيولوجية ووراثة اجتماعية  ، ويظل المرء منذ وعيه على محيطه الاجتماعي دائم الحرص على القيم والمبادئ التي اكتسبها في الأسرة  بداية ولاحقاً في المدرسة وأخيراً عبر الارتباطات الاجتماعية المختلفة  ( حزب سياسي ، نادي رياضي ، جمعية خيرية  ، الأصدقاء  ، الخ ) . إن  توقف  إنسان البلدان النامية ومنها وطننا العربي  عند الجوانب المضيئة من تراثه الاجتماعي والتاريخي والقومي  إنما يعزز ثقته بنفسه أمام التفوق الأوروبي الراهن  ، وهو ما يمكن أن نطلق عليه الهروب إلى الوراء  أي  بالنسبة للعرب عامة والسوريين خاصة ، إلى الزمن الذي كان آباؤهم وأجدادهم  متفوقين حضاريا على آباء وأجداد هؤلاء ” المعاصرين ” الذين يستعمرون  بلادهم اليوم ، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، والذين دمرت” أسلحتهم النوعية ” مشروع الربيع العربي الواعد ، الذي كان الهدف المعلن لشبابه هو تطوير بلدانهم وتنميتها، وردم الهوة التكنولوجية والاقتصادية بينها وبين الدول المتطورة . أي ردم الهوّة بين التراث والمعاصرة تطبيقياً . ولعلّ سؤال ” لماذا تقدم الغرب وتأخر العرب ؟” الذي طرحه رواد عصر النهضة العربية في القرن التاسع عشر على أنفسهم ، كان  من بين دوافع شباب الربيع العربي للإجابة على سؤال رواد عصر النهضة العربية ، بل إن  ثورات الربيع العربي تمثل ـ بنظرنا ـ أول محاولة شعبية عربية جادة للإجابة على سؤال أولئك الرواد . 

  1.  الإشكاليات التي تترتب على قراءة الماضي بالحاضر  أو قراءة تراث بتراث آخر  ،

ان من ينظر إلى الدنيا بمناظر( كزالك )  ملونة  ، لابد وأن يراها ملونة بلون هذه المناظر ، وهذا ما يفسر  القراءة المنحازة لمعظم المستشرقين الغربيين ( أوروبا وأمريكا ) للتراث العربي الإسلامي . فهذا الفيلسوف الألماني ج ف هيغل  (1770- 1813)ة مثلاً يقول” لابد من شطب الفكر الشرقي من تاريخ الفلسفة ” !!   ، وهذا إرنست رينان ( 1833 – 1892 )  ينكر بدوره على العرب  حتى تفضيلهم للفيلسوف اليوناني الشهير أرسطو على من عاصره من الفلاسفة ذلك أنهم  – أي العرب – بنظره عاجزون حتى عن مثل هذا التفضيل ، ذلك أن التفضيل  يقتضي الاختيار وهو مالا يستطيعونه  !!. وهذا فرانسوا دو شاتوبريان ( (1768 ـ 1848) الأديب والسياسي الفرنسي  ، يشير إلى أن الدين الإسلامي   بكونه ” لايحث المؤمنين على دفع الحضارة نحو الأمام ولا يعلمهم أن يعنوا بالحرية ، وهو في هذا أقل مستوىً من المذهب المسيحي ” على حد زعمه .( أنظر، د. مي عبد الكريم محمود ، تائهون في صحراء الإسلام ، الأهالي ، دمشق 2003 ص 12) .

 إن مثل هذه القراءات المتحيزة لبعض المفكرين الغربيين للتراث العربي الإسلامي ، إنما تدخل في إطار قرائتهم  لهذا التراث العربي الإسلامي  بتراث آخر مغاير له زمانا ومكانا ولغة ودينا  ، أي أن المناظر الملونة التي يضعونها على عيونهم ( لون تراثهم ) هي التي جعلتهم يرون تراثنا على هذا النحو المغاير . و دون أن يعني ذلك بطبيعة الحال التقليل من المستوى الرفيع لأفكارهم وفلسفاتهم الاجتماعية والكونية . وأيضاً دون أن نبرّئ تاريخنا من العيوب التي أشار إليها هؤلاء المفكرين .

  1. الإشكالات المتعلقة بمسائل: العلاقة بين الوعي والواقع ، والاستقلال النسبي للوعي عن الواقع.

تشير هذه الإشكالية المركبة ، من جهة ، إلى العلاقة الجدلية ( التأثير المتبادل ) بين الوعي والواقع ، بمعنى أن كل منهما يغني الآخر ويغتني منه ،  حتى في الحالة التي يمكن أن يكون  للوعي  درجة  من الاستقلال النسبي عن الواقع .إن الواقع والوعي يسيران  هنا بخطين متوازيين جنباً إلى جنب بحيث  يمكن أن يكونا متلاصقين ، بل وأحياناً متداخلين . ومن جهة أخرى ، فإن هذه الدرجة من الاستقلالية للوعي (الفكر ) عن الواقع الملموس ، هي التي تسمح لهذا الوعي أن يسبق عصره  ، وأن يكون حاضرا ( معاصرا) في أكثر من مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي ، أي أنه يطير ( إذا جاز التشبيه ) في رحلته التاريخية  هذه  بجناحين اثنين هما التراث والمعاصرة معا وفي آن واحد.  

  1. إشكالية الشدة التراثية  ، حيث تتناسب هذه الشدة طردا مع العمق الزمني للتراث . فجرّة الفخار التي عمرها ألفي سنة هي أكثر شدة تراثية من مثيلتها التي عمرها ألف سنة فقط . وينطبق هذا الأمر (مسألة العمق الزمني/ الأسبقية ) على كل أنواع التراث ، وبشكل خاص على الآداب والفنون والصناعات  والمخترعات التكنولوجية المختلفة  . وجدير بالذكر هنا  أيضاً ، أن  أمر هذه ” الشدة ” التراثية ، لا يتعلق بالعمق الزمني ( بالأسبقية )للتراث  فقط ، وإنما أيضاً بالقيمة الذاتية ( الداخلية ) لهذا التراث، فتتعلق الشدة التراثية بشريعة حمورابي  ـ على سبيل المثال ـ  من جهة بعمقها الزمني التاريخي ( 1790 ق.م )، ومن جهة أخرى بمضمونها ، اي بعمقها  الإنساني . بغض النظر عن قبولنا أورفضنا لكثير مما ورد فيها من قوانين مرتبطة بزمانها .
  2.     إمكانية التوظيف التنموي للتراث  ، بمعنى أن يجد المرء / الشعب في ماضيه ، ما يدفعه على العمل والإنتاج في حاضره  . فحديث الرسول ( ص ) ” المسلمون شركاء في ثلاث ، في الكلأ والماء ، والنار”، إنما تجسد برأينا  بعدا اشتراكيا وفق مفاهيم العصر الحاضر ، وتعطي الضوء الأخضر  بالتالي لتأميم وسائل الإنتاج الكبيرة ، وجعل ملكيتها اجتماعية ( ملك الأمة ) وليس ملك عدد محدود ومحدد  من أفراد المجتمع ، وذلك على غرار الكلأ والماء والنار .
  3.     وأخيراً ، لابد من الإشارة إلى  دور الاستعمار الغربي  ( القديم والجديد )في تخليف وطننا العربي ، وبالتالي في خلق وتكريس الفرق بين تراثنا ومعاصرة الغرب ( بالمعنى الإصطلاحي ) وفي الحرص على إبقائنا دولا مستهلكة ، أي غير  منتجة ( أي عملياً متخلفة ) لكي نظل نستهلك منتجاتهم هم وليس ماننتجه نحن!!. إن الدول  الغربية المتطورة تقنيا واقتصاديا ،تحتكر لنفسها اليوم العلم والتكنولوجيا والمعاصرة بهما والديموقراطية ، وتترك لنا فقط حرية الاستجداء. وها هوشعب سورية يستجدي اليوم أصدقاءه المفترضين ( المعاصرة ) لكي يفرضوا وقف ” الأعمال العدائية ” لبشار الأسد وفلادمير بوتين على أطفاله ونسائه وشيوخه ، بل و لكي ينفذوا قرار مجلس الأمن رقم 2254 . نعم إننا نستجدي اليوم ،ممن يصغر تراثهم أمام تراثنا ، وتتفوق معاصرتهم على معاصرتنا ، نستجديهم الحرية والكرامة وحقوق الإنسان .

وليس من النافل هنا أن نأتي بمثال العراق ، الذي غاضهم ، لابل أخافهم تطوره العلمي والتقني ، فغزوه عام 2003  ودمرت جيوشهم وأسلحتهم ” المتطورة ” الحرث والنسل فيه ، وفرضوا عليه ديموقراطية المحاصصة والسرقة ، واستبدال التعايش الأخوي ( حتى في صورته النسبية ) بين كافة مكوناته   بفيدرالية تقسيمية محاصصية كاذبة ، محولين ذلك التعايش العراقي التاريخي الأخوي بين السنة والشيعة من جهة وبين العرب والكرد من جهة أخرى  إلى عداوة جغرافية  ( شمال ـ جنوب ـ وسط ) تدخل في باب  خلق ورعاية الفتنة  بين هؤلاء الإخوة ، ولا علاقة لها لابالتراث ولا بالمعاصرة . وكانت”داعش ” هي الجوكر الذي راهن ويراهن عليه الغزاة لكسب معركتهم الخاسرة مع الشعب العراقي .

فيا إخوتنا في الغرب اعلموا أن أمتنا وشعوبنا ، وربيعنا العربي ، وديننا الإسلامي  هم مع المعاصرة حتى التراث ، ومع التراث حتى المعاصرة  فدعونا نتعايش معاً بحرية وأخوة وسلام ، ولا تفرضوا علينا ــ بالله عليكم ــ عملاءكم ، مثل بشارالأسد ، ونوري المالكي ، وأبو بكر البغدادي ، ونتنياهو بقوة السوخوي والميغ والميراج والكوبرا والبراميل المتفجرة . دعونا نقرر مصيرنا بأنفسنا ، يامن نعترف  نحن بتفوقهم علينا اليوم ، حتى ولو أنكروا هم  تفوقنا عليهم بالأمس .





Tags: محرر