on
Archived: د.حبيب حداد: الوضع العربي الراهن وامكانات الخروج من النفق المظلم (1-2)
د.حبيب حداد: كلنا شركاء
واقع الحال ,وبعيدا عما يفترض ان يتحكم في تحديد مواقفنا , من تشاؤم العقل أوتفاؤل الارادة , فإن معظم مجتمعاتنا العربية تتعرض اليوم لمخاطر عملية التفكيك والتدمير والإنهيارالذاتي التي قد يمتد تأثيرها في المستقبل القريب الى مجتمعات عربية واسلامية مجاورة أو بعيدة . و بايجاز فان عددا من البلدان العربية التي شهدت على امتداد السنوات الخمس الماضية انتفاضات ماسمي بالربيع العربي تواجه الآن تحديات وجودية تهدد مصيرها كدول وكيانات موحدة . بنظرة موضوعية تستهدف تشخيص معالم الوضع الراهن والاسباب العميقة والرئيسة التي قادت اليه وفي محاولة توقع واستشراف احتمالات المستقبل ,فاننا نعتقد ان ما وصلت اليه معظم اقطارنا العربية ,التي تطلعت لتحقيق اهدافها المشروعة في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية , من اوضاع كارثية هو في جوهره ليس الا فصلا جديدا في مسار التردي العام والمحنة المتواصلة نتيجة الأزمة العميقة والشاملة لكل جوانب المجتمع .هذه الأزمة التي تعود الى اكثر من اربعة قرون خلت , اي الى الزمن الذي تعطل فيه تطور وتقدم الكيانات العربية وتوقفت بعده عن الاسهام والمشاركة في تطور الحضارة العالمية التي آلت قيادتها الى شعوب القارة الأوربية . فلقد استفاق العرب من رقادهم كما هو معروف مطلع القرن التاسع عشر اثر صدمة الحضارة الغربية التي رافقت حملة نابليون الى مصر . تلك الصدمة الحضارية التي تصاحبت مع مختلف الموجات الإستعمارية التي شملت كل البلدان العربية في المشرق والمغرب في اعقاب اقتسام تركة الرجل المريض . بعد ذلك وعندما طرح رواد عصر النهضة على انفسهم السؤال الملح حول اسباب تقدم الغربيين و اسباب تخلف العرب والمسلمين , فان الفكرالعربي النهضوي منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى الوقت الحاضر ظل يعاني من اشكالية بنيوية اساسية لم تتخلص منها مع الأسف معظم تياراته المتعاقبة حتى الوقت الحاضر . وقد تجلت هذه الاشكالية المعيقة بصورة عملية ملموسة في طبيعة الوعي السياسي والاجتماعي العربي الذي ظل في اتجاهه العام وعيا انفعاليا شقيا ,غير تركيبي اوجدلي ,وعيا يفتقر الى القدرة المطلوبة لتجاوز حالة العقلية العصبية الى مستوى العقلانية الموضوعية ,ونتيجة لهذا ظل هذا الوعي على الدوام ضحية ظاهرة ما سمي بصراع الأضداد والثنائيات . وما زالت هذه الاشكالية تلعب دور الكابح والمجهض لمشاريع شعوبنا العربية في توقها وتطلعها لاستكمال عملية التحرر والاستقلال الوطني والتقدم والتجدد الحضاري , نظرا لكونها السبب الأساس وراء معظم انقسامات الرأي العام الشكلية المصطنعة ووراء تعميق التناقضات الثانوية بين مختلف الفئات الاجتماعية وبالتلي وراء الانقسامات المشتتة للجهود والامكانات بين الأحزاب السياسية الوطنية وقوى الاصلاح والتغيير , سواء على صعيد المواقف والتنظير أم على صعيد الممارسة والتدبير .
ما زالت هذه الاشكالية بصورة عامة ومع بعض التفاوت , من حيث مستوى ودرجة التأثر والتأثير, بين بلد عربي وآخر السبب الرئيس في ازدواجية النظرة والمواقف والتصرف العملي تجاه منجزات الحضارة العالمية وتجاه ضرورة و اهمية انخراطنا ومساهمتنا في المسار العام لها وبالتالي تجاه ضرورة امتلاك موقعنا ودورنا في الكيان الانساني الأشمل . وتزداد شدة اعاقة هذه الاشكالية لمجمل العملية التحررية لأوطاننا خاصة في المرحلة الراهنة اي في عصر العولمة التي جعلت من العالم قرية واحدة بفضل ثورة المعلومات والمعرفة وسعي الأسرة البشرية لبناء حضارة انسانية متكاملة عمادها القيم الكونية المشتركة وطابعها تعدد روافدها والمحافظة على تمايز وخصوصية ثقافات مجتمعاتها . . ولقد نجم عن هذا ان الفجوة التي كانت تفصلنا عن مستوى التطور العالمي قد توسعت من جهة وتضاعفت تحدياتها من جهة ثانية وخاصة في هذه الحقبة التاريخية الاستثنائية التي يشهد المجتمع الدولي فيها كل اشكال التنافس وصراع القوى والمصالح من اجل الانتقال من عالم القطب الواحد الى نظام دولي جديد متعدد الأقطاب والمكونات , وحيث تتأهب كل امة وكل مجموعة دولية أو اقليمية لشغل المكان الذي تستحق ولعب الدور الذي يتناسب وقدراتها في هذا النظام الدولي قيد التأسيس . ومع الأسف يجري ذلك كله في غياب اي دور فاعل لأية دولة عربية أو لمجموعة من هذه الدول بعد ان تم الاجهاز على النظام الاقليمي العربي وافتقاد ابسط مستلزمات التضامن العربي المشترك في وطن العرب ,أي في هذه المنطقة ذات الأهمية الاستثنائية عالميا والتي يتوازع النفوذ والهيمنة والتأثير فيها حاليا ثلاث قوى هي اسرائيل وتركيا وايران .
جوانب خلل وقصور كثيرة تجلت في مقومات وديناميات المشروع التحرري النهضوي لمختلف اقطار الأمة , فالى جانب الانجازات الكبيرة التي احرزت والانتصارات الهامة التي تحققت , كان هناك بطبيعة الحال العديد من الهزائم والإنتكاسات والإخفاقات التي حفل بها مسار حركات التحرر العربية والمشاريع النهضوية التي حملتها على امتداد القرن الماضي وكانت اسبابها الرئيسية تكمن من وجهة نظرنا , وقبل الحديث عن دور العوامل الخارجية المعادية , في العامل الذاتي اي في طبيعة الفكر السياسي العربي وفي اهلية النخب الفكرية والسياسية , والقوى والحركات الاصلاحية والفئات المجتمعية التي تسلحت بهذا الفكر وطرحت نفسها كادوات لتحقيق تلك المشاريع النهضوية .
فقد كنا بصورة عامة في مراحل التحرر الوطني , وهو الامر الطبيعي والمنطقي الى حد ما , نركز كل جهدنا واهتمامنا على مقاومة الاستعمار المباشر والظفر بالاستقلال والخلاص من السيطرة الاستعمارية المباشرة ., لذا كنا ,و مع تبنينا للاهداف العامة في الدعوة لتوحيد الامة ولحرية الشعب وللعدالة الالجتماعية , نفتقد في الوقت نفسه الرؤية الاستراتيجية الصحيحة لبناء الدولة الديمقراطية الحديثة ,والتحرر من قيود التبعية والتخلف واستكمال انجاز مهمات حركة التحرر الوطني العربية في تحرير فلسطين وبقية الأراضي المحتلة والسير نحواستكمال بناء مقومات الكيان العربي الموحد . كما كنا حذرين كل الحذر,او على الأصح لا نولي الاهتمام المطلوب للاستفادة من المنجزات الفكرية والسياسية والاجتماعية لتلك الدول التي استعمرتنا ,تلك المنجزات التي اعادت الى المواطن –الإنسان في الدول الغربية حريته وحقوقه الأساسية وجعلته المسؤول الأول عن مصيره في هذا العالم . كما جعلت منه اداة وغاية كل رقي وتقدم حضاري يحرزه المجتمع . وهكذا ونتيجة فوات بنيان مجتمعاتنا وانعكاس ذلك في قصور وعي نخبنا الفكرية والسياسية , مضينا نؤكد الحرص أنه اذا كان لا بد من تلك الافادة فلتقتصر على منتجات الغرب المادية والتكنولوجية ,وان نتجنب بالمقابل نقل وتبيئة وزرع الأفكار ومناهج العلوم الانسانية والطرائق والقيم والقواعد البحثية والخلقية في مجتمعاتنا بدافع حماية تراثنا واصالتنا وخصوصيتنا , تلك الأفكار والمناهج والقيم التي كانت الروح المحرك لكل تلك الابتكارات والانجازات الحضارية والتي هي في حقيقتها منجزات انسانية لخير كل الشعوب و مواصلة بناء مستقبل افضل لها . لقد وقف جل تيارات الفكر العربي ,اذا استثنينا بعض الرموز والنخب الليبرالية والاصلاحية, موقفا سلبيا مشككا من منجزات الحضارة الغربية التي كانت في جوهرها استمرارا وتجاوزا نوعيا لنتاج محتلف المراحل الحضارية التي سبقتها وخاصة في العصور الوسطى والتي اضطلع العرب بالدور القيادي في مسارها . واذا كان علينا هنا ان نسترجع بعضا من مظاهر قصور الوعي السياسي العربي خلال نصف القرن الماضي والتي كانت في صلب الاسباب التي ادت الى تعثرواجهاض التجارب الوطنية التحررية في كل من مصر والجزائر وسورية والعراق واليمن وليبيا… وغيرها فلنذكر انه كان في مقدمتها بلا شك الموقف من المسالة الديمقراطية السياسية الليبرالية والاستعاضة عنها بما اصطلح على تسميتها بالديمقراطية الاجتماعية . فلقد نظرت تيارات الفكر السياسي العربي ,القومية والوطنية واليسارية والإسلامية منها ,طوال عقود الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي, نظرة سلبية بل وعدائية الى المسألة الديمقراطية واعتبرتها بضاعة غربية مستوردة وأداة في يد الطبقات البورجوازية المستغلة لادامة تسلطها واستئثارها بالسلطة وتمكين هيمنة الدول الأجنبية على مصائر شعوبنا .
كذلك فلنذكر هنا الموقف من الدول القطرية والكيانات القائمة حاليا فقد كانت نظرة الفكر القومي التقليدي ان هذه الكيانات تفتقد الى المشروعية الشعبية لأنها نشأت بفعل الهيمنة الاستعمارية ونتيجة خرائط التقسيم التي رسمتها وخاصة في بلاد الشام والمشرق العربي .وبدل الانطلاق من الواقع القائم نحو تأسيس دول ديمقراطية حديثة في هذه الأقطار ,دول تجسد ارادة شعوبها المتطلعة نحوالتقدم والتكامل والتوحد ,دول يكون حجر الاساس في بنائها وفي وظيفتها , تكريس مبدأ المواطنة الحرة المتساوية دون اي تمييز, فقد اعتبران هذه الكيانات المصطنعة ,حسب وجهة النظر تلك, تشكل عوائق مانعة وعقبات كأداء في طريق الوحدة العربية . وقد نجم عن هذه النظرة الخاطئة تهميش وتبخيس دور الهوية والرابطة الوطنية الموحدة لمكونات كل شعب في اي بلد عربي ووضعها على طرفي نقيض مع الهوية والرابطة القومية الجامعة لكل شعوب الأمة من المحيط الى الخليج . وكان من نتائج تلك النظرة القاصرة ,التي لا تتوافق ومفهوم الهوية العروبية الانسانية الحضارية والتي هي الأفق الطبيعي الذي تستكمل الهويات القطرية الوطنية وجودها في اطاره , ما نشهده اليوم من تصدع الوحدة الوطنية وتعرض المجتمع لمخاطر التمزق والتفتيت والحروب الأهلية : الطائفية والمذهبية والقبلية والجهوية والاثنية في معظم الدول التي انفجرت فيها الانتفاضات الشعببة ,بعد ان حرفت عن سبيلها واغتيلت اهدافها كما كان الحال في سورية والعراق وليبيا واليمن والبحرين وغيرها. ومن بين تلك الثنائيات التي أعاقت الفكر السياسي العربي في هذه المرحلة عن الاضطلاع بدوره في قيادة وتصويب عملية التجديد والتطوير المتواصل وانجازالتحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية المطلوبة هي تلك المتعلقة بالموقف من مسالة الخصوصية والأصالة من جانب, وكذا الموقف من المعاصرة ومسؤولية الانخراط في مسار الحضارة الانسانية الواحدة من جانب ثان .
اما الاسلام السياسي ,الذي يشكل في هذا السياق حالة خاصة , فلا يزال حتى اليوم يحيا في عالم غابر بعيد عن امكانية وعي وتمثل قيم واسس العصر ,بل انه والحق يقال قد تراجع كثيرا ,في مستوى ادراكه ونوعية ممارساته ,عما كانت عليه حاله في مرحلة الخمسينات والستينات من القرن الماضي –اي مرحلة الصعود القومي – وهو اليوم باسم الخصوصية تارة وباسم الاصالة تارة أخرى وباسم مقاومة أخطار الحضارة العالمية المادية التي تستهدف ديننا وقيمنا الحضارية وتقاليدنا وتراثنا تارة ثالثة يواصل في مناخ الهزيمة والتردي هيمنته على قطاعات واسعة من الرأي العام الشعبي مستغلا لهذه الغاية حالة التدين الشعبي العفوي التي تسود مجتمعاتنا الأمر الذي ساعد على انتعاش اتجاهات الفكر السلفي الجهادي وتوفير الحواضن المهيئة لتفريخ المجموعات الارهابية التكفيرية المسلحة , بدعوى واجب محاربة عالم الكفر والضلالة والإلحاد ومواصلة فريضة الجهاد لاقامة دولة الخلافة الاسلامية .
صراع الثنائيات في الفكر السياسي العربي كان كما اسلفنا العلة الأساس في وهن بنيان و قدرات هذا الفكر وشل طاقته على التجدد الدائم وقيادة عملية التطور والتنمية والبناء , فمن الصراع بين اسبقية هدف الوحدة ام تحرير فلسطين ,واعتبار اية خطوات وحدوية تتم بين قطرين عربيين أو اكثر كأنها محور في طريق تحقيق الوحدة العربية االشاملة ,الى الصراع حول أسبقية الديمقراطية الاجتماعية ام الديمقراطية السياسية البرلمانية ,الى الصراع بين الانشداد الى قيود الماضي والقدامة بذريعة المحافظة على الأصالة في مواجهة متطلبات الحداثة والمعاصرة التي قد تهدد مقومات تلك الأصالة المتوهمة ,الى الصراع العبثي في تعيين الخيار المجدي لانتزاع الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني أهوفي استخدام اسلوب النضال الشعبي والسياسي أم هو في انتهاج طريق المقاومة المسلحة سبيلا وحيدا لإنتزاع تلك الحقوق . واذا انتقلنا من العام الى الخاص فكيف نفسر مواقف عض اطراف المعارضات السورية التي ما تزال تطرح حتى السا عة ان هدفها الوحيد الان هو العمل على انهاء نظام الاستبداد واما ماهو البديل لذلك الذي قدم شعبنا من اجله اجل التضحيات فما تزال تلك الاطراف الاصولية والمجموعات الانتهازية تتحدث عن دولة دينية او دولة مدنية تداولية او دولة ديمقراطية غير علمانية وكأن هناك تناقضا بين جوهر وطبيعة الدولة المدنية او الديمقراطية او العلمانية وذلك في محاولات للتضليل المتعمد عما يقصدون اليه من تنكر لمطالب شعبنا في التغيير الديمقراطي الحقيقي وبناء دولة عصرية حديثة ….الى غير ذلك من الاشكاليات غير العقلانية التي ما تزال تعرقل عقلنة العقل العربي ,والتي تتطلب المراجعة الجادة والتفكيك العميق في عملية نقد ذاتية ,تهدف في حصيلتها الى ارتقاء هذا العقل الى المستوى المطلوب الذي يستجيب لتحديات ومهمات العصر.
Tags: محرر