on
Archived: دانية قليلات الخطيب: غير مسلمين و ليسوا كفارا!
دانية قليلات الخطيب: النهاران ما نراه من تطرف اليوم لم يأت صدفة، فالمسخ الذي اسمه “داعش” هو نتيجة ظروف سياسية دفعت بحزب البعث المنحل للارتماء في احضان “القاعدة”. ولكن ما يجب ان نفطن له، هو ان “داعش” يستند الى نصوص و تفاسير موجودة، قد لا نعطيها اهتماما و لكن المجموعات المتطرفة تقوم بتطبيقها.
تستند الجماعات المتطرفة الى تفاسير لشرعنة اجرامها. وهذا لا يقتصر على “داعش”، ألم يقم بالاغتصابات في دارفور مقاتلون من الجنجويد المسلمين متذرعين بمبدأ ملك اليمين. فالتفسير لملك اليمين ان الجيوش المسلمة عندماتحارب الكفار و تنتصر عليهم يحل لها سبي نساء الشعوب المهزومة. المشكلة في هذا التفسير تكمن في امرين اولهما ان الرق قد ألغي من كل دول العالم كما ان مفهوم الكفر قد تغير.
في العصور الماضية كان العرف السائد هو أن الناس على دين ملوكهم وكان الدين منظومة مفروضة من النظام السياسي. ولكن اليوم تشكل حرية المعتقد المنظار الذي من خلاله يتم التعاطي مع الدين. فليس هناك من قانون دولة يعامل الناس على اساس كافر و مؤمن. وحتى الدول الاسلامية لا تصنف الناس على اساس مسلمين وكفار، فالمسيحي و البوذي و الهندوسي وغيرهم حين يسجلون بياناتهم في دولة اسلامية يسجلون على اساس انهم غير مسلمين و ليس على اساس انهم كفار. لذلك فتفسير ملك اليمين كما هو متعارف عليه اليوم باطل والعبارة بحاجة لتفسير جديد. والازمة التي يشهدها الاسلام تكمن في ان كثيرا من التفاسير المعتمدة مبنية على مرتكزات اجتماعية بائدة مثل الرق…
تسود اليوم في العديد من مناحي ثقافتنا الدينية تعابير يستعملها المتطرفون لاستقطاب و تجنيد عناصر ارهابية. وعلى سبيل المثال، فتعبير الكافر، نحن لا نعطيه البعد الذي يعطيه له المتطرفون، ولكن كونه متداولا فهو محفوظ في عقلنا الباطن. وهذا ما يستهدفه المتطرفون حين يقومون بغسل دماغ شخص عادي. فهم يعملون على استحضار تلك المفاهيم من عقله الباطني ويحورون ما حولها و يبنون سردية كاملة عليها. فيقومون بربط البؤس الذي يعيشه المجند المستهدف بالعقيدة، فيقنعوه ان الجهاد هو ما سيخلصه من ظلم الكفار وان الانضمام اليهم سيرجع مجد الدولة الاسلامية و سيعزّ المسلمين. لذلك فتعبير الكفار يجب ان يلغي من مصطلحاتنا المتداولة، فالاسلام يقر بحرية المعتقد “لكم دينكم و لي ديني”. أفليس الاجرام الذي تقوم به “داعش” بحق الاقليات من ايزيدية ومسيحية مبنيا على مبدأ ان هؤلاء كفار و يحل التنكيل بهم؟ ولذلك في كل مناهجنا يجب اعادة تعريف كثير من المفاهيم. مثلا ما هو تعريف الكفر؟ من هو الكافر وما هوموقف المسلم منه؟ ولا يكفي ان تحذو الدول الاسلامية حذو تونس وتسن قانونا مدنيا يجرّم التكفير. يجب ان تقوم المرجعيات الدينية بتفسير هذا المفهوم وغيره بطريقة واضحة وقاطعة وصريحة بشكل يسد الطريق على المتطرفين الذين يحاولون شرعنة اجرامهم. ولا يمكننا ان نتغلب على الارهاب ما لم تتغلب على فكره الظلامي وما لم ندحر التفاسير الرجعية واونستبدلها بتفاسير منفتحة ومعتدلة. حتى في المناهج الدراسية الاسلامية ألا ندرّس اولادنا الفيء والغنم؟ أوليس الفيء والغنم ما تزعم “داعش” تطبيقه حين تعتدي على بيوت الناس وتقوم بنهبها.
ما يشهده الاسلام اليوم من ازمة ما هو الا نتيجة الركود في التفاسير التي اصبحت بائدة في عصرنا هذا، و لن نتمكن من حماية الدين من المتطرفين، كما لن نستطيع الدفاع عن الاسلام في الغرب ما لم نقم بتجديدها. ولا يكفي ان يلقي عادل الجبير خطابا بليغا عن الاسلام في مؤتمر ميونيخ للأمن، فنحن بحاجة لحجة قاطعة في وجه المستهزئين بالدين الاسلامي.
محطة “فوكس نيوز” المناهضة للإسلام في اميركا، بين كل فينة وفينة تعرض مقولة لشيخ متطرف، ثم تستحضر رضا اسلان الأكاديمي المسلم الاميركي او ممثلا عن كير (مجلس العلاقات الاميركية الاسلامية) للدفاع عن الاسلام. وبينما يحاول هؤلاء اظهار حقيقة الاسلام المعتدلة، يقابلهم محاور “فوكس نيوز” بتفسير يصدق على مقولة الشيخ المتطرف وبذلك يجد المدافع عن الاسلام نفسه في موقف لا يمكن الدفاع عنه.
لكن لو كانت هناك تفاسير حديثة متماشية مع العصر لاستطاع اسلان وغيره الدفاع قائلين، نعم وضع هذا التفسير منذ الف سنة ووقتها كان مقبولا اجتماعيا”، كما كان مقبولا كثير من الممارسات لدى المسيحيين و غيرهم والتي اصبحت في عصرنا هذا مرفوضة. ولكن اليوم التفسير الجديد هو كذا و ما يقوله هذا المتطرف لا يمت لاسلام الحاضر بصلة.
التغيير يتطلب الكثير من الجرأة. والقطيعة مع التفاسير السالفة ستؤدي حتما لردة فعل اولية لدى العديد من الناس و رجال الدين و لكن مثل هذه المبادرة ضرورية لمكافحة “داعش” وغيرها من الجماعات المتطرفة. المعركة الحقيقية مع التطرف يجب ان تخاض في المراجع الفقهية وليس في ميدان القتال و النخب الدينية قبل الجنرالات هم من يعول عليهم لدحر الارهاب. ومنابر المساجد قبل المقاتلات الحربية هي ما سيفتك بالعقائدية المتطرفة.
ولكي تتسم التفاسير الجديدة بالشرعية يجب ان تتم على يد مجلس من علماء الشريعة ويجب الاتفاق على تعميمها في كل المناهج الدراسية الاسلامية في العالم. وبما ان الاسلام دين لكل مكان وزمان لذلك على علماء الدين اعادة النظر في كل التفاسير السابقة والتمعن في سياقها الماضي و معاينة الظروف الحالية واعادة نصّها بما يتماشى مع العصر وما يشجع الانفتاح على الآخر.
يمر اليوم الاسلام بما مرت به المسيحية في القرون الوسطى من عنف ودم و رجعية ولم تتمكن اوروبا من النهوض بالمسيحية الا من خلال طرح الافكار المستنيرة المنفتحة خلال حقبة “الرينسانس” او حقبة “اعادة البعث”. ولن نتمكن من اجتياز هذه المرحلة العويصة من تاريخ امتنا ما لم نقم بمجهود لإعادة قراءة ديننا الحنيف بما يفيه حقه كدين التسامح و التآخي وينقذه من عبث المتطرفين. أوليس الاسلام دين سلام؟ فالتحية في الاسلام تبدأ وتنتهي بإلقاء السلام على الاخر…
Tags: محرر