on
Archived: المحامية ماسه بشار الموصلي: حنا مينة..مات قلمه وبقيّ أثره
المحامية ماسه بشار الموصلي: كلنا شركاء
دور الكلمة في حياة الإنسان :
يمر الإنسان منذ ولادته بمراحل مختلفة من التطور المعرفي ولكل مرحلة منها خصوصيتها التربوية التي تؤثرعلى شخصيته وفي تفعيل علاقته مع محيطه وتنويره الفكري.
وتعتبر القراءة بتنوع موادها جزءً من ذاك التنوير لما لها من نصيب كبير في بناء الأفكار الشخصية في مختلف المراحل العمرية .
على هذا فإنه يقع على عاتق الكاتب الذي يقدم مادته إلى الجمهور مسؤولية أخلاقية لا تقل بأهميتها عن أي من المسؤوليات الأخلاقية المجتمعية الأخرى التي تعمل عفوياً بشكل أتوماتيكي على ترتيب العقل الفردي ضمن المجتمع .
وقد درج أن تشبه الكلمة تشبيهاً لا يمكن لآخر أن يقاربها مثله وهو أنها كالرصاصة أو السهم متى ما أطلقت لا يمكن لها أن تعود ، وكذا المادة المكتوبة المقدمة من المفكر أو الكاتب أوالأديب فهي كالرصاصة وقد تصبح قنبلة إذا عملت على تفجير المخزون من معاناة القارئ الخاضع لأطر سلطوية اجتماعية واقتصادية وسياسية تثقل عليه حياته.
والرواية الأدبية اتخذت من الواقع المعاش مساراً لتسليط الضوء على المعاناة، فكان لها انتشاراً واسعاً في بلادنا العربية في القرن العشرين، ومنذ أربعينيات القرن الماضي بعد قرار تقسيم فلسطين وقيام دولة إسرائيل ظهر ما سميّ بالأدب الواقعي الملتزم، (وإن كنت لا أراه تصنيفاً محدثاً لأنه بحسب اطلاعي على الأدب العربي في العصر الجاهلي ومن ثم العصور الإسلامية المتتالية، كان في مجمله من نثره وشعره يحمل رسالة مسؤولة من الأديب نحو مجتمعه وقضاياه) .
وأشهر من اتسم أدبه بصفة الالتزام الواقعي في سوريا في خمسينيات القرن الماضي الروائي حنا مينة منذ أول رواية له “المصابيح الزرق” الصادرة عام 1954 مرورا بالشراع والعاصفة والشمس في يوم غائم والياطر وبقايا صور وحكاية بحار ونهاية رجل شجاع والمرفأ البعيد والدقل والرحيل عند الغروب وحارة الشحادين وحمامة زرقاء في السحب .
حنا مينة الإنسان والمعاناة :
كان أول لقاء لي بأدب حنا مينة من خلال روايته ( الشمس في يوم غائم ) تلك الرواية التي منحت النضج للكثير من التساؤلات في أعماق شبابي وجعلتني أحاول أن أخلع عن نفسي رداء الخضوع إلى قيم مجتمعية ضيقة الأفق وأدق الأرض بخطو الحالم الواثق من انتصاره .
منحتي رواياته قيماً وجودية ما كنت أدرك معناها قبلاً كالحرية والوقوف بوجه الظلم والمواجهة بالحق .
حنا مينة الإنسان الذي عانى مرارة الاستبداد والظلم والفقر المدقع في طفولته ، فاضطر لأن يترك المدرسة إلى العمل بعد أن أنهى المرحلة الإبتدائية ، ولم تبق مهنة قاسية لم يتحمل هذا اليافع عناءها ، وقد قال واصفاً تلك المرحلة من حياته : ” كنت أعاني البطالة والغربة والفقر والجوع وأحسد الكلب لأن له مأوى ” .
من مسيرة حياته استقى فيما بعد رواياته وصاغ أحداثها لتكون التقاطاً واقعياً للمعاناة التي كابدها حتى وصوله دمشق واستقراره فيها في عام 1948 م حيث عمل في الصحافة وكتب أول رواياته ” المصابيح الزرق ” ، لكنّ عمله في السياسة لم يكن ليجعله مستقراً فبدأ معاناة جديدة مع السجن والرحيل عن الوطن حتى عام 1967 م .
لقد أمضى حلقات عمره المتتابعة في العمل على تحقيق إنسانيته من خلال تحقيق إنسانية الناس، هكذا عرف متابعيه القرآء عن حياته ، وقال :” أنفقت طفولتي في الشقاء، وشبابي في السياسة، ولئن كان الشقاء قد فُرِضَ علي من قبل المجتمع، فعشت حافياً، عارياً، جائعاً، محروماً من كل مباهج البراءة الأولى. فإن السياسة نقشت صورتها على أظافري بمنقاش الألم، فتعلمت مبكراً، كيف أصعّد الألم الخاص إلى الألم العام، وكيف أنكر ذاتي، وأنتصر على رذيلة الأنانية، وكل إغراءات الراحة البليدة، التي توسوس بها النفس، فكان الإنسان في داخلي، إنساناً تواقاً إلى ما يريد أن يكون، لا إلى ما يُراد له أن يكون.
وكان المحيط الاجتماعي الذي نشأت فيه، بتمام الكلمة، أمياً، متخلفاً، إلى درجة لا تصدق، لم يكن في حي المستنقع كله، من يقرأ ويكتب، كان سكان هذا الحي، والأحياء المجاورة من المعذبين في الأرض، الباحثين دون جدوى عن الخلاص، وعن العدالة الاجتماعية التي لا يعرفون اسمها بعد ! ” .
حنا مينة وخذلانه الشجعان :
فكيف لمن نقل للناس بمصداقية وواقعية قصصاً من معاناته القاسية في الحياة تجعلهم يتفاعلون معها حدّ كسر حاجز الخوف والثورة على كل ظلم قائم وكل إهانة لكرامة الإنسان وكل استبداد وديكتاتورية ، كيف للصدق في نقل المعاناة الذي قرأناه في رواياته أن يتحول إلى ركونٍ إلى الظلم وسكوت عنه بما يدل على وقوفه مع الظالم عندما خرج أبطال رواياته من المقهورين والمعذبين في الأرض كما سبق وقال عنهم مطالبين بالحرية ، بالوقت الذي كانت به ثورتهم بأمس الحاجة إلى كل مثقفٍ سوري عربي كي يقف إلى جانبها تأيدياً وتوجيهاً وإرشاداً ؟
هل ركن الإنسان الكاتب الثائر الجانح نحو تحقيق العدالة الإجتماعية عند حنا مينة إلى الحياة الهادئة فيما بعد واستقرت نفسه إلى الجوائز التي نالها عن رواياته التي انتشرت عالمياً بعد أن ترجم أغلبها إلى اللغات الأجنبية .
كيف لنا، نحن الجيل الذي نشأ مع أدبه الثوري أن نصمت على صمته هذا ؟!
كنت دائماً أطمح لمقابلة حنا مينة الإنسان ، أنا العاشقة لأدبه وللأدب بشكل عام والكاتبة الهاوية التي تسعى عبر ما تكتب لأن تفهم الحياة أكثر ولأن تحقق حلماً بأن تخط لنفسها تجربة في الأدب تبقى أثراً عنها كما كلّ المبدعين ، وقد سعيت إلى لقاء معه منذ سنوات عشر أستمدّ منه النصح ، فمنحني تلك الفرصة والتقيته في دارته في دمشق .
خمس ساعات جالسته خلالها أسأله وأسمعه وأقرأ في قسماته ثقل معاناته ، وعندما تعبت من تسجيل ما يقول ولم يتعب ، سألته النصح إلى محبيه ومتابعي أدبه وإلى المعذبون في الأرض كما يحلو له تسمية كل إنسان مضطهد يعاني الظلم والاستبداد والقهر ، فقال لي :
” كونوا مع الفقراء ، مع البسطاء ، مع المعذبين في الأرض ، وقولوا لهم : إنَّ المدّ بعد هذا الجزر الذي نحنُ فيه يحتاجُ إلى عقودٍ من النضالْ ، فمن تعبَ نعذره إذا هو آثرَ الراحة ومن غابَ عن أولاده وزوجته لانهماكه أو انشغاله بالنضال ، ثمّ تركَ النضالَ وعاد إلى أسرته وأولاده ، نعذره أيضاً ..
فبعدَ انهيار الاتحاد السوفيتي الذي كان تجربة في النضال مرّت ، علينا أن نؤمن بالاشتراكية القادمة ، وندير ظهرنا للإشتراكية التي ماتت مختنقة ..
إننا نعذرهم جميعاً ولا نطلبُ إلا شيئاً واحداً :
أن يعذرونا إذا لم نيأس .. ولن نيأس “
كيف لمن أنهى لقائي به بجملة ” لن نيأس ” أن يخالفها عندما حقاً ثار اليأس ؟!
أتراه نسيّ معاناته في بداياته أم عاوده من جديد شعور الخوف من الاستبداد ؟!
لم أفهم من موقفه المؤازر للظلم إلا أنه قد كتب لنا النهاية التي لم يكتبها في رواياته فخذلنا وخذل أبطاله وثبّت مقولة لا يقبلها عقل رافض للذل وهي أن المظلوم يمكن أن يتغير فيصطف مع جلاده حينما يشبع ؟!
وكيف لم أع هذا الأمر خلال لقائي به عندما لم يمنحني أي جواب على أسئلتي المتعلقة بالوضع السياسي في سوريا فكان حذره من أي كلمة بهذا الاتجاه يأخذ به منحى العصبية ، ليقول لي : أنا لا أمنح لقاءات صحفية لأحد !!
في ذلك الوقت عزت السبب إلى الخوف من معاودة تجربة المعاناة بعد أن بلغ سن الكهولة وعذرته وتمسكت بنصيحته بأن لا نيأس .
ولكني الآن آسف بأن أكتب عنه بهذه اللهجة المستنكرة بعد أن ذاق الشعب السوري من جرائم بحق إنسانيته أكثر بكثير مما عاناه هو وما كتب عنه ، وأرثيه قبل رحيله بالقول :
إن الذي منح لقب شيخ الأدب وعرفناه بالأديب المناضل الثائر المبدع حنا مينة، قد مات قلمه وبقي أثره .
Tags: محرر