on
Archived: د. رياض العيسمي: كلوفيس مقصود.. فارس عربي يترجل وعلم وطني ينطوي
د. رياض العيسمي: كلنا شركاء
لن أحاول في هذه المقالة أن أرثي الدكتوركلوفيس مقصود بكلمات. فكلماتي مهما استطالت حروفها ومهما تألقت معانيها ستبقى منقوصة وخجلى لأنها لن تفيه ولو جزءاً بسيطاً من حقه. فهو الكاتب المبدع الذي طوع الحرف العربي ووظف لغة الضاد أروع توظيف، واستخدمها بمهارة فائقة في كل المناسبات الوطنية والقومية. وجعل من كل مناسبة يتحدث فيها عرسا وطنيا ترقص فيه الكلمات على أنغام نشيد “بلاد العرب أوطاني”. فهو خطيب ثوري وحماسي بارع. يرتجل كلماته وكأنه يقرأها من على لوحة شفافة. فالرجل كان عربيا حتى النخاع ووطنيا حتى الثمالة. وبالرغم من أنه كان لبناني النشأة، كان فلسطينيا في لبنان وعربيا في فلسطين وبعثيا في مصر وناصريا في سوريا والعراق وأردنيا في الخليج واليمن ومغربيا في مشرق الوطن العربي ومشرقيا في مغربه. وهذا ما جعل الرئيس الراحل عبد الناصر يطلق عليه أسم “العروبي الورع”. كما وكان سياسيا بارعا وديبلوماسيا عتيدا. كان سفيرا للعرب أينما حل وارتحل. يمثل من لا تميثيل له من الدول العربية ويرفع الصوت عاليا في المحافل الدولية لمن لا صوت له من العرب. ولذلك سينبري الكثير من الشعراء والأدباء والكتاب والسياسيين والقادة الكبارممن تخولهم إمكانياتهم الهائلة وصفاتهم الإعتبارية في رثاء هذا الراحل العظيم. ولهذا لن أحاول التطاول على مهمة رثائه، لكنني سسأروي قصة تعرفي عليه لأول مرة في عام 1983 وما تبعها في عام 1984 من القرن الماضي. حيث كان لمعرفته الأثر الكبيرعلي وأنا شاب في مقتبل العمر في حينها، وما زال وقعها يرافقني حتى اللحظة. أتذكرها عندما أكون بحاجة إلى التفاؤل. وأسترجعها كلما فترت لدي العزيمة.
في منتصف عام 1983 كنت لا أزال طالبا للدراسات العليا في الولايات المتحدة، وكنت عضوا في منظمة الطلبة العرب في الولايات المتحدة وكندا. وفي المؤتمر السنوي للمنظمة الذي انعقد في تلك الفترة في العاصمة الأمريكية واشنطن، شرفني زملائي من الطلبة المؤتمرين بإنتخابي رئيسا للمنظمة. وكانت المنظمة تضم في حينها ما يقارب الأربعة آلاف طالب وطالبة من الطلبة الدارسين في مختلف الجامعات الأمريكية والكندية. وكان أغلبهم من الطلبة العراقيين. وكان معظم الدعم المادي للمنظمة من غير إشتراكات الأعضاء يأتي من العراق. ولهذا كانت الفقرة الاولى على جدول أعمال الإجتماع الذي عقدته الهيئة الإدارية المنتخبة للمنظمة بعد المؤتمرمباشرة مناقشة كيفية تنويع مصادرالدعم المادي وتوسيع قاعدة الأعضاء لتشمل طلاب من كل الدول العربية. وبناءً عليه قررت الهيئة الإدارية بالإتصال بكل السفارات والمؤسسات والمنظمات والجمعيات العربية المتواجدة في الولايات المتحدة وكندا لتحقيق هذا الهدف، وكلفتني كرئيس للمنظمة للقيام بهذه المهمة. وكانت أول محطة لي هي مكتب الجامعة العربية في واشنطن والذي كان يديره في حينها الدكتوركلوفيس مقصود، وكان أيضا مندوب الجامعة في الأمم المتحدة. وجرى الإتصال بالمكتب وتم الحصول على موعد للقاء الدكتوركلوفيس. فذهبت إلى اللقاء بصحبة الرئيس السابق للمنظمة وكان من أصل لبناني وأيضا ممثل المنظمة في العاصمة واشنطن وكان من أصل أردني، وأنا من أصل سوري. وعندما وصلنا نحن الثلاثة إلى المكتب وجدنا الدكتور كلوفيس ينتظرنا على الباب. فاستقبلنا بترحاب حار والبسمة تعلوعلى محياه وقال بلهجته العربية اللبنانية:”أهلين بالشباب العربي”. وكان زميلاي على معرفة سابقة به. أما بالنسبة لي كانت هي المرة الأولى التي ألتقيه. لكنني شعرت بأنني أعرفه منذ زمن بعيد. وجدته رجلاً ذكيا ومتواضعاً. يتكلم بإحساس وشفافية دونما تكلف. يسهب في الكلام ويعي ما يقول. سررنا كثيرا باللقاء معه وكنا نرغب بالمزيد. وكان هو يرغب بإطالة اللقاء معنا. لكنه كان على إرتباط بموعد آخر. فشيعنا إلى الباب بعد أن وعدنا بدعم مالي سخي لم نكن نتوقع الحصول عليه يوما من الجامعة العربية. هذا إضافة إلى الدعم الإعلامي والمعنوي الذي تعهد أيضا بتقديمهما للمنظمة. كما والتفت إلي وهو يودعنا على الباب وقال: “إبقى طل علينا عندما تأتي إلى واشنطن، وأردف قائلاً كمان ما تنسوا تمروا بطريقكم على الست هالة في مجلس النساء العربيات. وتابع مازحا هذولي الستات عندهن مصاري كثير”. وهالة التي كان يقصدها هي زوجته، المرحومة الدكتورة هالة سلام مقصود. وهي إبنة مالك سلام شقيق دولة رئيس وزراء لبنان الأسبق صائب سلام. والتي كانت تشغل منصب المديرة التنفيذية لمجلس النساء العربيات في واشنطن. وبالفعل التقينا مع الست هالة التي كانت على غاية من اللطف والذوق والمعرفة. وكانت هي أيضا كريمة بالمبلغ الذي تعهدت بتقديمه دعما للمنظمة بالرغم من أن المجلس كان حديث التأسيس. ولقد تلمست من خلال معرفتي بكلوفيس مقصود “الماروني” وزوجته هالة سلام “السنية”، مع حفظ الألقاب، بأنهما نموذجا إجتماعيا واعيا لإختراق الطوائف في بلد يقوم نظامه السياسي على فصل الطوائف. ومن المعروف أيضا بأن والدة الدكتوركلوفيس هي أرثوذكسية. كما وتيقنت بأن من يلتقي كلوفيس مقصود لا يستطيع إلا أن يخرج من اللقاء متفائلاً بالمستقبل. وإذا كان مؤمنا بعروبتة يترسخ إيمانه بها أكثر وتزداد ثقته بإختياره. وأما إذا كان ممن لا يقيمون وزنا للعروبة قد لا يقنعه كلوفيس مقصود بها كليا، لكنه يجعلة يفكرمليا بأهمية العروبة ليس كمبدأ، وإنما كفلسفة وجود ونمط حياة.
في منتصف عام 1984 جاء موعد مؤتمر منظمة الطلبة العرب السنوي الآخر. وكانت الأوضاع العربية في حينها متردية بعد ضرب إسرائيل للمفاعل النووي العراقي في عام 1981 وإجتياحها لبيروت في عاما 1982. وكذلك بعد دخول الحرب العراقية الإيرانية مرحلة الإستنزاف في عام 1983 بعد إحتلال إيران لجزيرة الفاو العراقية ووقوف بعض العرب مع إيران ضد العراق العربي. وهي المرحلة التي كان قد وصفها المفكر العربي المرحوم الدكتور إلياس فرح بمرحلة “التيه العربي”. ولهذا كان لا بد لنا في الهيئة الإدارية لمنظمة الطلبة العرب أن نبحث عن متحدث رئيسي في الجلسة الإفتتاحية للمؤتمر يستطيع أن يشخص المرحلة بواقعية وفي نفس الوقت يشد من أزر زملائنا الطلبة ويدفعهم إلى التفاؤل. وهذه مهمة كانت تبدو شبه مستحيلة في ذلك الوقت. وإذا كان هناك من أحد يستطيع أن يقوم بهذه المهمة فهو الدكتور كلوفيس مقصود. وبالفعل أرسلنا له الدعوة بالبريد. وأيضا تكلمت معه عبرالهاتف بخصوصها. وقبل الدعوة مشكوراً. ولا أخف سرا إن قلت بأنني كنت أترقب بفارغ الصبرلأسمع ما الذي سيقوله الدكتور كلوفيس لجمع صاخب وساخط من الطلبة المتحمسين. وكعادته اعتلى الدكتور كلوفيس المسرح ووقف بشكل مباشر أمام جمهورالطلبة ومن غير منصة تفصله عنهم ولم يكن معه حتى ورقة تحمل ولو رؤوس أقلام. وبدأ بإرتجال قصة وقعت أحداثها في أحد مسارح برودواي والمعروفة بكونها من أشهر المسارح ليس في مدينة نيورك وحسب، بل وفي العالم. ومفاد القصة بأن الدكتوركلوفيس اصطحب ضيفه ورئيسه في حينها السيد الشاذلي القليبي الأمين العام للجامعة العربية والذي كان قد قدم إلى نييورك لحظور الإجتماعات الدورية للأمم المتحدة. وبعيدا عن السياسة وتعقيدات مشاكل العالم أراد الإثنان إستغلال الفرصة الملائمة لممارسة ما يجمعهما من ميزات ثقافية وأدبية، وهو حظور المسرحيات العريقة. لكن المشكلة وكما وصفها الدكتورمقصود بأن المسرحية كانت باللغة الإنكليزية التي لا يجيدها السيد القليبي بسسبب ثقافته الفرنسية. ولهذا كان غير قادرعلى مواكبة أحداث المسرحية كما يجب. وفي المقلب الآخر كان الدكتور مقصود لا يرى كل الأحداث بشكل واضح بسبب ضعف بصره ومشكلة في نظارتيه. وعندما طلب السيد القليبي من الدكتور مقصود أن يشرح له أحداث المسرحية التي لم يفهمها، أجابه الدكتور مقصود ” إذن قل لي مالذي تراه حتى أفسرلك ما أسمعه”. كانت هذه هي المقدمة التي بدأ فيها الدكتور كلوفيس مقصود محاظرته في مؤتمر منظمة الطلبة العرب في عام 1984 من القرن الماضي. ومن ثم استرسل قائلاً: ” هذا هو حال الوضع العربي اليوم. هناك من يسمع ولكن لا يرى بشكل جيد. وآخر يرى لكنه لا يستوعب ما يسمعه بدقة. لذلك لا بد من الجمع بين قدرات الفريقين معا حتى يتم فهم الأحداث في المنطقة والتعامل معها كما ينبغي. وتابع القول إن العرب اليوم في حالة كبوة. لكن الأمه العربية هي أمة حية ومتجددة ولا بد بأن يأتي اليوم الذي تنهض فيه من كبوتها”.
يا للمفارقة! منذ فترة وأنا أفكر بكلوفيس مقصود وما قاله قبل ما يقارب الربع قرن من الزمن. ففي ظل هذا التردي والشرذمة والضعف الذي وصل إليه العرب اليوم وهذا المخاض الأليم الذي تمر به سورية والمنطقة العربية، كنت ابحث ولوعن بارقة أمل تجعلني ارتقب المستقبل ولو بشيئ من التفاؤل. فتذكرت تفاؤل الدكتور كلوفيس مقصود والإقتراح الذي قدمه للعرب بالتكامل بين الذين يرون ولا يسمعون والذين يسمعون ولا يرون. وكم كنت أتمنى لو أستطعت أن أسمع رأيه بالعرب الذين لا يسمعون ولا يرون، ولا يستوعبون الدروس ولا يستفيدون من العبر. وكذلك أولائك في العالم الذين يسمعون ويرون ويبقوا صامتون ولا يتحركون. فكم هم العرب بحاجة اليوم إلى رؤية وتفاؤل كلوفيس مقصود. وكم هو العالم بحاجة إلى صدقه ونقائه. فإلى جنان الخلد أيها الراحل المتفائل. أيها الفارس العربي الذي ترجل قبل أن يرى جياد العرب تنهض من كبوتها. أيها العلم الوطني الذي انطوى في زحام الرايات الطائفية والشعوبية التي باتت تملئ السماء في أرض العروبة. فأية كلمات سترثيك وانت من طوع الكلمة العربية وتباهى بلغة الضاد؟ كلوفيس مقصود، وداعا. “وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر”.
Tags: محرر