on
Archived: أيمن جلوان: خمس سنوات من النزوح.. كيف بدأت رحلتنا… ولن أقاتل في جيش بشار(1)
أيمن جلوان: مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط
خمس سنوات من النزوح: كيف بدأت رحلتنا…
لقد تجنبت التجنيد في بلدي، ويواجه كل من أتوا من سوريا إلى هنا نفس المشكلة، وأعني الجميع، أي كل شخص بين سن 18 و42 عاماً، ولكن في الأسبوع الماضي أقر بشار الأسد قانوناً جديداً، ينص على أنه إذا كان الشخص فوق سن 42 عاماً، فلديه الخيار بأن يلتحق بمجموعة خاصة في الجيش السوري، للمساعدة في مكافحة الإرهابيين – على حد وصف القرار، فيقول الناس “حسناً إذن لدي الخيار! كما لو أن لدي خياراً!” إذن فعلاً كما لو أن لديك خياراً؟ ولكن قوات المخابرات أو الشرطة ستأتي لك وستقول “لماذا لم تلتحق بتلك المجموعة الخاصة؟”، إذن من ناحية لديك الخيار، ومن الناحية الأخرى ستسمع “الآن اذهب!” وبذلك ينتهي أمرك.
هذا بالضبط ما حدث لأخي، ولكني لا أعلم ماذا يفعل الآن لأنني فقدت الاتصال معه، إذن هذا ما يحدث. يبلغ أخي من العمر 42 عاماً.
في سوريا تعتمد الكثير من الأمور على الجماعات الدينية المختلفة، يشكل السنة أغلبية السكان في سوريا، والباقي من الشيعة والعلويين والمسيحيين. ينتمي رئيسنا للعلويين، ويعد العلويون قريبين من الجماعات الشيعية التي تحكم إيران والعراق. تختلف الجماعات عن بعضها البعض، ولكن بالطبع ينتمي السنة والشيعة والعلويون إلى الإسلام. هناك اختلافات بينهم، كما أن هناك اختلافات في المسيحية بين الأرثوذكسية والبروتستانتية والكاثوليكية. يؤمن كل من السنة والشيعة والعلويين برب واحد ورسول واحد، ولكن هناك طرقاً كثيراً للإيمان.
قبل الحرب إذا كان هناك شخص يدرس في الجامعة، فإن الحكومة تعطيه فرصة لإتمام دراسته قبل أداء الخدمة العسكرية الإلزامية، مثلما كان الحال معي، فقد استمررت في الدراسة، وعندما أتممتها التحقت بالعمل كمحامٍ، وذلك قبل الثورة، حيث أنهيت دراستي في عام 2007. بالطبع كمحامٍ استطعت أن أقدم للحكومة أسباباً وجيهة لعدم التحاقي بالخدمة العسكرية الإلزامية لمدة 18 شهراً بشكل فوري. طلبت التأجيل حتى يمكنني الانتهاء مما أفعله، حيث أنني كنت على وشك بدء حياتي العملية، ولكن بعد مرور الوقت استنفدت جميع الأعذار، وحينها علمت أنه لا مفر من أداء خدمتي، ولكن حينها اندلعت الثورة.
لا يمكنك أن تتخيل ما معنى أن تلتحق بالجيش وقت هذه الحرب. إنني بشكل شخصي لست خائفاً من الخدمة في الجيش، ولكنني أعلم أنه لا فرصة لدي في البقاء على قيد الحياة الآن لأنني سنِّي. إن جميع قيادات الجيش السوري التابع لبشار الأسد الآن علويون، ليس بينهم سني واحد. بالطبع سيقولون “لا لا إننا جميعاً سوريون في هذا الجيش،” ولكن هذا لا يعدو كونه مجرد حديث. الواقع هو أنهم يضعون السنة في مقدمة الصفوف وفي قلب الخطر، فإذا قتلت فلا مشكلة، ولكن إن كنت علوياً فإنه لا يمكنك وضع علوي على خط النار، أما إذا ما كنت سنياً فإنك لن تنجو. هذا هو الوضع هناك.
لدي العديد من الأصدقاء الذين ذهبوا لأداء الخدمة العسكرية. بالنسبة لشخص أتم دراسته الجامعية مثلي فإن مدة الخدمة العسكرية الإلزامية حوالي 18 شهراً، لكن العديد من الأشخاص يظلون فيها الآن لمدة سنوات عديدة تصل إلى خمس سنوات. إن هذا يدمر حياة الإنسان. هناك حرب وهناك الكثير من العلويين الذين يجب أن يؤدوا خدمتهم العسكرية، ولكننا نرى أن الواقع غير ذلك. هذا هو الموقف في سوريا.
كيف يمكنني أن أصف ما يحدث؟ لقد انتقلت من حمص إلى دير الزور، لأن الوضع كان خطراً للغاية في حمص. حمص كانت بمثابة وضع خاص، حيث كانت هناك العديد من الجماعات العلوية التي تعيش في حمص، وهي تدعم بشار الأسد. أنا سنِّي من دير الزور، ومدينتي هي ضد بشار الأسد. دير الزور من أوليات المدن التي انتفضت في وجه بشار الأسد.
من النادر جداً أن ترى أي شخص في حمص من دير الزور ومن السنة لأنه بمثابة خطر عليهم، وعلى الرغم من ذلك انتقلت إلى حمص، ومكثت هناك ما بين عام إلى عامين. بالطبع لقد شهدت أشياء كثيرة في الثورة في دير الزور، مثل الكثيرين ممن ذهبوا لرفع الأعلام في التظاهرات، ورأيت الكثير من الناس يُقتَلون ومنهم أصدقائي وجيراني. اتخذ بشار الأسد قراراً بإرسال الجيش إلى دير الزور، وأعطى سكان المدينة مهلة نهائية إما للاستسلام وإما استخدم القوة العسكرية ضدهم. في البداية ظننّا أن هذه مجرد ثرثرة، لم يكن أي شخص يتوقع أن الأسد يمكن أن يستخدم الدبابات والطائرات ضد السوريين، لم يكن أحد ليصدق ذلك، إن هناك الكثير من المدنيين! بالطبع فإن استخدم القوة العسكرية غير ممكن! كان ذلك في 2011 أو 2012.
وبعد ذلك أصبحت حذراً جداً. لدي أصدقاء من العلويين كان والد أحدهم ضابطاً بالجيش. اتصل بي صديقي هذا وهو يعلم أنني في دير الزور، ليخبرني بأنه قلق لأنني في خطر، لذا اتصل بي قائلاً: (“أيمن أرجوك غادر دير الزور لأنه يمكنني أن أخبرك بما سمعته من والدي، إن هناك قراراً حقيقياً باستخدام القوة العسكرية. سوف يستخدمون كل شيء بحوزتهم ضد الناس، لذلك أرجوك أن تذهب، لا يمكنني الحديث على الهاتف.”).
كان هذا بمثابة تحذير بقصد مساعدتي، ولذلك أخذت عائلتي وأمي وإخوتي وتركنا دير الزور، وانتقلنا إلى حلب في الوقت الذي كانت فيه سلمية.
نعم، بعد ما تركت دير الزور ضرب جيش بشار الأسد المدينة بالطائرات والدبابات، كان يمكنك رؤية الدبابات بين المباني وفي الشوارع، نعم لقد رأيت ذلك. ومن كانوا يحاربون؟ كانوا يحاربون شعبهم، ومن الذي يحاربني؟ هذا الجندي الذي هو أخي وصديقي. لا يمكنني الذهاب لقتاله.
خمس سنوات من النزوح: قطع الصلات مع الماضي
ألقى جيش بشار الأسد القبض على كثير من الناس وحاصر دير الزور، لكني كنت قد حصلت بالفعل على تصريح لمغادرة المدينة. أعرف أحد العاملين بالحكومة، وهو الذي تمكّن من منحي تصريح رسمي بالمغادرة. لكن الخوف تملكني لأني كنت مطلوباً للخدمة العسكرية، فقد يلقي الجيش بالقبض علي في أياً من نقاط التفتيش على الطريق، تمكنت من الوصول لحلب بأمان حيث مكثت هناك من أربع لخمس سنوات. كانت المدينة هادئة ومسالمة في بداية الأمر، لكن بعد ذلك امتدت الثورة لتشمل حلب، وبدأت المدينة تنقسم بين مؤيد ومعارض لبشار الأسد، كان هذا في عام 2013.
حاولت بعد قضاء أربع أو خمس سنوات في حلب الانتقال لتركيا، لكني كنت قلقاً، وشعرت وكآني محاصر في هذه المدينة، ولا يمكنني الخروج منها، فإذا خرجت قد يتم التعرف علي في أياٍ من نقاط التفتيش، ويتحتم علي حينها الالتحاق بالجيش. كمسلم سني ليس لدي أي فرصة للنجاة في جيش بشار الأسد، سيرسلوني للخطوط الاولي لحرب لم أرد خوضها، حرب ضد اصدقائي وأخواني.
واجهتني مشكلة أخري تتعلق بالخروج لتركيا وهي إخبار أمي، والتي قد اعتادت على قضاء وقت طويل معي، فقد كانت خائفة، كان لي أخ يصغرني ويدرس الصيدلة بجورجيا، وحين انتهي من دراسته اكتشف أنه يعاني من السرطان، ومات قبل الثورة بعام. تخيل! أمي فقدت ابناً لها من قبل ويتملكها الخوف، فهي لا تتصور فقداني أيضا. كانت تقول إذا قررت الذهاب، قد لا اراك ابداً. لكن بعض أفراد عائلتي أوضحوا لها أن عليها السماح لي بالذهاب، لأن المكوث أصبح أكثر خطراً، وأخبروها انه سيتم القبض علي عاجلاً أو آجلاً، وأي حياة تلك التي أستمر فيها وأنا في حالة هروب دائمة من الناس ومن الحكومة؟
بالطبع عملي كمحامٍ توقف بالتأكيد، لا أستطيع الذهاب للمحاكم، فالشرطة العسكرية دائماً هناك في سياراتهم يفتشون الجميع. يأخذوا بطاقات الهوية أو الأوراق، يفحصونك ويفحصون اسمك على الحاسوب. “أنت مطلوب، تعالَ، لا بد أن تخدم بالجيش.” فقد بدؤوا في الإمساك بالشباب وصغار السن في الشارع وإرسالهم للحرب. هذه ليست طريقة حياة طبيعية.
لكن آجلاً أم عاجلاً سيمسكون بي، أعرف هذا، ولهذا اتخذت القرار بالرحيل من سوريا، أثق أن الله سيساعدني، لدي صديق على علاقة جيدة بضباط الشرطة العسكرية، أمرُ بنقطة التفتيش وبالطبع أدفع مالا حتى أتمكن من المرور، يفحصني الضابط لكني أعطيه المال. كان هذا على الطريق بين حلب وحماه، فقد أردت الوصول لأراضي الجيش السوري الحر، الأراضي التي تقع تحت سيطرة مجموعات معارضة لبشار الأسد. لا أستطيع مغادرة البلاد والذهاب للبنان عبر نقاط التفتيش الرسمية فاسمي على قائمة المطلوبين. إذا أردت الهروب من بشار الأسد سيساعدك الجيش السوري الحر.
أنا في خطر، أخشى أن يتحتم علي المرور بالأراضي الخاضعة لسيطرة تنظيم داعش، كمحام فأنا أيضا مطلوب من قبل داعش، لماذا؟ بسبب عملي، يعتقد داعش أنه إذا كنت تعمل محامياً أو فيلسوفاً أو مدرساً آو كيميائياً، فإنك لا تؤمن بالله. أنت محامي الشيطان، بالنسبة لهم القانون الإلهي هو القانون الأوحد، القانون الذي ندرسه هو ذلك القانون الوضعي، الذي وضعه الإنسان كما يقولون، وليس القانون الإلهي. إذا ألقى داعش القبض على أي محامٍ أو طالبٍ يدرس القانون لديهم الأوامر بقتله في التو واللحظة، لهذا فأنا خائف من المرور بأرضهم. ترى المخاطر التي كنت أواجهها هناك. كنت مطلوباً من الجانبين، بشار الأسد وداعش.
وبالطبع حرقت كل الأوراق التي تثبت أني قد درست القانون. وأخفيت بحرص شهادة الجامعة في حقائبنا. لكن الحمد لله المناطق التي مررنا بها لم تكن تحت سيطرة داعش. كانت تحت سيطرة الجيش السوري الحر. وفي بعض الاحيان كنا نقابل أُناسا من جبهة النصرة. لم يؤذونا فهم مختلفون عن تنظيم داعش ويحاربونه. يقولون إن جبهة النصرة تابعة للقاعدة، لكنها مختلفة تماماً عن داعش. إذا علموا بأنك محامْ فلا مشكلة. هناك العديد من الناس في سوريا من مختلف الجماعات، يريدون السيطرة على مناطق مختلفة أو خلق المشكلات. نفضل المرور حيث تتواجد جبهة النصرة فهم أفضل من داعش بكثير.
إذا قابلت أحداً من داعش لا تستطيع الكلام معه، سيقتلك – بهذه البساطة. يمكنك مناقشة وضعك مع أحد أفراد جبهة النصرة وتستطيع إقناعهم بالسماح لك بالمرور. قد يقول أحد عناصر جبهة النصرة لماذا لا تغطي زوجتك رأسها؟ وقد يقول بعدها “أرجو تغطية شعرك يا أختي، ليس من الجيد ألا تفعلين لأن الله …” وهكذا، فقط هذا لا غير. لكن إذا رأى أحد من داعش زوجتك لا تغطي رأسها، ينتهي أمرك.
أما بالنسبة للجيش الحر فالوضع مختلف، فهم يريدوا محاربة بشار الأسد فقط. ولهذا أفضل المرور بالأراضي التابعة للجيش الحر. فقد ساعدونا، وفي نهاية المطاف وصلنا للأراضي الخاضعة لسيطرة الجيش الحر، لكن كنا مجهدين للغاية، فقد كانت رحلة طويلة.
في الطريق كنا في حافلة، وقد ساعدنا سائق الحافلة كثيراً، ففي كل نقطة تفتيش توقف بها قام السائق بمساعدتنا، فقط عليك دفع الأموال المرة تلو الأخرى لقوات الحكومة. قوات بشار الأسد لا تهتم، فقط قم بإعطائهم المال. تعرف البغدادي زعيم داعش؟ إذا أراد المجيء لسوريا والذهاب لدمشق؟ لا بأس – فقط عليه دفع المال. لا مشكلة – فكل ما عليك هو دفع المال! كما الحال في صربيا، هل تعرف؟
خمس سنوات من النزوح: لن أقاتل في جيش بشار
أتشرف بأداء واجبي وخدمة جيش بلدي، لكن ليس هذا الجيش. هذا الجيش لم يعد يخدم البلد، بل يخدم شخص واحد، هو بشار الأسد. يقتل هذا الجيش الشعب. من هم هؤلاء الذين يقتلهم؟ إنهم أهلي وأصدقائي وجيراني. لا يمكنني القول، “أعطني سلاحاً وسأقتل هذا الرجل.” لماذا أقتله؟ لأنه يعارض رغبة بشار الأسد في البقاء في هذا الجيش.
لا يستطيع أحد تصور أن يعطي الرئيس أوباما أمراُ لشخص ما، للالتحاق بالجيش وقتل أهله، لا يمكن أن يأمر شخصاً من نيويورك مثلاً بأن يذهب ويحارب في أوكلاهوما، لأن الناس في أوكلاهوما يعارضون حكم أوباما. لا يمكن تخيل هذا، أليس كذلك؟ إذا أُمرت بالقيام بذلك فسترفض تنفيذ الأوامر. لكن إذا أمرك الجيش للالتحاق بالخدمة العسكرية لمحاربة كوريا الشمالية، فستذهب بالطبع. فهذا هو واجبنا، أن نحمي وطننا. إن العالم ينطوي على كثير من المخاطر.
أتريد مني أن أقتل أهلي؟ حتى إن كانوا علويين أو شيعة وأنا سني، فلا يهم، لا يمكنني قتلهم. كثير من أصدقائي علويين ومسيحيين، لا يمكنني محاربتهم، لا أقدر، لأنهم سوريون. حتى إذا آذاني أحدهم أو سبب لي المتاعب، لا يمكنني محاربتهم، لا أستطيع. لقد قُتل الكثير من أصدقائي على يد علويين أو شيعة، سمعت بعض أصدقاء آخرين يقولون “سآخذ ثأرهم من كل العلويين،” سمعتُ هذا بنفسي. وحين أتحدث معهم أقول لهم لا، لا يمكنك قتل كل علوي أو كل شيعي، لأن أحداً منهم قتل أصدقائك أو أخاك. لا أستطيع أن أعاقب طائفة كاملة، بسبب ما اقترفه فرد منها. بشار الأسد هو المسئول عن هذه الجرائم، علينا أن نحارب بشار، لا العلويين ولا الشيعة ولا المسيحيين، لا، بل علينا معاقبة بشار، فهو من يغذي العداوة والاختلافات بين السنة والشيعة والعلويين.
عاشت هذه الطوائف لسنوات طويلة جنباً إلى جنب دون مشاكل، يمكنك رؤية ذلك في صوري من الوطن، حيث يوجد في شارعنا كنيسة. في دير الزور وفي حمص كان ضمن جيراننا حوالي 11 أو 12 أسرة مسيحية وثلاث أسر من العلويين، كان هذا هو الحال. لم يشارك المسيحيون في هذه الحرب، فقد اتخذوا قراراً بألا يدعموا أي جماعة، فالمشكلة بالأساس بين العلويين والسنة. تأتي لسوريا جماعات جديدة من الشيعة، لم تكون موجودة من قبل. ليس لدينا الكثير من الشيعة في سوريا، أما معظم الشيعة الذين نراهم الآن في سوريا هم جنود يأتون من إيران ومن حزب الله في لبنان ومن العراق، فقط للقتال لصالح بشار، فمعظم أهل سوريا من السنة، ويمثل العلويين نسبة ضئيلة من السكان.
بالطبع تقبلنا العيش سوياً في سوريا، لم يكن هناك مشكلة. يعارض الكثير من العلويين ما حدث في هذه الثورة، فقد تحتم عليهم قبول حرب علي أساس ديني، لا حرب علي الإرهاب، أو أي شيء آخر. فقد سبب بشار الأسد المتاعب لأهله العلويين. العلويون ليسوا راضيين عن هذا، لكن ليس لديهم فرصة، عليهم مساندة بشار الأسد. هذا هو ما حدث في سوريا.
خمس سنوات من النزوح: غرباء يساعدون في كل مكان
Tags: محرر