Archived: د. محمد مرعي مرعي: فنون صناعة الحروب وتقاسم العوائد.. مأساة سوريا وأمثالها

د. محمد مرعي مرعي: كلنا شركاء

عاشت منطقة  المشرق العربي حروبا مصطنعة كل عقد من الزمن في ( 1948 ، 1956 ، 1967 ، 1973 ، 1982 ، 1991 ، 2003 ، 2011 ) ، ولم تكن تلك الحروب برغبة وأيدي أبنائها بل كانت مفتعلة من القوى الكبرى لغايات اقتصادية ( فرض إنفاق مدخرات دولها على الحروب وشراء الأسلحة) ثم لأهداف (جيوسياسية لتبديل حكام أوتعيين حكام جدد) ، ينفذون ما تطلبه منهم الدول النافذة في العالم ، دون نسيان الأسباب المباشرة المبرّرة لتلك الحروب .

منذ عقود ، انتهت كل الحروب في افريقيا وآسيا وأوربا الشرقية وأمريكا اللاتينية دون رجعة باستثناء المنطقة العربية والشرق الأوسط ، لأنها بحكامها المعادين لشعوبهم يقبلون بإشعال الحروب في بلدانهم للاستمرار بحكمهم تحت شعارات (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة والتحرير والمقاومة والتصدي وغيرها ) التي أصبحت مقزّزة للشعوب العربية .

حققت غالبية دول العالم الثاني ( أوروبا الشرقية عدا روسيا المافياوية) ودول العالم الثالث تنمية اقتصادية ومجتمعية وثقافية وعلمية ملموسة (باستثناء الدول العربية )التي كانت أفضل حالا منها في عقود 1950 -1960 ، وما أنجزته بعض دول البترول العربية هو فورة زائفة بأيدي موارد بشرية خارجية وبأموال معظمها منهوبة من دول أخرى.

يتسائل أي قارئ للتاريخ : لماذا انتهت الحروب في كل العالم عدا المنطقة العربية وما حولها ، إذ تنتهي حرب فيتم اندلاع حرب أخرى من قبل فناني صناعة الحروب ؟  

للإجابة ، قدّر تقرير المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن العام 2002، أن مجموع إنفاق الدول العربية على شراء السلاح يزيد على 70 مليار دولار سنويًا . وجاء في دراسة مركز الخليج للأبحاث أن الإنفاق العسكري التراكمي العربي بين 2000 -2005 ارتفع إلى 353 مليار دولار، منها 70 % في دول الخليج العربي، إذ أتاحت أسعار النفط المرتفعة إمكانية  تمويل مشترياتها من الأسلحة بعد أن تكوَّنت لديها أرصدة ضخمة ، وارتفع نصيب الفرد من الإنفاق العسكري في كافة الدول العربية ، وتراوح العبء العسكري (نسبة الإنفاق العسكري إلى إجمالي الناتج المحلي) في الدول العربية بين (4-13 % ) بينما النسبة في الولايات المتحدة 4 % ، و الصين 2 % و روسيا 3,5 % وأوربا أقل من 1 % .
في المقابل ، كانت نسب الإنفاق على قطاعي التعليم والصحة متدنيَّة جدًا، مع كل انعكاساتها السلبية على معدلات التنمية الإقتصادية وتنمية الموارد البشرية وبناء رأس المال البشري المؤهل لقيادة عملية التنمية، وما يزال النظام التعليمي العربي قاصرًا عن خلق رأس مال معرفي مؤهل لمواكبة تقدم العلوم والمعرفة على غرار ما حقَّقته دول أخرى، والبلدان العربية تعتمد على استيراد كل ما تحتاج إليه من أسلحة وليس بينها دولة واحدة تملك صناعة فعلية للأسلحة ،عكس الدول المتقدمة أو إسرائيل (صادراتها من الأسلحة ( 12 مليار دولار سنويًا.
إن مشتريات الأسلحة في الدول العربية  خاضعة لدوافع وأسباب سياسية خارجية من باب توطيد علاقات حكامها مع دول صناعة السلاح أكثر منها لأسباب تتعلق بتعزيزحماية البلاد من الأخطار الخارجية ، بدليل احتلال اسرائيل وايران أراضي ربع دول العالم العربي  دون رد . 

وذكر خبير أوروبي في صحيفة “هانديلسبلات” الألمانية في 2002، إلى أن زيادة الإنفاق العسكري بنسبة 1 % من إجمالي الناتج المحلي لبلد ما، تؤدي خلال خمس سنوات إلىتراجع قدرات الإقتصاد الوطني بنسبة 0,7 % ، والأخطر من ذلك كله ، هو تدمير رأس المال البشري نتيجة الحروب ، والقضاء على هذا الرأسمال الكامن في أجيال قادمة من البشر والشباب خاصة .

بالختام ، أذكر تجربة ( مركز الدراسات والبحوث العلمية ) بطابعه العسكري في سوريا الذي استهلك طيلة (40 ) عاما ميزانية تزيد 4 أضعاف ميزانية وزارة التعليم العالي بجامعاتها كافة ، وعشرات أضعاف ميزانية وزارة الصحة ، فقط ليصل إلى تصنيع السلاح الكيميائي والصواريخ البالستية ، التي استخدمت حصرا ضد شعب سوريا الذي ثار على حكم آل الأسد ، ولم يستخدم قط لاسترجاع الجولان أو لمواجهة اسرائيل ، بل وكان مدخلا لايران لاحتلال جزء من سوريا .





Tags: محرر