Archived: د. رياض نعسان أغا: خطأ في التشخيص

د. رياض نعسان أغا: الاتحاد

أخطأ طبيب سوريا في تشخيص احتجاجات الشعب وتظاهراته، ولم يجد علاجاً غير ما سماه حلاً أمنياً عسكرياً، فأرسل أجهزة الأمن والشبيحة لقتل الناس على أبواب المساجد التي خرجوا منها أيام الجمع، ولم يكن اختيار الناس للمساجد مكاناً للتجمع وانطلاق التظاهرات قبل خمس سنوات تعبيراً عن ثورة دينية، ولكن لم يكن يتاح للناس مكان آخر يلتقون فيه، وحين بدؤوا يخرجون من الجامعات ومن الساحات لقوا مصيراً أسوأ.

وكان سبب الخطأ في التشخيص أن طبيب سوريا بوصفه حاكماً فرداً توهم من البداية وجود مؤامرة كونية ضده، متجاهلاً أن كل من اتهمهم بالتآمر عليه كانوا أصدقاءه المقربين، وهم الذين سعوا إليه يدعمونه ويقدمون له النصح بالتفاعل الإيجابي مع مطالب شعبه، ولم يكن لأحد منهم مصلحة في حدوث فوضى في سوريا، وليس في خطة أحد منهم دولاً وأشخاصاً أن ينهار نظام الحكم في سوريا، ولم يكن الشعب المتظاهر نفسه قد طالب بإسقاط النظام في البدايات، والوثائق موجودة، فقد كان الشعار الأول «الشعب يريد إصلاح النظام» وكانت الهتافات «الشعب بدّو حرية» ثم تطور الشعار إلى مطالبة بإسقاط محافظ، ولكن حين تصاعدت الهجمة الأمنية على المتظاهرين وسيق الذين تظاهروا إلى المعتقلات بالمئات بالإضافة إلى من قتل منهم، ظهر شعار «الشعب يريد إسقاط النظام». ولم يكن مؤتمر صحارى الذي عقد للحوار قادراً على المتابعة، فالنظام يخشى الحوار ويخاف المواجهة بحقائق لا يستطيع إنكارها، ولذلك كان الحل الوحيد عنده هو الحسم العسكري الذي قاد لاحقاً إلى عسكرة الثورة حين رفض الشرفاء من الجيش أن يقصفوا أهلهم. وعلى رغم أن المعارضة السياسية أبدت استعداداً للتشارك مع من لم تلطخ يده بدم السوريين لإيجاد حل سياسي وفق رؤية مجلس الأمن التي حددها القرار 2254 فإن النظام رفض مضمون القرار الذي ينص على إيجاد هيئة حكم انتقالية، وكانت المفارقة أن يعتبر الأسد وجود هذه الهيئة متناقضاً مع السيادة، مع أن الهيئة المقترحة ستكون سورية محضة، وسيكون فيها من يمثل النظام.

ويبدو أن الخطأ في التشخيص ينسحب على الفهم العام لكل ما يحدث، فالأسد يرى حجم مشاركة الشعب في الانتخابات البرلمانية غير مسبوق، وهو فعلاً غير مسبوق، فلم يحدث في تاريخ سوريا أن هاجر أكثر من نصف شعبها هاربين نازحين في تغريبة فجائعية، وأكثر الباقين هم خارج سلطة الدولة كما في دير الزور والرقة ودرعا وإدلب وريف دمشق والبادية وأجزاء من ريف اللاذقية، وهؤلاء جميعاً لم يشاركوا في انتخابات ولم تعقد عندهم أصلاً.

ومن المفارقات أن يتهم الأسد المعارضة الوطنية بما سماه ضرب الدستور، وإعداد دستور طائفي عرقي، وهو يعلم أن الشعب لم يطلب إلغاء الدستور في مظاهراته، وإنما طلب حذف المواد الدستورية التي ترسخ احتكار السلطة بيد حزب واحد حاكم (المادة الثامنة) وطلب تعديل المواد التي تحدد آليه انتخاب الرئيس وتضمن له الأبدية، وأما الدستور العرقي الطائفي الذي يتحدث عنه فهو من إعداد حلفائه الروس ومعارضتهم المصنعة، ولم تنظر فيه المعارضة الوطنية إطلاقاً ولم تقبل أن تناقشه.

ويبدو من الطرائف أن يتحدث الأسد عن الاستعانة بالغرباء! ربما توهم أن المعارضة هي التي استقدمت «حزب الله» وإيران وروسيا وميلشيات العراق الشيعية والميليشيات الأفغانية وكل من هب ودب مرتزقاً، وربما توهم كذلك أن المعارضة هي التي أصدرت مراسيم العفو عن من يسميهم النظام متطرفين وأخرجتهم من السجون وهي تعلم أنهم سيرفعون شعارات دينية، وأن المعارضة أوجدت «داعش» وأتاحت لها احتلال الرقة والموصل، وصمتت عن تمددها واشترت النفط منها، وطلبت منها أن تقاتل الجيش الحر لتحل مكانه!

وما نحكي عنه راهن ولم يتحول بعد إلى تاريخ بعيد يمكن تزييف حقائقه، وأما الحديث عن المفاوضات وأن الطرف الآخر غير موجود كما قال، فهو يتنافى مع قول رئيس وفد النظام مذ وطئت قدماه جنيف في أول جولة حين أشار إلى «قرآن» لديه تقول فاتحته «لا تفاوض»! وقد أكد عليها النظام بتصعيد القصف على حلب ورفض فك الحصار ورفض دخول المساعدات الإنسانية، ورفض إطلاق سراح المعتقلين ثم برفض الحوار حول هيئة انتقالية، ورفض المفاوضات المباشرة، وهذا ما تجاهله الأسد الذي سبق له أن قال «إن الحديث عن حل سياسي للأزمة أجوف وعديم المعنى».

ومن الطبيعي أن يتجاهل الخطاب كل المعارك التي خاضتها المعارضة ضد التنظيمات الإرهابية وأن يرى معارضيه السياسيين إرهابيين، ولم تكن الشتائم التي وجهها للمعارضة الوطنية ولقادة دول مجاورة لائقة بخطاب رئاسي.

والخطاب يذم المعارضة لأنها لجأت إلى أهلها في البلدان العربية الشقيقة أو إلى جارتها تركيا التي آوت ملايين الهاربين من براميل الموت، ولا يجد غضاضة في أن يرحب باحتلال إيراني وروسي لبلاده، ولا يرى ذلك متنافياً مع السيادة.

لقد تمنيت أن يفتح الخطاب نافذة لرؤية حل سياسي ينهي عذابات السوريين، وكنت أدرك أنها مجرد أمنية.

 





Tags: محرر