Archived: عبد الناصر محمد: المتفوقون يكشفون عن وجه سورية الجميل

عبد الناصر محمد:  كلنا شركاء

في العام 1928، وبينما كان فلاح يحرث أرضه كعادته ، علقت سكة محراثه بحجارة ضخمة ، حاول إبعادها ليكمل عمله ، ليكشف تحتها أن هذه الحجارة سقف لمدفن أثري ، وسرعان ما انتشر الخبر في أرجاء اللاذقية ، فانطلقت أعمال الحفر والتنقيب بقيادة عالم الآثار الفرنسي « كلود شيفر » ، لتظهر نتائج التنقيب في الموقع مملكة من أشهر الممالك السورية في تاريخ الشرق القديم .  يحمل الموقع حالياً اسم رأس شمرة ؛ وسبب هذه التسمية كثرة انتشار نبتة ذات رائحة عطرة تعرف بالشمرة عند أهالي المنطقة .

وقد وجد الرقيم المكتشف في عاصمة « مملكة ماري » القديمة على الفرات وفي القرن الثالث عشر قبل الميلاد . وكان اسم « أوغاريت » معروفاً وقد اشتق من كلمة « أوغارو » ، التي تعني الحقل في اللغة الأكادية ؛ فالموقع يتوسط مساحة كبيرة من الحقول المزروعة حالياً بأشجار الحمضيات المنتشرة في الساحل السوري .

الميزة الأبرز لأوغاريت جاءت من خلال اكتشاف « أول أبجدية » فيها على رقم فخاري محفوظ حالياً في متحف دمشق الوطني ، وحجمه صغير جداً فطوله 5.5 سنتم وعرضه 1.3 سنتم ، وتتألف الأبجدية الأوغاريتية من ثلاثين حرفاً .  « اللغة الأوغاريتية » تتطابق مع الجذور اللغوية العربية التي تظهر في العدد الهائل من الألفاظ المشتركة بين اللغتين ، ويبلغ عدد الكلمات الأوغاريتية الواردة في النصوص المكتشفة ما يقارب « 2768 » كلمة ، يتضمن هذا العددُ أسماءً مختلفة كأسماء الأشخاص وأسماء الأماكن والأعمال .

واكتشفت في المدينة أقدم نوتة موسيقية معروفة في العالم ؛ والمتمثلة بلوحات مسمارية تعود إلى 3400 عام قبل الميلاد ، حتى استطاع المؤلف الموسيقي الثائر الحر « ماك جندلي » أن يعيد توزيعها ويحوّلها عملاً موسيقياً فريداً بعنوان « أصداء من أوغاريت » . وذلك بعد أن أضاف إليها « الإيقاع والهارموني والتوزيع » ، وعزفها على البيانو برفقة فرق موسيقية على أهم المسارح في العالم ؛ وهذه النوتة هي السلم الموسيقي لنشيد زوجة إله القمر .

وفي العصر الحديث وبينما تخرج المنطقة العربية من تحت أنقاض عصور الانحطاط ، وتنفض عنها ركام الاحتلالات المتعاقبة برزت سورية متباهية بإنتاج أول ديمقراطية في المنطقة ، حيث مارس الشعب السوري حقه بانتخاب من يحكمه ، وتشكلت الأحزاب السياسية ، والأنشطة الاجتماعية ، والصحافية والإعلامية والفنية ، كما راجت حرية التعبير التي أتاحت للمواطن الانتقاد حتى لرأس السلطة .  

ثم جاء من بذل قصارى جهده لإخفاء وجه سورية الجميل ، ودفن أكبر طاقة في سورية وهي ذلك « الكادر البشري » المذهل بحيويته ونشاطه وإبداعه .

هو حكم البعث إذن الذي مهّد لسيطرة الأسدين : الأب المقبور ، والابن الموتور ، ومن أبرز ملامح حكمهما : الهمجية والفساد والتخلف ، لذا عملت ديكتاتورية الأسدين على كبت المواهب السورية ، وكتم الطاقات الخلاقة النيّرة . ومارسوا التسلط الذي لم يسمح بأن يأخذ صاحب الأهلية حقه في موقع مرموق يليق بمكانته العلمية . وعلى العكس تماماً فإن سورية – في ظل الأسدين – كانت مقبرة للعلماء والمبدعين والمتألقين .

لكن للأمانة والتاريخ فإن حكم الأسدين أتاح لبعض المتميزين مكانة متميزة ، وشهرة يستحقونا لكن بعد دمغها بختم يحمل اسم الحاكم المتسلط والقائد الرمز والمعلم الأول ، لتبدو المحاولات المتميزة وكأنها منتج أسدي وليست منتجاً وطنياً .

لا عليك أيها السوري فبمجرد أن استنشق الشعب السوري أنسام الحرية – ولو كانت حرورية الهبوب – حتى كشف السوريون عن حقيقة جوهرهم ، وأصالة معدنهم ، وعراقة تمدنهم ، وبدأ أبناء الوطن يسجلون الأرقام القياسية في شتى المجالات ، وخاصة في مجال التفوق الدراسي ، لتأتي النتائج مذهلة ، وكأن السوريين الذين ضاقت أرجاء الوطن عن احتضان إبداعاتهم وجدوا ميادين أخرى لينافسوا فيها ويكشفوا عن وجه سورية الحقيقي ، الوجه الذي حاول الأسدان إخفاءه دون جدوى .

تفوق الطلبة السوريون هذا العام في بلاد اللجوء ، وحصدوا المراتب الأولى في الشهادة الثانوية العامة ، والإعدادية وقي كل مجالات الإبداع ، بعد أن دمر نظام الأسد آلاف المدارس في سورية ، ضمن الحرب التي يشنها على الشعب السوري .  فقد حصلت الطالبة الجبلاوية « بيان لؤي جانودي » على المركز الأول بامتحانات الثانوية العامة على مستوى المملكة العربية السعودية .. وحصلت الطالبة السورية « نادية حبوس » المقيمة في المملكة العربية السعودية على المركز الأول في الشهادة الثانوية العامة القسم العلمي ، ونالت الطالبة السورية « هاجر أحمد قطيفان » المركز الأول في الثانوية العامة – الفرع العلمي – في الامارات . ونالت الطالبة السورية « نور ياسمين » قصاب جائزة التميز بعد حصولها على العلامة الكاملة في الشهادة الثانوية العامة في ألمانيا بدرجة “ممتازة” ، كما حصلت « نور غازي المفضي » على الدرجة الخامسة في الفرع العلمي على مستوى الإمارات العربية . ويذكر أن الطالب « أحمد أنور عامر الدروبي » قد حاز على 100 % بالبكالوريا السعودية وحاز على المرتبة الاولى . وحقق الطالب السوري « محمد كوشك » المركز الثاني على مستوى لبنان في الشهادة الإعدادية . علما بأن الفارق بين المتفوق السوري و نظيره اللبناني بلغ فقط درجة واحدة . والطالب « كوشك » من مدينة داريا .

وفي العام المنصرم تفوق طفل سوري لاجئ وشقيقه على الطلاب الألمان في اللغة الألمانية والدراسة .. الطفل « نجيب ورد » وشقيقه « كريم » ، وبعد 3 شهور من دراستهما حولتهما إدارة المدرسة إلى مدرسة المتفوقين . وفاز « نجيب » بالمركز الأول على الصف الثامن ، ولم يكن تفوقه قاصرا على الدراسة فقط ، بل يتمتع بقدرات رياضية خاصة أيضا . نجيب تحدى كل الظروف ، ووجه الشكر لألمانيا التي استقبلته مؤكدا أنه سيرد لها الجميل . ووجه « نجيب »  لأصدقائه من اللاجئين السوريين رسالة بالألمانية في ختام المقابلة قائلا « لا تتركوا الكتب » .

وحصل الطفل السوري « أحمد » في آذار 2015 والبالغ من العمر 7 سنوات على جائزة [ إمبراطور القراءة ] في مسابقة أمير القراءة ، وذلك بعد ثمانية أشهر من صوله إلى ألمانيا . وقد أثار أحمد إعجاب الجميع في « دار الكتب » فبعد أن جاء منذ أشهر ليتعلم اللغة من الصفر بات الآن قادراً على شرح ما يقرؤه .

هي إذن سورية عندما تكشف عن وجهها الحقيقي ، مع ملاحظة أن السوريين يتفوقون رغم المحن والشدائد .





Tags: محرر