Archived: فؤاد عزام: (كيري ـ لافروف) ..صياغة اتفاق تفاهم الوصاية الروسية على سوريا

فؤاد عزام: كلنا شركاء

كشفت المحادثات التي أجراها وزيرا الخارجية الروسي ” سيرغي لافروف ” والأميركي “جون كيري” في جنيف أمس عن بعض تفاصيل اتفاق التفاهم المتعلق بالقضية السورية والذي توصل اليه الجانبان في موسكو منتصف الشهر الماضي , فيما أشار “لافروف” في المؤتمر الصحفي بعد محادثات الأمس إلى أن الولايات المتحدة وروسيا وضعتا أحد أهم عناوينه في لقاء “كيري”مع الرئيس الروسي ” فلاديمير بوتين “.

العنوان الأبرز لهذا الإتفاق وان بدا هو محاربة الإرهاب إلا أن تفاصيله تحمل عناصر تنفيذية أوضح وهي أن سوريا باتت الآن تحكم بوصاية روسية كثمن دخولها البلاد لمحاربة هاجس الولايات المتحدة الأكبر وهو “التشدد الإسلامي” أو ماتسمه الإرهاب وضمان أمن اسرائيل والنظام السوري معا وقال الوزير لافروف ” اتفقنا على نتائج محددة سنعمل بها مع الحكومة السورية  كذلك سيعمل الامريكيون ايضا بها مع المعارضة  فيما سيستكمل الخبراء من الجانبين مناقشة القضايا الفنية المتعلقة بمحاربة الإرهاب .

الوزير “لافروف” تحدث في المؤتمر الصحفي المذكور كوصي مطلق الصلاحية عن تحليق الطائرات المتعددة الجنسيات في السماء السورية وعدم اعتراض بلاده على ذلك وعن حلب وعن داريا وجرابلس وقاعدة حميميم والمصالحات ومفاوضات جنيف القادمة , فيما اكتفى الوزير ” كيري” ببضع كلمات حول وجوب الفصل بين الفصائل المعتدلة والإرهاب وقال إن  جبهة النصرة غيرت اسمها لكنها لم تغير جوهرها  وهو الانتماء لتنظيم القاعدة ونحن سنتعامل مع جميع المخاطر التي تهدد الولايات المتحدة .

وامتدح ” لافروف” موقف النظام من دخول القوات التركية إلى مدينة جرابلس ووصفه بأنه براغماتي ومعتدل وقال : ” إنه موقف صائب ” وأثنى على اتفاق افراغ مدينة داريا من سكانها وقال ” أنه نموذج يجب أن يتحتذى وأن منطقة أخرى من سوريا أبلغت مركز المصالحة الروسي في حميمي بأنها تريد إبرام اتفاق مع النظام على غرار اتفاق داريا

وفيما كان لافتا انضمام مسؤولين من مجلس الأمن القومي الأمريكي إلى اجتماعات كيري لافروف ” في جنيف والتي استمرت لأكثر من ” عشر ساعات” , فقد شارك في بعض مراحلها أيضا المبعوث الاممي ستيفان ديمستورا  , في إطار ما قالته الخارجية الروسية من أن ” العمل الخاص لاتخاز موقف روسي امريكي مشترك من التسوية في سوريا دخل الآن مرحلة مصيرية وإعلان كيري ” قبيل بدء الإجتماعات أن واشنطن تجري محادثات منذ أسابيع عدة مع موسكو وأنه يأمل أن تكون قد شارفت على النهاية “.

التحضيرات لتنيفذ الإتفاق بدأت عمليا بعيد ابرامه منتصف الشهر الماضي في موسكو ومن بينها الحراك الدبلوماسي المكثف الروسي خصوصا على الساحة الإقليمية حيث حملت جولة الموفد الرئاسي بوغدانوف ” التي شملت طهران وعمان والرياض والدوحة التي التقى فيها بشخصيات معارضة كالشيخ معاد الخطيب واللواء محمد الحاج  , ما يريده الجانبان من هذه الدولة المعنية مباشرة ب”القضية السورية ” فيما التقى المبعوث الرئاسي الأمريكي ” راتني” بوفد من المعارضة السورية ” الإئتلاف ” للغاية ذاتها .

وفي الجانب العسكري ومن بين التحضيرات لتنيفذ اتفاق التفاهم دفعت روسيا بمزيد من قدراتها الاستراتيجية وقامت طائراتها القاذفة من طراز “تو-22 إم 3 ” التي تعد الأضخم في العالم بقصف عدة مناطق سكنية في سوريا كما تعرضت تلك المناطق لقصف مماثل بالصواريخ المجنحة العابرة للقارات من طراز كاليبر والتي دمرت عشرات الأبنية سيما في حي القاطرجي في حلب , وترافق ذلك مع قيامها بمناورات “اختبار قدرة قوات أسطول بحر قزوين على مواجهة الأزمات الطارئة، بما في ذلك المتعلقة بالإرهاب” بالتزمن مع مناورات مماثلة في  البحر الأبيض المتوسط لمجموعة من السفن الحربية الموجودة هناك على أساس دائم مع مجموعة بحرية ضاربة، مؤلفة من سفينتين “سيربوخوف” و”زيلوني دول”، الصاروخيتين المزودتين بصواريخ “كاليبر” أيضاً

وإن بدا اتفاق التفاهم يسير باتجاه حل سياسي في النهاية فإنه استنادا إلى تلك المعطيات والتصريحات سيكون ضمن الرؤية الروسية على أساس وصايتها الكاملة على سوريا مع توكيلها مهمة تنسيق توزيع الحصص ومناطق نفوذ الدول الإقليمية خصوصا وتطويع المعارضة تحت إطار تفاوضي أو مصالحات مع النظام في ظل وجود ” بشار الأسد” ونسف ما تم التوصل إليه في “جنيف 1 ” المتعلق بتشكيل هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات التنفيذية .

وكان ” لافروف” واضحا في تصريحاته بأن الجولة القادمة ستكون بين ما أسماه “جميع أطياف المعارضة ” السورية وبين الحكومة السورية بمعنى أن الإئتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة لم يعد بنظره ممثلا وحيدا للثورة السورية بل أن شخصيات كـ “معاذ الخطيب ” واللواء ” الحاج ” و”تجمعات  ” من بينها معارضة موسكو التي يقودها قدري جميل ومعارضة حميميم التابعة للنظام بالاضافة الى منصة القاهرة ستكون حاضرة في المفاوضات القادمة وهذا بطبيعة الحال سيكون في إطار فرض الحلول التي تريدها موسكو

الفترة القادمة ستحمل تغيرات كبرى مع انكفاء الدبلوماسية الأمريكية نحو الداخل حيث الإنتخابات الرئاسية فيما ستعمل روسيا على فرض واقع  يعزز نفوذها في البلاد أكثر باتجاه محاولة فرض الحل السياسي في اطار اتفاق التفاهم مع الولايات المتحدة الذي تسرعت خطى تنفيذه من خلال محادثات الأمس بين كيري ولافروف .

يبدو إلى الآن وبعد مرور أكثر من خمس سنوات على الثورة السورية أن الرابح الأكبر هو الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وإيران وأن الخاسر الأكبر هو الشعب السوري الذي قتل النظام واعتقل وهجر القسم الأكبر منها  , فقد باع نظام “عائلة الأسد ” سوريا لدول دعمت بقاءه مقابل تحقيق مصالحها القومية في البلاد التي جعلها ساحة للإقتلال بين القوى الدولية والإرهاب والأجهاز على مطالب الشعب في الحرية والكرامة .

ومن الممكن أن يبقى بشار الأسد رئيسا بحماية موسكو وواشطن في المدى المنظور , لكن لايمكن تجاوز إرادة الشعب التي وحدتها ذاكرة الدم والتهجير والإعتقال فاتفاق التفاهم الروسي الأمريكي تمت صياغته في الخارج وسيبقى في الخارج فقد ولى زمن سايكس بيكو مع نهضة الشعوب التي اسقط الطغاة غصن الزيتون من يدها والمرحلة المقبلة ستكون حبلى بالتغيرات الدراماتيكية وستحمل مفاجآت من الممكن أن تكون خارج حسابات ” كيري ـ لافروف ” كما كانت خارج حسابات إيران وحزب الله والميليشيات الطائفية الآخرى التي لملمت جثث قتلاها في حلب وغوطة دمشق وغيرها .





Tags: محرر