on
Archived: د. حبيب حداد: أي مستقبل ينتظر سورية
د. حبيب حداد: كلنا شركاء
ربما كان هذا السؤال بالصيغة التي أوردناها غير معبر تماما عما نقصده من طرح هذا الموضوع , وقبل هذا فقد يكون غير معبر بصورة كافية عن طبيعة وغاية ونتائج عملية الصراع الدامي الذي تعيشه بلادنا اليوم في خضم محنتها الوجودية التي اعقبت اخفاق ثورتها التحررية الوطنية بعد ان تم اغتيال اهدافها وتشويه هويتها من قبل سلطة الفساد والاستبداد من جانب ومن قبل قوى التكفير والتخلف والإرهاب من جانب آخر . لذا فان طرح هذا السؤال بصيغته الحالية قد يعني للكثيرين ان مستقبل سورية ومصيرها القادم متروك لأقدار القوى الخارجية وللإرادات الدولية الفاعلة بعيدا عن ارادة الشعب السوري وحضوره الفعلي و ممارسته لحقه في تقرير مصيره بنفسه . لقد علمتنا دروس التاريخ القريب والبعيد ان مساره لا بد ان يكون في حصيلته في اتجاه صاعد ومتقدم ولو كان هذا المسار حافلا بالعديد من التراجعات والانتكاسات والخيبات التي تمثل مكر التاريخ والتي تتعارض مرحليا مع غاياته الأساسية في احراز المزيد من التقدم والحرية وكل ما يعزز كرامة الانسان . وكان هيغل قد رأى ان كل مايحدث في سياق مسار التاريخ من تطورات واحداث ايجابية أو سلبية له قيمة ومعنى ,وله مايبرره من الناحية الواقعية والمنطقية , أي انه له غاية معينة ,والغائية هنا في رأيه هي الجانب الموضوعي الذي يمثل الضرورة . لكن هذه الضرورة , او الجانب الموضوعي , لا يمكن ان تتحقق أو تفرض نفسها بصورة حتمية ومطلقة فهناك الإرادة الذاتية الحرة للأفراد والشعوب و تأثيرمختلف العوامل الخارجية المعيقة اوالمساعدة التي تفعل فعلها , اي ان حصيلة عملية الإرتباط والتفاعل والتكامل بين الضرورة وارادة الشعوب الواعية والموحدة هي التي ترسم في النهاية صورة المستقبل المنشود .
لذا اذا كان لنا نحن السوريين اليوم وبعد انقضاء هذه السنوات على انطلاقة ثورة شعبنا من اجل صنع البديل الأفضل ,فليس امامنا الا خيار وحيد .والذي لا خيار سواه ,وهو الاصرار على اعادة هذه الثورة الى مسارها الصحيح بوقف فصول هذه المأساة الدامية وفي اقرب وقت ممكن انسجاما منا مع تاريخ امتنا الحضاري الإنساني الذي تمتد جذوره الى آلاف السنين , واستجابة منا للتضحيات الجسام التي قدمها شعبنا على امتداد السنوات الخمس الماضية , تلك التضحيات التي لم يقدم اي شعب آخر نظيرا لها على مذبح الحرية والديمقراطية والكرامة الوطنية واستكمال مقومات الاستقلال ومواكبة قطارالتقدم والحداثة . نعم ينبغي ان لا يغرب عن ذاكرتنا ابدا ان سورية التي تعيش هذه المأساة الوجودية اليوم هي جزء من امة عظيمة اسهمت في الماضي البعيد والوسيط ,مع غيرها من الأمم ,اكبر مساهمة في ارساء القواعد الأولى للحضارة الانسانية المعاصرة . ونحن هنا اذ نستعيد هذه الصفحات الماضية من التاريخ فليس هدفنا الا تعزيز ثقتنا بانفسنا وبقدراتنا الذاتية ,اذا نحن واصلنا مسيرتنا نحو تحقيق اهدافنا بالإتجاه الصحيح . وقد عبرنا عن وجهة نظرنا هذه في كل المناسبات بأن انجازهذه المهمة اي استعادة سورية , النازفة والمغيبة ,لذاتها انما تتطلب منا نحن السوريين وعيا جديدا لواقعنا , ورؤية جديدة لمستقبلنا , وارادة وطنية صلبة جديدة يحتمهامصيرنا الواحد .
وبصدد الأوضاع الكارثية التي وصلت اليها بلادنا اليوم , وبعيدا عن المنهج البوليسي وعقلية المؤامرة في تفسير الأحداث , ورمي المسؤولية كلها على عاتق الأخرين , اي على القوى المعادية لنا , فليس هناك من وجهة نظرنا كي نحدد ونستبين حجم مسؤولياتنا نحن بالذات عما حل بنا من هزائم واخفاقات في حاضرنا وفي ماضينا القريب ,وما هو مطلوب منا لتجاوز هذا الوضع الا ان نستشهد بما كان قد ذهب اليه المفكر القومي التنويري الكبير الدكتور فسطنطين زريق في كتابه معنى النكبة في تشخيص مختلف العوامل والأسباب التي ادت الى اغتصاب فلسطين وفشل الأمة حتى تاريخه في مواجهة المشروع الصهيوني عندما راى فيما يتصل بهذه القضية وغيرها من القضايا الوطنية والقومية أنه لا يكفي ان نكون اصحاب حق وانما الأهم من ذلك أن نكون جديرين باستحقاق هذا الحق ,اي ان نكون بوعينا واستعدادنا الذي يقتضي منا تنظيم مجتمعنا في كافة قطاعاته السياسية والاقتصادية والدفاعية والاجتماعية والتربوية والثقافية في المستوى المطلوب الذي يؤهلنا لانتزاع حقوقنا وتحقيق مطالبنا المشروعة . وقد راى هذا المفكر الرائد ان ذلك هو السبيل الوحيد الذي يوفر الامكانات ويفتح الأفاق للإنتقال من الواقع الدولي الراهن الذي مازال يتحكم فيه منطق الحق للقوة , الى مستقبل أخر يكون في مصلحة الانسانية كلها وحيث تنتصر فيه وتسود قوة الحق وتتوطد مبادئ وقواعدالعدل والسلام .
كما كان المفكر القومي الماركسي ياسين الحافظ قد ركز في سبعينات القرن الماضي على مسالتين اساسيتين تتعلقان بجوانب الخلل والقصور في الفكر السياسي العربي , سواء على صعيد الرؤية والمواقف ام على صعيد الأستراتيجية والممارسة , وكانتا وراء اخفاق وفشل المشاريع النهضوية العربية في تلك المرحلة التي طرحتها مختلف الأحزاب والحركات السياسية والنخب الفكرية او تبنتها الأنظمة الوطنية التقدمية آنذاك . فقد رأى انه بالنسبة للقضية الفلسطينية , القضية المركزية , بالنسبة لدول الطوق على اقل تقدير , وقف الجميع ضد قرار التقسيم الصادر عن الامم المتحدة رقم 181 القاضي بتقسيم فلسطين الى دولتين ,وكان هذا بلاشك الموقف الصحيح الذي ينسجم مع الحق التاريخي والمتصدي للمشروع الصهيوني الهادف الى اعطاء ارض بلا شعب لشعب بلا أرض !!! ولكن مالذي حدث بعد ذلك ؟ عملت اسرائيل ومن وراءها , والتي قبلت قرار التقسيم , على تغيير الوقائع على الأرض بتسريع حملات التهويد وابتلاع الأرض وجلب المزيد من المستوطنين من مختلف انحاء العالم بينما ظل الموقف العربي في مجمله عند حدود الرفض والتمسك بالحق التاريخي ولم يتجاوز ذلك الى سياسة عملية جماعية جادة توفر مستلزمات التحرير او تعزز صمود الشعب العربي الفلسطيني فوق ارضه وخاصة سكان مدينة القدس . وهكذا وبعد استمرار الوضع على هذه الحال خلال سنوات معدودات وجدنا ان القبول بقرار التقسيم هذا من قبل اطراف عدة في الجانب العربي اصبح امرا غير ممكن التطبيق وفي عداد الماضي . وكلنا يذكر ان التصريحات التي ادلى بها الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة اثناء زيارته للقدس الشرقية عام 1964 وطالب فيها العرب بضرورة القبول مرحليا بقرار التقسيم هذا باعتباره من وجهة نظره يمثل الموقف الأصوب , وكيف اندلعت اثر هذا التصريح المظاهرات الحاشدة في العديد من دول المشرق العربي والتي تدين تصريحات بورقيبة وتصفه بالخائن الأكبر بديلا للتسمية التي اطلقها عليه التونسيون وهي المجاهد الأكبر !!! . وتكرر الوضع بعد هزيمة عام 1967 التي نجم عنها احتلال ما تبقى من ارض فلسطين التاريخية واحتلال اراضي ثلاث دول عربية اخرى . وهنا كان الموقف الصحيح ايضا يقضي برفض القرار رقم 242 لاسباب عدة على راسها النظر للقضية الفلسطينية كقضية لا جئين وليس كقضية شعب يكافح من اجل استرداد حقوقه الوطنية , كما ان هذا القرار لم ينص صراحة على ضرورة الانسحاب من جميع الأراضي المحتلة نتيجة هذا العدوان . ولكن ماالذي حدث بعد ذلك ايضا ؟ هل سارت الأنظمة المعنية بانتهاج وتنفيذ سياسات عملية واضحة تعد المجتمع وعلى كل الأصعدة لتوفيرمتطلبات معركة التحرير ؟ كل ما حدث بعد ذلك معروف للجميع اذ تحولت الهزيمة العسكرية الى سلسلة من الهزائم السياسية المتلاحقة التي كشفت هشاشة الأوضاع العربية والتي ادت في محصلتها الى تدميرمرتكزات الأمن القومي وابسط اسس العمل العربي المشترك , وغدا القبول بالقرار 242 اليوم اي في ظل الظروف العربية الراهنة امرا بعيد المنال . وما الأزمة التي تمر بها منظمة التحرير الفلسطينية ومختلف قوى الثورة الفلسطينية والقضية الفلسطينية بصورة عامة الا خير دليل على عمق وخطورة ابعاد المحنة القومية التي تعيشها شعوبنا اليوم .
أما المسالة الأخرى التي ركز عليها ياسين الحافظ وراى انها تمثل جانبا آخر في قصور الوعي السياسي العربي وعدم تطوره بصورة كافية ليكون في مستوى الوعي المطابق لمواجهة تحديات الواقع وقيادة عملية التحرر وتجاوز فجوة الفوات التاريخي باتجاه آفاقها المنشودة , هو ان هذا الوعي ظل في طابعه العام وعيا خطابيا تقليديا منفعلا في مواجهة الوقائع والاحداث المستجدة مشغولا بهاجس ذهنية المؤامرة , اي انه لم يرق الى مستوى الوعي الجدلي التركيبي الذي يتسلح بالمنهج العلمي العقلاني في التعامل مع معطيات الواقع . ولذا فهو لم يستفد من تجاربه السابقة ولا تجارب المجتمعات الأخرى في تراكم المعرفة وما ينبغي لها ان تسهم في تطور بنيته وتجديد قدراته . فالوعي السياسي العربي ظل على الدوام كما اسلفنا وعيا انفعاليا تعبويا حماسيا يفتقر الى الذخيرة المعرفية الموجهة له , فكانه امام كل حدث جديد او طارئ يعود الى نقطة البداية .
لماذا قمنا باستعراض هذه المحطات المفصلية من تاريخ امتنا القريب والمعاصر ؟ قمنا بذلك لقناعتنا بان دروس وعبر هذا التاريخ القريب ما تزال موجودة وفاعلة في حاضرنا المأزوم واننا اليوم احوج مانكون لاستيعاب مدلولات ومقتضيات هذه الدروس والعبر سواء في خطابنا ومواقفنا ام في تضحياتنا اليومية وسعينا الجاد لانقاذ وطننا من محنته المصيرية وتحقيق تطلعات شعبنا في الحياة الحرة الكريمة . وانجازهذه المهمة التي يتوقف عليها مستقبل سورية الذي نطمح اليه جميعا ,سورية الجديدة الديمقراطية المزدهرة التي تستعيد تاريخها وهويتها ورسالتها الحضارية المتميزه ,سورية التي تطوي من حياتها اخر صفحات القهر والاستبداد وتنهي والى غير رجعة كل مظاهر ومصادر التخلف والتكفير والارهاب , سورية هذه هي سورية التي نرنو اليها ونحمل نحن السوريين جميعا مسؤولية بنائها . ولكي نثبت للعالم كله وقبل ذلك ولكي نستجيب لنداء شهدائنا الأبرار لا بد لنا ان نقطع الخطوة الأولى في هذا الطريق الا وهي اتخاذ كل وسيلة متاحة لوقف هذه الحرب الأهلية العبثية المدمرة باسرع وقت ممكن والتعاطي والتفاعل بوعي وايجابية وبموقف موحد مع كل الجهود الدولية المطروحة لبلوغ هذه الغاية .
اقرأ:
د. حبيب حداد: جدل الهوية الوطنية والدين والعلمانية في الدولة الديمقراطية