on
Archived: د. حبيب حداد: صراع الأجيال ومهمة بناء سورية الجديدة
د .حبيب حداد: كلنا شركاء
في خضم المحنة المصيرية الدامية التي تعيشها بلادنا اليوم ,والتي مضى عليها حتى الآن اكثر من خمس سنوت , اي منذ ان تم حرف ثورتها عن مسارها الوطني التحرري ,و اغتيال اهدافها لتتحول الى حرب اهلية مذهبية مدمرة بكل ابعادها الإقليمية والدولية المتوقعة , فان بلادنا تواجه في هذا المنعطف التاريخي الحاسم الذي تفعل في احداثه وتتحكم في نتائجه جملة من العوامل الدولية والمحلية التي اصبحت واضحة ومعروفة لكل متابع موضوعي , تواجه خيارين لا ثالث لهما :اما استمرار هذه الحرب العبثية كي تأتي على ما تبقى من مقومات كياننا الوطني , واما التعاطي بكل الوعي المطلوب والإستعداد اللازم والرؤية السديدة مع الجهود الدولية المكثفة المبذولة من اجل وضع حد لهذه الحرب كخطوة اولى لا بد منها لمواصلة السير على طريق تحقيق اهداف المشروع الوطني الديمقراطي الموحد الذي يجسد تطلعات شعبنا في بناء سورية الجديدة .
واذ ينتظر السوريون بأمل ورجاء كبيرين ان يتم وقف وانهاء لمحنة الدامية وان تنجح اتفاقية وقف الأعمال الحربية الحالية ,فلا يكون مصيرها كسابقاتها , فان هذه المرحلة التي اصبح فيها قرار الحل السياسي للمسألة السورية تحديدا رهن ارادة واتفاق الدولتين المعنيتين أي روسيا الإتحادية والولايات المتحدة الأمريكية , فان هذا الوضع لا يعفينا نحن السوريين وعلى الأخص تشكيلات المعارضة في الداخل والخارج وقوى المجتمع المدني وحتى الأهلي , من تحمل مسؤولياتنا الوطنية بأفضل صيغة ممكنة , وافضل اداء تسمح به ظروف ومعطيات واقعنا ,وذلك يقتضي منا بالتأكيد الإعتماد على انفسنا اولا وما يستدعيه ذلك من ضرورة توحيد جهودنا وقدراتنا الذاتية واستعادة وتصليب وحدتنا المهشمة بفعل قصور وعينا .وذلك كي يمكننا التفاعل بالكفاءة المطلوبة مع القرارات الأممية ذات الصلة والجهود الدولية المبذولة حتى نكفل تقاطعها ولو مرحليا مع اهداف شعبنا الرئيسية وفي مقدمتها المحافظة على الوحدة السياسية والجغرافية –المهددة- لوطننا , وفتح الأفاق نحو انجاز مهمة التحول والتغيير الشامل للإنتقال من واقع الاستبداد والقهر والفساد الى الحياة الديمقراطية الحرة الكريمة .
في سياق عملية الاستعداد الذاتي لإنجاح عملية التفاوض المنتظرة , والأهم من ذلك بالطبع من اجل ان تلعب القوى الوطنية السورية دورها المطلوب في صيرورة التحول الديمقراطي وبناء سورية الجديدة نرى ان من المناسب ان نسلط الأضواء هنا على جانب من جوانب الخلل والقصور التي تجلت حتى الأن في بنية تشكيلات المعارضة ,وانعكست في ممارساتها , وخاصة منها تلك التي تعطي لنفسها حصرا مشروعية و وحدانية تمثيل الشعب السوري . ويتجلى جانب الخلل والقصور هذا في مدى تمثيل المرأة الطبيعي في هيئات تشكيلات المعارضة من جهة ,وفي ما يستخدم من اساليب واجراءات فوقية لا علاقة لها ,من قريب أو بعيد , بأي من الأسس الديمقراطية من جهة ثانية في تمثيل المكونات القومية والثقافية والدينية لشعبنا ,كما يتجلى هذا الخلل البنيوي الفاضح في غياب او تهميش جيل الشباب عن شغل موقعه القيادي المفترض في العملية التحررية والتنموية الشاملة وصنع المستقبل المنشود من جهة ثالثة .
واذا كنا سنولي الجانب الأكبر من حديثنا هذا لمحاولة استقصاء وتشخيص اسباب ظاهرة محدودية تواجد و دور الشباب حتى الآن في المهمتين المترابطتين ونعني بهما مهمة الإنقاذ الوطني ومهمة التحول والتأسيس الديمقراطي لسورية المستقبل ,فلا شك ان المنهج الموضوعي يستدعي منا في البداية تسجيل ملاحظتين الأولى :ان التصدي لمعالجة هذا الموضوع الذي نراه راهنا وملحا لا يعني باي حال من الأحوال اننا اذ نعالج مثل هذه المشكلات الحيوية , التي تتناول واقع جهدنا الشعبي المشتت واجتماعنا الوطني المختل , فانما نتقصد طرح مشكلات قد يراها البعض الآن مؤجلة وليس هذا وقتها ,امام ضرورة المواجهة المباشرة والآنية لوقف شلال الدم ومسلسل الخراب اللذين يشملان كل ارجاء سورية . لكن ما نود تأكيده هنا هوان معالجة هذه المشكلات البنيوية الذاتية في مسار عملية تحرر وتحديث مجتمعاتنا. انما تعتبر في صميم هدف تصحيح واقعنا المتخلف والمريض وفي مقدمة مهماتنا للارتقاء بامكاناتنا وقدراتنا الذاتية ونقلها من حيز الكمون والقوة الى نطاق الفعل والتأثير . فبهذه النظرة الشمولية وحدها نستطيع تعبئة وحشد كل قوى شعبنا الحية وتعزيز دور العامل الذاتي واسترداد قرارنا الوطني المستقل . أما ثاني هاتين الملاحظتين فهي انه وان كانت تلك الظواهر الثلاث ترجع الى جذر خلل عميق واحد يمتد ربما اكثر من قرن من الزمان مقارنة مع بلدان العالم المتقدمة والمتمثل بفشل تاسيس انظمة ديمقراطية حقيقية وبناء دول مدنية حديثة تقود مجتمعاتنا في ركب التقدم الإنساني , بكل مايعنيه ذلك من تعطل وتشوه التظور الطبيعي لتلك المجتمعات وما خلفه استمرار هذا الواقع ,من تغييب حقوق وحريات الأفراد والشعوب , وسيادة الوعي السلفي الغيبي المشدود دوما الى صورة الماضي الزاهر, وهيمنة العقلية الذكورية على صعيد الأسرة والمجتمع , وبقاء الروابط والعصبيات ماقبل الرابطة الوطنية قوية متحفزة, في اللاشعور الفردي والجماعي , اذا كانت تلك الظواهر ترجع الى هذا السبب المشترك فان لكل منها اسبابه الخاصة او الإضافية التي تشجع استمرارها وتضاعف من اخطارها وهذا مايبرر لنا هنا ,كما أسلفنا ان نقصر حديثنا على احداها وهي فقدان التوازن والتواصل الطبيعي فيما يتعلق بدور شبابنا في عملية التطور والنهضة مقارنة بشرائح المجتمع الأخرى بل وتغييب هذا الدور ,كما شهدنا , بعد فترة وجيزة من انطلاق ثورات ما سمي بالربيع العربي .
بداية لا بد من توضيح ان ما نقصده بظاهرة اختلال التوازن الطبيعي في ادوار كل من اجيال الأمس واليوم ,وعدم تواصل حركة الوعي والخبرة والتجديد في المجتمع بكيفية صحية , ليس يعني ان هذه الظاهرة ناجمة عن عدم وجود شرائح عمرية , بحد ذاتها , في هذا الموقع او ذاك وان هذا الوضع هو الذي ادى الى حالة من التصارع العفوي وغير الصحي بين اجيال المجتمع بديلا لمنطق الحوار والتواصل والتكامل , بقدر مايعني وضع اليد على النتائج السلبية التي تركتها ظاهرة انقطاع سيرورة الوعي وتكاملها بين اجيال مجتمعنا والتي ادت الى حالة من الإغتراب في مجال الوعي والرؤية المستقبلية , تلك الحالة التي سنحاول هنا استعراض اهم الأسباب التي ادت اليها ,
معروف ان جيل الشباب في اقطارنا هو الذي كسر جدار الخوف وقاد الحراك الشعبي في الإنتفاضات التي شهدتها تلك الأقطار . ,غير انه لم تمض سوى اشهر معدودات حتى انتهى هذا الدور بفعل عوامل عديدة تختلف من قطر لأخر . وفي سورية بالذات جرى على امتداد السنوات الخمس الفائتة تحديد تلك العوامل والاسباب التي ترجع بصورة رئيسية الى الاسلوب القمعي الوحشي الذي واجه به النظام تلك التحركات والمظاهرات السلمية وما ادى اليه من تصفية العديد من تلك القيادات الشبابية وزج قسم آخر في السجون والمعتقلات واجبار ما تبقى على النزوح والهجرة الى مختلف دول العالم وحرمان بلادنا من عشرات الآلاف ىمن الأدمغة والكفاءات وفي شتى الميادين والمجالات. ومن بين تلك الأسباب أيضا ان تلك الانتفاضات عند انطلاقتها لم تكن تمتلك الرؤية السياسية التي توضح اهدافها النهائية ولا برامج العمل التي ترسم طريق تحقيق مهماتها المرحلية , مما عرض هذه الإنتفاضات التي حملت مشروع ثورات تحررية مجتمعية الى الانحراف عن مسارها بفعل العسكرة والتدخلات الاجنبية , وكان ابرز مثال مأساوي على ذلك ما شهدتها بلادنا بحيث انقلبت تلك الانتفاضة الشعبية من مشروع ثورة انقاذ وتحرر وتقدم لسورية الى حرب اقليمية ودولية تستهدف تدمير سورية .
ان مايطرحه او يتصوره البعض , بين الحين والآخر , من ان احد اسباب تهميش دورشباب سورية في الحراك الوطني الآن يعود الى الى مواقف وعقلية القيادات السياسية التاريخية او التقليدية , المتعمدة سلفا استبعاد اجيال الشباب الذي يفترض فيهم ان يتولوا قيادة هذه المرحلة , ان هو الاطرح خاطئ لا يتفق مع حقائق الواقع الموضوعي التي اتينا على ذكرها كما انه لايساعد على وحدة واستمرارية العملية الوطنية التحررية في مجتمعنا . ان السيطرة الاستعمارية المديدة على بلادنا ومن ثم فشل حركات االتحرر والاصلاح والتحديث , التي كافحت وعملت بعد نيل الاستقلال , فشلها في بناء دول ديمقراطية في مستوى العصر كانت هي السبب الرئيس في استكما مقومات الستقلال والنهضة القومية , الأمر الذي ادى الى اجهاض هذه التجارب لتخلفها انظمة سلطانية مستبدة من بقايا انظمة القرون الوسطى , هذا المسار هو الذي ادى الى واقعنا المعتل الراهن والى انقطاع عملية التواصل والنمو والتجاوزالطبيعي بين مستوى وعي ونوعية نظرة واهتمامات الآباء والأبناء . على كل حال يتطلب الأمر هنا ان نوضح بجلاء اننا اذا حاولنا اليوم تسليط الضوء على ابعاد وخطورة ظاهرة الانقطاع والصراع او عدم التوافق على الكثير من القضايا الرئيسة , بين وعي الأجيال المتقدمة والأجيال الشابة في مجتمعنا السوري فليس دافعنا الى ذلك ان نتوج هذه المقاربة باصدار حكم قيمة وتميز بالنسبة لمستوى وطبيعة الوعي عند هاتين الفئتين كأن نقول ان هذا الوعي هو الأصح او الأقرب الى العلم والعقلانية . ليس هذا هو مانرمي اليه اطلاقا . ومن جهة اخرى لا بد ان نعترف انه لايمكن لنا بمثل هذا الاستعراض الوجيز ان نوفي موضوع ظاهرة الفجوة والإنقطاع والتباين في حصائل وعي الآباء والأبناء في مجتمعا , حقها .فتلك الظاهرة تتطلب دراسة وافية , بكل جوانبها التاريخية والسياسية والاجتماعية والثقافية والدينية وحتى السيكولوجية, من اجل تشخيص اسبابها الحقيقية ووضع الحلول الناجعة لها .
كيف يمكن اذن معالجة مسألة تحمل اجيال الشباب لمسؤولياتهم الوطنية واضطلاعهم بالدور القيادي في تنمية وتقدم مجتمعهم ؟ وكيف يمكن للمراة السورية ان تكسر قيود واغلال التقليد والتهميش كي تقف على قدم المساواة في كل المجالات مع اخيها الرجل ؟ وكيف يمكن لنا ان نتجاوز والى غير رجعة عقلية التعصب واسلوب تمثيل مكوناتنا القومية والثقافية الفوقي والشكلي الذي يقدم صورة بائسة ,عن المستقبل الديمقراطي المشرق الذي ندعي امتلاكنا الوعي والإخلاص لصنعه , والذي يذكرنا بتجارب فاشلة كما هي الحال في لبنان او العراق .؟ . ان هذه الظواهر لا تحل باجراءات شكلية وفوقية حتى ولو اتخذت صيغة قوانين ملزمة . ذلك ان تطبيق هذه الحلول على ارض الواقع يجتاج الى تهيئة المجتمع لقبولها وقناعته الذاتية باهمية الإلتزام بها . وفي هذا السياق نعتقد ان الأخذ بهذه الاتجاهات المحورية لا بد ان يشكل الإطار العام لعملية تهيئة تربة وبيئة المجتمع المطلوبة :
أولا – ان قاعدة الإنطلاق في راينا لتصحيح اخطاء وعلل واقعنا الراهن والانحرافات التي اصابت مسيرة ثورتنا وهددت وجودنا الوطني ,لا بد ان تستند الى العودة الى مشروع الثورة الأساسي ,المشروع الوطني الديمقراطي الموحد , والالتزام به والتوحد حوله من قبل جميع السوريين رجالا ونساء شبابا وشيوخا وبمختلف الوان فسيفسائهم القومية والدينية والثقافية ,بصورة لا لبس فيها ولا مناورة ولا تضليل ,كما تفعل معظم تنظيمات الاسلام السياسي التي تعلن تبنيها لهذا المشروع علانية بينما تسلك عكس ذلك في ممارساتها العملية ,وكما تفعل بعض المجموعات الأقوامية السورية التي تضع حقوقها المشروعة في اطار مشااريع فئوية خاصة تتصادم وتتعارض مع المشروع الوطني العام .
ثانيا – ان نجاح خطط التنمية الانسانية الشاملة في اية دولة , وتواصل سيرورة التطور والحداثة في اي مجتمع ,انما يستدعيان تضافر وتكامل خبرات وكفاءات وجهود جميع اجياله ,وجميع ابنائه دون اي تهميش اواقصاء بكل ما يتطلبه ذلك من توفير الظروف المناسبة واتاحة الفرص المتكافئة لممارسة حقوقهم وواجباتهم .
ثالثا – ان السير في طريق استكمال اهداف عملية التحرر والتقدم المنشود في مجتمعنا ,والوصول الى مصاف الأمم المتقدمة وبصورة طببيعية وصحية ,كما يرشدنا الى ذلك علم الاجتماع السياسي وتجارب الدول المتطورة التي كانت تعيش في مثل اوضاعنا او ادنى قبل حوالي ربع قرن.. يستلزمان ان نعيش في ظل مناخ ديمقراطي حقيقي تسود فيه قيم العقلانية والعلمانية ووحدة المصير الانساني وان تنعكس هذه القيم في مواقف وسلوك مواطنينا وفي الحياة الداخلية لأحزابنا وحركاتنا السياسية والإصلاحية وفي منظماتنا المهنية والنقابية وهيئات المجتمع المدني . اذ باحراز مثل هذه النقلة النوعية في مستوى تقدمنا وتجددنا الحضاري يمكن لنا بكل ثقة ان نحكم على انفسنا باننا استطعنا قهر وتجاوز كل هذه المعيقات والتحديات التي هددت مصيرنا ,واننا انتصرنا كغيرنا من الشعوب الأخرى في رهان البقاء والاستمرار الذي يستند الى معنى وغاية وجودنا في هذا العالم .
اقرأ:
د. حبيب حداد: أي مستقبل ينتظر سورية
Tags: محرر