on
من الصحافة الاسرائيلية: السباق إلى البحر الأبيض المتوسط
كلنا شركاء: معاريف- ترجمة القدس العربي
ممران بريان يشغلان متخذي القرارات في إسرائيل: الاول يشكل مصدرا للقلق والثاني يشكل مصدرا للأمل. والاثنان يتم تحريكهما بناء على نفس الاستراتيجية وهما يتعلقان بالسعودية.
الممر الاول باسم «الهلال الشيعي»، وهو محاولة إيران استغلال الفوضى في سوريا والعراق من اجل اقامة جسر بري بين إيران والمناطق الشيعية في شمال العراق، التي توجد الآن تحت تأثير طهران، وحتى سوريا ولبنان. وبهذا تحقق إيران موطيء قدم ومنفذ إلى البحر المتوسط عن طريق ميناء اللاذقية في المنطقة العلوية.
مثلما كتب هنا في عدة مناسبات، فإن انشاء الممر الشيعي سيسهل على إيران ارسال القوات والسلاح إلى سوريا ولبنان، هذه العملية التي تحدث الآن من خلال القطارات الجوية التي تستخدمها في مطار دمشق. وهذا الامر سيصعب على إسرائيل الحصول على المعلومات الاستخبارية عن قوافل السلاح التي تسير في طريقها وتشويش حركتها من خلال القصف الجوي الذي نسب اليها في السنوات الاخيرة. وهذا الممر يشير ايضا إلى مناطق تأثير إيران والخريطة الاقليمية الاستراتيجية. وبهذا يمكنها انشاء طرق بديلة لتعزيز قوة حزب الله، بما في ذلك القدرة على انتاج وتطوير الصواريخ في لبنان.
جميع من لهم صلة بالحروب في سوريا والعراق يستعدون لليوم التالي، اليوم الذي سيتم فيه القضاء على داعش وعلى فكرة الخلافة الإسلامية الجغرافية. إن جهود اقامة الخلافة البديلة في اماكن مختلفة في العالم ـ المكان المطروح الآن هو الفلبين ـ ستستمر. وإلى جانبها ستستمر محاولات المتطرفين الإسلاميين لتنفيذ العمليات في الغرب. فليس ممكنا قتل فكرة ايديولوجية. ولكن عندما يستكمل الجيش العراقي احتلال الموصل، والمليشيات الكردية تقوم باحتلال الرقة «عاصمة الخلافة الإسلامية» سينشأ واقع جديد من شأنه أن يسقط مثل ثمرة ناضجة في أيدي إيران برعاية روسيا.
الضغط الامريكي فقط يمكنه منع ذلك. ولكن ليس من الواضح ما هو موقف الولايات المتحدة، هذا اذا وجد موقف أصلا. في التصريحات الرسمية تزعم واشنطن أن تدخلها في سوريا والعراق له هدف واحد وهو هزيمة داعش. وقد سمعنا ذلك بوضوح في هذا الاسبوع من قادة في الاسطول الامريكي اثناء زيارة المراسلين الإسرائيليين لحاملة الطائرة «جورج بوش» التي رست في ميناء حيفا.
بغض النظر عن امكانية تحليل موقف ادارة ترامب، يدور جدال قوي بين معسكرين حول هذا الامر. الاول برئاسة وزير الخارجية الامريكي ريكس تلرسون، ويبدو ايضا وزير الدفاع جيمس ماتيس، الامر الذي يعتبر أن دور الولايات المتحدة يجب أن ينتهي في اللحظة التي ينتهي فيها داعش، وأنه يجب افساح المجال لروسيا كي ترسم مستقبل سوريا. معسكر آخر بقيادة عدة موظفين رفيعي المستوى في مجلس الأمن القومي يحاول اقناع ترامب بأنه يجب على الولايات المتحدة لعب دور ناجع في سوريا ومنع تحولها إلى منطقة تأثير لروسيا وإيران.
إسرائيل تفضل بالطبع استمرار واشنطن في لعب دور حاسم في سوريا، ايضا بعد انتهاء المعارك، وأن تمنع بشكل خاص الوجود الإيراني أو المليشيات التابعة بها ومنها حزب الله قرب الحدود في هضبة الجولان. ولكن ليس من الواضح ما هي الجهود التي يبذلها المستوى السياسي والامني في إسرائيل من اجل التأثير، ولو بشكل غير مباشر، على الخطوات الدبلوماسية المتعلقة بمستقبل سوريا، والتي تحدث في نفس الوقت في عدة اماكن في العالم. إسرائيل قامت بابعاد نفسها عن المشاركة في المحادثات التي تجري في كازاخستان، وقررت عدم المشاركة ايضا في المحادثات التي تجري بين الاردن والولايات المتحدة وروسيا حول اقامة مناطق أمنية في جنوب سوريا، ليس بعيدا عن الحدود مع إسرائيل.
هذا الموقف يقوده وزير الدفاع افيغدور ليبرمان، الذي أكد على ذلك في لقاء له مع المراسلين في هذا الاسبوع. صحيح أن ليبرمان قال إن إسرائيل لن توافق على أي اتفاق يبقي الاسد بشكل شرعي، المسؤول عن قتل 600 ألف شخص وعن استخدام الغاز. «ممنوع أن نوافق على اتفاق يسمح ببقاء المحور الشيطاني»، لكنه أكد على أن غياب إسرائيل عن النقاشات لن يضر بمصالحها الحيوية: «أي اتفاق يناقض مصالحنا لن يكون ملزما لنا. نحن لن نوافق على تدخل إيران أو حزب الله».
موقف وزير الدفاع راسخ ايضا، حسب اقواله، في الاعتراف بحدود قدرة إسرائيل. «ممنوع أن نطور جنون العظمة. اللعبة هي الآن بين روسيا والولايات المتحدة»، قال وزير الدفاع للمراسلين. «هناك مصالح دولية لا يمكننا التأثير فيها». وأضاف ليبرمان بأنه بدون مشاركة إسرائيل في المحادثات «لدينا القدرة على ايصال رسائلنا ومواقفنا ونحن نقوم بالتحدث مع جميع الاطراف».
هناك من يعتقد في المؤسسة العسكرية والامنية أن موقف ليبرمان من شأنه أن يضر بمصالح إسرائيل الحيوية. ويذكرون في هذا السياق القول المأثور حول الشرق الاوسط «اذا لم تشارك في أكل الوجبة فقد تكون أنت الوجبة نفسها».
موقف ليبرمان يعتمد ايضا على حقيقة أنه اضافة إلى إسرائيل، فإن لإيران الكثير من الأعداء في الشرق الاوسط. ومعظم العالم العربي السني يخاف منها ويعاديها. وعلى هذه الخلفية، واعتمادا على القول القديم «عدو عدوي هو صديقي»، هناك تقارير في وسائل الاعلام الاجنبية تقول إن العلاقة بين إسرائيل والسعودية تعززت في السنوات الاخيرة. واذا كان هذا الامر صحيحا، فإن هذه العلاقة هي التي تحرك اقامة الممر البري الثاني. وبشكل رسمي، إسرائيل والسعودية توجدان في حالة حرب، اضافة إلى جيوش عربية اخرى، ارسلت السعودية جيشا صغيرا شارك في حرب الاستقلال في العام 1948، وفعلت ذلك ايضا في حرب الايام الستة. وفي العام 1973 قامت بفرض حصار النفط على الولايات المتحدة وغرب اوروبا في محاولة للمساعدة في جهود الحرب لسوريا ومصر.
ولكن منذ بداية الثمانينيات بدأ يحدث تحول في موقفها من إسرائيل والموضوع الفلسطيني. الكلمات المفصلية لفهم سياسة السعودية الخارجية هي «الأمن» و»الاستقرار»: يمكن اعتبار الصهيونية معتدية، لكن في نفس الوقت يمكن ايجاد مصالح مشتركة. لهذا ليس غريبا أن السعودية تقف من وراء مبادرات وخطط لانهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. الخطة الاولى من هذه الخطط كانت مبادرة الملك فهد في العام 1998 عندما كان وليا للعهد، التي طالبت إسرائيل بالانسحاب من جميع المناطق، بما فيها القدس العربية، والاعتراف بحق العودة أو دفع التعويضات لمن لا يريد العودة. وبند آخر كان بمثابة الاعتراف بإسرائيل قال إنه من حق جميع الدول في المنطقة العيش بسلام. وإسرائيل برئاسة رئيس الحكومة مناحيم بيغن رفضت هذه المبادرة.
بعد مرور عشرين سنة على ذلك بادرت السعودية إلى خطوة سياسية اخرى. وقامت بطرح خطة وضعها الملك عبد الله عندما كان في حينه وليا للعهد. وتحدثت الخطة عن تطبيع العلاقات ولم تذكر مشكلة اللاجئين. تبنت الجامعة العربية المبادرة السعودية، لكنها أدخلت عليها بعض التعديلات. ولكن إسرائيل تجاهلت هذه الخطة. ورغم ذلك بقيت مصالح الدولتين متشابهة وتعاظمت من حول المصلحة الاساسية المشتركة: منع إيران من الحصول على السلاح النووي وكبح جهودها من اجل السيطرة الاقليمية.
على هذه الخلفية، وبناء على تقارير اجنبية، التقى موظفون إسرائيليون رفيعو المستوى مع موظفين سعوديين في السابق. ونشرت وسائل الاعلام في السنوات الاخيرة أن عددا من رؤساء الموساد المسؤولين عن العلاقات السرية مع الدول والحركات التي ليس لها علاقة علنية مع إسرائيل، قاموا باجراء محادثات مع شخصيات سعودية كثيرة.
في هذا السياق نذكر اسم الامير بندر بن سلطان، الذي كان حتى ما قبل بضع سنوات رئيس الاستخبارات ورئيس مجلس الأمن القومي. الامير بندر يعتبر العدو الاكبر لإيران. وفي المقال الذي نشرته «الغارديان» عنه قبل بضع سنوات كتب أنه بسبب عدائه للجمهورية الإسلامية الشيعية «أيد العلاقات مع إسرائيل». ووثائق «ويكيليكس» تؤكد على ذلك ايضا.
حسب مصادر اجنبية، جرى لقاء بين رئيس الموساد السابق مئي ردغان واشخاص من السعودية. وتحدثت وسائل الاعلام الاجنبية عن أنه في 2007 جرى لقاء سري بين رئيس الحكومة السابق ايهود اولمرت والامير بندر بن سلطان. وفي احد التقارير جاء أن إسرائيل بحثت مع السعوديين امكانية تحليق طائرات سلاح الجو الإسرائيلي في سماء السعودية اذا قررت إسرائيل مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية. دغان، خلافا للانطباع الذي نشأ في اوساط الجمهور، خاصة بعد استقالته في 2010 وحتى وفاته في السنة الماضية، لم يعارض مبدئيا الهجوم الإسرائيلي. وفي الاحاديث التي جرت معه أكد على أن الضربة العسكرية يجب أن تكون الخيار الاخير «أي عند وجود السكين على الرقبة».
اذا كان صحيحا أن دغان وشخصيات إسرائيلية اخرى قد تحدثت عن التحليق في مجال السعودية الجوي، فإن لذلك أهمية في هذه الايام، حتى لو في سياق مختلف.
رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وليبرمان ووزراء آخرون يتحدثون عن العلاقة بين إسرائيل والعالم العربي السني. ولكن كل واحد يعرف من يقصدون. يمكن القول إن كل مصادقة أو ذكر لعلاقة معينة ستحرج الحكومات. وهناك الكثير مما ينشر خارج البلاد، ومن ضمنها «انترناشيونال أون لاين»، حول زيارات رجال اعمال إسرائيليين لدولة الامارات، وأن قطر هي الوسيطة بين إسرائيل وحماس، وعن التجارة الامنية مع أبو ظبي، وتم في الماضي الحديث عن زيارة رئيس الموساد افرايم هليفي لسلطنة عُمان. وحسب وثائق «ويكيليكس» فإن الموساد يتعاون مع البحرين. ويضاف إلى كل ذلك التقارير حول بيع تكنولوجيا الهاي تيك والسايبر والخدمات الامنية المتعددة.
هنا يدخل إلى الصورة الممر البري الثاني: فكرة وزارتي المواصلات والاستخبارات برئاسة إسرائيل كاتس، اقامة شبكة سكة حديد تربط إسرائيل مع العالم العربي. حسب خطة الوزارة، خط القطار من حيفا إلى بيسان تتم اطالته بـ 12 كم حتى جسر الملك حسين على معبر الحدود مع الاردن. اضافة إلى ذلك هناك خطة لشق طريق من العفولة باتجاه معبر الجلمة في جنين. ربط سكة الحديد مع الاردن ومع السلطة الفلسطينية سيمكن من نقل البضائع من هناك مباشرة إلى ميناء حيفا وبالعكس، وليس فقط بالشاحنات مثلما يحدث اليوم. المرحلة الثانية حسب وزارة المواصلات هي أن يقوم الاردن بوضع سكة من مدينة اربد باتجاه الحدود في جسر الملك حسين. وبهذا تكون هناك قطارات مباشرة من إسرائيل إلى الاردن ومنه إلى باقي العالم العربي: العراق، السعودية وحتى الامارات. وتحدث موظفون إسرائيليون عن ذلك قبل ثلاث سنوات مع موظفين اردنيين، لكن لم يحدث أي تقدم. ومؤخرا تم استئناف النقاش في هذا الامر.
اليوم يتم بناء ميناءين جديدين في حيفا وأسدود، وأحد الخيارات التي يتحدث عنها كاتس هو تأجير ميناء حيفا القائم حاليا لجهة دولية، تقوم ايضا بتشغيل خط القطار إلى الشرق، الامر الذي سيسهل على تطبيق المبادرة، من الناحية الاقتصادية والسياسة ايضا. الأمل هو أن تقوم الشركات الامريكية بالمنافسة على العطاء المستقبلي حول هذا الامر، مع أن الوزير كاتس خاب أمله بسبب عدم وجود اهتمام للامريكيين بالأمر.
وثيقة رسمية في وزارة المواصلات باسم «سكة السلام الاقليمية» تعتبر أن إسرائيل «جسر بري» وأن الاردن «مركز». وحسب الوثيقة «ستساهم المبادرة في تحسين اقتصاد إسرائيل وستعزز الاقتصاد الضعيف في الاردن وستربط إسرائيل مع المنطقة وتزيد من قوة المعسكر البراغماتي في مواجهة الخط الشيعي». حسب هذه الوثيقة، الشراكة الاقليمية حيوية لأن «الحرب في سوريا والعراق أضرت بالطرق البرية واغلقتها». ويمكن أن تكون إسرائيل بديلا لذلك. اضافة إلى ذلك فإن انتشار إيران يضع «تهديدا للمسارات المائية» بسبب نشاطها في الخليج العربي ومضائق هرمز ومضيق باب المندب في المحيط الهندي، حيث إن الحوثيين في اليمن يحاولون السيطرة عليه.
سكة حديد
من الآن، بدون أي صلة مباشرة لسكة الحديد، يتم ارسال البضائع في اتجاهين، من إسرائيل إلى العالم العربي ومن الدول العربية إلى إسرائيل. الحديث يدور عن منتجات زراعية (التمور للعراق) ومواد استهلاكية ووسائل ري وغيرها. وتأتي من دول الخليج مواد اولية من الصناعات البتروكيماوية لمصانع البلاستيك في الغرب. وقد قيل في السابق إن هناك نفط من السعودية يمر في إسرائيل. معظم الصفقات تتم من خلال طرف ثالث: تجار ورجال اعمال من السلطة الفلسطينية والاردن وقبرص وكردستان. ولكن هناك صفقات تتم مباشرة.
تحدثت صحيفة بريطانية مؤخرا عن وجود اتصالات لتمكين طائرات «العال» من دخول المجال الجوي السعودي اثناء توجهها إلى الشرق الاقصى. وبهذا يتم تقليص مدة الرحلة. ولكن المصادر المطلعة تعتقد أن الرياض غير ناضجة بعد لخطوة كهذه، التي تعتبر مثابة تطبيع للعلاقة مع إسرائيل. وطالما أنه ليس هناك تقدم في العملية السلمية مع الفلسطينيين، فعلى أغلب الظن سيتم السماح لشركات الطيران الاجنبية بالقدوم إلى مطار بن غوريون من خلال المجال الجوي السعودي. احدى هذه الشركات هي شركة «إير انديا» التي زار رئيس حكومتها إسرائيل في هذا الاسبوع، وناقش ايضا موضوع توسيع التعاون بين الدولتين في مجالات كثيرة.