من الصحافة الاسرائيلية: محط أنظار القوى العظمى

كلنا شركاء: هآرتس- ترجمة القدس العربي

في الجزء الشرقي من سوريا، بعيدا عن حدود إسرائيل، يتم تسابق الزمن. المعسكرات المتخاصمة تتنافس فيما بينها على الغنائم التي تركها داعش بعد انسحابه إلى ما وراء الرقة، عاصمة الخلافة، التي تمت اقامتها قبل ثلاث سنوات فقط. المقاطعة التي تسمى على اسم مدينة دير الزور، وخاصة المعابر الحدودية القريبة باتجاه العراق، يريد النظام السوري السيطرة عليها بمساعدة ايران والمليشيات الشيعية، ومنظمات المتمردين ايضا تريد السيطرة عليها بدعم الولايات المتحدة.

دير الزور انتقلت من أيدي داعش إلى أيدي النظام على مدار الحرب الاهلية. وفي يوم الاحد قصفت ايران المنطقة بسبعة صواريخ من طراز «ذو الفقار»، حيث اخطأت خمسة منها هدفها. هذا القصف تم ردا على العملية المزدوجة التي نفذها داعش في طهران في 7 حزيران الحالي. واذا كان اسم دير الزور يقول شيئا للجمهور في إسرائيل، فهذا يرتبط كما يبدو بالقصف الجوي الذي حدث في المنطقة في أيلول 2007. في الاسابيع الاخيرة يعاني السجين اهود اولمرت ـ رئيس الحكومة الذي أمر بقصف المفاعل النووي السوري، مثلما قال الرئيس بوش في مذكراته ـ يعاني من ملاحقة السلطات الاستثنائية والتي لا حاجة اليها على خلفية الخلاف في وصف الاحداث الامنية السرية في مسودة سيرته الذاتية.

في الوقت الذي تتقدم فيه القوات الكردية والسنة بدعم أمريكي باتجاه معركة الرقة، أسقطت الولايات المتحدة طائرة لسلاح الجو السوري وطائرتين بدون طيار من صنع ايران، قام بتشغيلها كما يبدو حزب الله. هذه الاحداث الاولى من نوعها تمت عندما اقتربت الطائرات بشكل خطير من مواقع المتمردين، الذين يعملون بمرافقة مستشارين ووحدات خاصة في الجيش الأمريكي. هذا تعامل أمريكي نمطي: توجد الآن مهمة واحدة ـ هزيمة داعش ـ ومن يزعج أو يشوش ذلك سيتلقى الضربة دون التفكير مرتين. اسقاط الطائرات دفع موسكو إلى الاستنكار بغضب. ولم يكلف الروس انفسهم عناء الرد بنفس الطريقة عندما ارسلت ايران صواريخها إلى المنطقة.

توجد لطهران طرق اخرى للانتقام من داعش لو أنها ارادت ذلك. في شرق سوريا هناك ما يكفي من القوات التي تعمل بتوجيه منها، والتي يمكنها انزال ضربة مؤلمة بالتنظيم، لكن ايران بحثت عن خطوة مدوية اكثر ـ اطلاق صواريخ متوسطة المدى في المنطقة، منذ انتهاء الحرب الايرانية ـ العراقية قبل ثلاثين سنة كانت الرسالة للولايات المتحدة والسعودية وإسرائيل واضحة: نحن هنا وخطواتنا مدوية. اللهجة الايرانية القتالية مدعومة ايضا بعمليات برية: حركة المليشيات الشيعية على جانبي الحدود العراقية السورية، والتي حسب الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية تتم كجزء من محاولة ايجاد ما يشبه الممر البري من طهران حتى بيروت.

ما زالت الولايات المتحدة مترددة في كيفية الرد على الثقة الايرانية الزائدة. وحسب التقارير الواردة من واشنطن، فان وزير الدفاع ماتياس ومستشار الامن القومي ماكماستر يعتبران ايران المصدر الاساسي لمشكلات المنطقة، ويحاولان اقناع الرئيس ترامب باتباع خط متشدد اكثر، بالافعال وليس فقط بالاقوال. حسب التحليل الإسرائيلي فان ترامب ما زال يركز على الصراع ضد داعش، حيث يعتبره مصدر خطر العمليات في الغرب. ويدرك الرئيس ايضا أن هناك امكانية لتحقيق انجازات عسكرية سريعة في الفترة التي يجد فيها صعوبة في تحقيق انجازات أولية في السياسة الخارجية. ايران تعتبر تحدي أكثر تعقيدا، لا سيما أن التصادم معها قد يسبب توتر آخر مع روسيا.

الخط المتشدد الذي تتبعه السعودية في محاولة لكبح تأثير ايران يرتبط بزيادة قوة الامير محمد بن سلمان، الذي تم الاعلان رسميا في هذا الاسبوع بأنه سيكون ولي العهد للمملكة. هذه الخطوة، خلافا لعدة تطورات اخرى في الاشهر الاخيرة، لم تفاجيء الاجهزة الاستخبارية الغربية. والمتضرر الاول من التشدد السعودي هو دولة قطر، حيث أن السعودية تستمر في حصارها وتطلب منها الانفصال عن ايران الشيعية من جهة، وعن حركة الاخوان المسلمين السنية من جهة اخرى. وقد عادت السعودية في هذا الاسبوع وطلبت من قطر التنصل من حماس. وهذه أنباء سيئة لقطاع غزة، الذي يختنق تحت ازمة الكهرباء مع فقدان حماس لمصادر الدعم الاخيرة في العالم العربي.

 

حلم جعفري

إسرائيل مثل شريكتها القريبة، الاردن، قلقة من امكانية نشوء افضلية حاسمة بالتدريج لمعسكر الاسد في سوريا. انتصار النظام سيكون انتصارا لايران وحزب الله، ومن شأنه أن يؤدي إلى انتشار المليشيات التابعة لطهران قرب الحدود مع الاردن ومع إسرائيل في هضبة الجولان. رئيس الاركان غادي آيزنكوت قال في خطابه في هرتسليا في هذا الاسبوع إن طموح ايران الايديولوجي هو تطبيق لحلم «عودة الجعفري»، على اسم قائد حرس الثورة الجنرال علي الجعفري ـ خلق نظام اسلامي عالمي.

هذا الحلم هو حلم بعيد عن التحقق، لكن خطاب رئيس الاركان جعل ايران مشكلة اقليمية رقم واحد: دولة قوية تسعى إلى توسيع تأثيرها، وتسلح بعد ذلك الخصم الاساسي لإسرائيل، حزب الله. وقد ذكر آيزنكوت الصراع الداخلي الذي يجري في ايران بين المحافظين والمعتدلين، والهزيمة التي تلقاها المحافظون في الانتخابات البلدية الاخيرة. وقال إن العالم يجب أن ينقذ ايران من نفسها. هزيمة داعش مهمة، لكن ابعاد الجعفري ومقاتليه عن سوريا ليس أقل أهمية. ايران هي المشكلة وليست الحل.

إن موقف رئيس الاركان من ايران كان سيمر بامتياز حتى لدى المراقب الشكاك في شارع بلفور. ويمكن أنهم كانوا سيوافقون لجنود آيزنكوت الذهاب إلى البيت في يوم السبت. مشاركون اجانب في المؤتمر تساءلوا عن الفجوة بين خطاب آيزنكوت وخطاب سلفه بني غانتس قبل بضع سنوات.

كان يبدو في حينه أن غانتس بذل جهدا كبيرا من اجل طرح موقف معتدل أكثر تجاه ايران مقارنة مع التحذيرات المتشددة لرئيس الحكومة نتنياهو.

هناك تفسير واضح للتغيير. غانتس تحدث في ذروة الخلاف بين المستوى المهني (الجيش والموساد والاستخبارات العسكرية) وبين نتنياهو حول قصف المنشآت النووية في ايران. وكان مهما بالنسبة له بشكل علني ايضا منع التصعيد في التصريحات امام ايران. في ذلك الجدل وقف آيزنكوت بالضبط في المكان الذي وقف فيه غانتس، لكن الجدال انتهى.

اتفاق فيينا الذي أوقف المشروع النووي الايراني للسنوات القادمة، هو حقيقة خالصة. وفعليا، لا نتنياهو ولا ترامب يعملان على تفكيكه. في ظل هذه الظروف هناك موقف واحد للحكومة والاجهزة الامنية. التآمر الايراني الاقليمي هو تهديد مركزي يجب العمل ضده.

في الساحة الفلسطينية، دافع آيزنكوت عن قرار الكابنت عدم التدخل في ازمة الكهرباء بين السلطة وحماس في القطاع، وقال إن لإسرائيل مصلحة في أن تحصل غزة على الكهرباء بشكل كامل، لكن لا يمكن حل المفارقة التي يطلب منها فيها تمويل الكهرباء في الوقت الذي تقوم فيه حماس بتخصيص الموارد الاقتصادية لحفر الانفاق الهجومية ضدها. وقال إن على حماس التقرير اذا كانت هي سلطة مسؤولة في غزة أم أنها «منظمة ارهابية تنظر فقط من خلال فتحة النفق».

لقد صمم آيزنكوت على موقفه بأن الامتناع عن العقاب الجماعي في الضفة الغربية، ردا على موجة العمليات التي بدأت في تشرين الاول 2015، كان سياسة صحيحة: الميول البافلوفية لفرض الحصار ومنع خروج العمال لم تساعد، قال. ووجه اقواله بشكل غير مباشر للحكومة التي طلب بعض وزرائها اتخاذ خطوات كهذه، ولم تطبق بسبب تحفظ الجيش.





Tags: أمريكا, إيران, سوريا, صحافة أجنبية, نظام بشار الأسد