رامي زين الدين: (غرابيب سود).. استخفاف بالعقول وترويج لأكاذيب (جهاد النكاح)!

رامي زين الدين: كلنا شركاء

لا يمكن إنكار أهمية الدراما في تناول المشكلات المجتمعية، ومحاولة تشريحها وزيادة الوعي حولها، بيدّ أن حساسيّة القضايا الشائكة، كالتطرّف مثلاً، تصيب بعض الأعمال المتلفزة، بأخطاء وثغرات تعيقها عن تحقيق هدفها المنشود، بل وتجعلها تقدم صورةً مغايرةً ومشوّهةً عن الواقع.

المسلسل التلفزيوني “غرابيب سود”، أحد الأعمال الرمضانية التي أثارت الكثير من الجدل منذ بداية عرضها، حيث يؤخذ عليه إبرازه لجرائم تنظيم داعش الإرهابي وأفعاله الشاذة والمشينة بشكل استعراضي وسطحي، وكأنّ مجرّد تقديمها والمبالغة فيها كافٍ لعلاج داء التطرّف الخبيث الذي يعصف بمجتمعاتنا. مشكلة تلك الأعمال أنها تقع في فخ السطحية بأحداثها ونصوصها، وتسقط في هوة المبالغات والمغالطات الفجّة.

إرهاب أحادي الجانب

القفز على الوقائع هو العنوان الأبرز لمسلسل “غرابيب سود”. وعلى سبيل المثال، تناوله لمسألة التطرف من زاوية واحدة وكأنها محصورة بالطائفة السنّية فقط، بينما في الواقع هناك الكثير من العنف، _وليس كله بطبيعة الحال_، نشأ وينشأ كردِّ فعل مضاد على عنف ديني يخرج من عقائد أخرى. كالتطرّف الصريح  لدى الميليشيات الشيعية المنتشرة في العراق وسوريا. (بينما أكتب هذا المقال يتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقطعاً حديثاً لـ أبو عزرائيل ، الذي يتزعّم ميليشيا تقاتل تحت رايات “الثأر لزينب والحسين”، وهو يحرق لحية عنصر مقتول من تنظيم داعش في مشهد تقشعرّ له الأبدان لهول العنف الذي يحتويه). هل يخفى على أحد الصراع الدموي بين التنظيمات السنّية والشيعية المتطرّفة؟. أليس الأجدر بالدراما أن تتناول كافة أشكال التطرّف بشكل عقلاني وحيادي؟، بدل تجاهل بعضها والتركيز على الآخر، وهو ما  يزيد الاحتقان والأحقاد ولا يرقى لمعالجة الكارثة التي تهزّ بلداننا. وجدير بالذكر أن أخطاء “غرابيب سود” شهدنا نفسها بالعام 2014 في مسلسل “حلاوة روح” الذي اقتصرت أحداثه على عن تنظيم القاعدة فقط، بينما كانت ميليشيا حزب الله اللبناني تجتاحُ مدناً وبلدات سورية تحت رايات طائفية بغيضة.

سطحية

تُجمع الآراء على أنّ خطر التنظيمات المتطرفة لا يقتصر على أفعالها فحسب،إنما الأخطر هو قدرتها على استقطاب الشباب والأنصار ضمن منهجية مدروسة ودقيقة تقوم على غسل الأدمغة، واللافت أن مسلسل “غرابيب سود” أورد بشكل عابر بعض تلك الأساليب مثل استغلال الدكتاتورية والبطالة، لكنه عاد سريعاً إلى خطّه الرئيسي الذي يختصر المشكلة بمجرد نزعات وشهوات جنسية و”بيدوفيليا” مقزّزة، وفراغ ناتج عن الشعور بالملل!.

من السطحية والاستسهال أن يحصر العمل ظاهرة التطرّف بهذا الإطار، أو أن يقدّم مثالاً على التشدّد الديني من خلال راقصة في نادٍ ليلي تتعرض للتهديد من ابنها المتعصّب، وكأن الرقص في النوادي الليلية مهنة شائعة للمرأة العربية، والمتطرفون هم وحدهم الذين يعارضونها. وبالتالي، كل من يعترض على أن تعمل والدته بالنوادي الليلية هو بالضرورة متشدّد دينياً، وهذا تزوير كبير للواقع ينم عن جهل القائمين على المسلسل، ولعلّ هذا المبالغات قد تدفع بعض الحائرين في موقفهم، إلى التعاطف مع التنظيمات المتطرّفة عندما يرون كمّ التجنّي على المجتمع الذي تحمله هذه الأعمال أحادية الرؤية.

أكذوبة “جهاد النكاح”

إحدى المغالطات المفضوحة في مسلسل “غرابيب سود” هي تبنّيه لأكذوبة “جهاد النكاح” التي من المعلوم للقاصي والداني أنّها ليست سوى شائعة أطلقتها قبل سنوات قناة “الميادين” المملوكة لغسان بن جدو المقرب من حزب الله والنظام السوري، والهدف منها هو تشويه صورة الثائرين السوريين في مراحل الانتفاضة الأولى، أي قبل ظهور داعش والنصرة، ويمكن التأكد عبر يوتيوب من الفبركة التي اتبعتها الميادين باستخدام صور قديمة لمقاتلات كرديات في جبال قنديل على أنها لفتيات تونسيات قدمن إلى سوريا لـ “جهاد النكاح”، وإلى اليوم لا يوجد دليل واحد على هذه الشائعة المسيئة _ وهذا لا يعني تبرئة التنظيمات الإرهابية من الانتهاكات والجرائم بحق النساء_  لكن يبدو أنّ “جهاد النكاح” من المصطلحات “البيّاعة” في سوق الدراما ولهذا عمد صنّاع المسلسل، عن نيّة مسبقة أو جهل، إلى استثماره رغم ما يتضمّنه من إساءة للمرأة العربية والمسلمة عموماً!.

استخفاف بالعقول!

يصوّرالمسلسل تنظيم داعش الإرهابي على أنه مجرّد مسلخ للبشر وبيت للدعارة، وهذا يتضمّن الكثير من الاستخفاف بعقول المشاهدين،إذ استطاع  هذا التنظيم الإرهابي في زمن قياسي احتلال مناطق تفوق مساحة بريطانيا ، وبات الشغل الشاغل للعالم ودفع دولاً كبرى إلى توحيد جهودها وتشكيل تحالف لمواجهته، ولذلك لا يمكن اختزال خطورته وقدراته بهذه البساطة والهشاشة، ولعلّ الرأي الذي قدّمه الزميل عروة الأحمد حول قدرات التنظيمات الجهادية كالقاعدة يفي بتوضيح هذه النقطة، حيث قال: “تصوير تنظيم القاعدة بتلك السطحية هو استسهال وبروبوغندا مبتذلة. تنظيم القاعدة مؤسسة متينة تضم العديد من الأكاديميين بين قياداتها، والتجنيد فيها من مسؤولية مختصين في غسل الأدمغة، والتأثير في عاطفة الآخرين كلّ حسب فئته العمرية، وميوله.

إن سرد حقيقة العدوّ لا يعني إجلاله، وما تشويه الحقيقة إلا تقزيمٌ لصانع المادة، واستخفاف بعقل المتلقي. لو كان تنظيم القاعدة بتلك الهشاشة التي تناولها نص “غرابيب سود” لتهاوى منذ زمن، ولكُشفت كل خباياه الغامضة.”

التطرف نتاج عربي!

يُظهر مسلسل “غرابيب سود” أن التطرّف هو نتاج البيئة العربية فقط، _على الأقل بالنظر إلى الحلقات التي عرضت حتى الآن_، فيما الواقع مخالف لذلك، إذ تشير الكثير من التقارير الغربية إلى أن آلاف الجهاديين الأجانب الذين قدموا إلى سوريا والعراق ولدوا وعاشوا في دول أوروبية. وهو ما تحدّث عنه مؤخراً مسؤول عربي بارز عندما أشار إلى أنّ هناك دولٌ أوروبية حاضنة للإرهاب والتطرف، وأنّ 60% من المنضمين لداعش يأتون من تلك الدول، داعياً حكوماتها إلى الوقوف على مسؤولياتها في مواجهة التشدّد بدل توجيه اللوم إلى الدول العربية والإسلامية. وهذا موقف جريء ومحق لم نشهده سابقاً بين المسؤولين العرب.

إذاً، العبرة ليست في المبالغة بتصوير حجم الدموية والظلامية والجهل لدى التنظيمات الإرهابية، بل بمقدار المعالجة الصحيحة لهذه الظاهرة الهدّامة وتناولها بشكل موضوعي ومنصف، وتحليل الأسباب دون اجتزاءها، أما إذا كانت المسألة بالنسبة للدراما مجرّد مشاهد استعراضية لمعارك وتفجيرات وعمليات قتل وذبح، فكان بالإمكان عرض إصدارات داعش الوحشية بتقنياتها السينمائية “الهوليودية”، فهي أكثر تشويقاً وإبهاراً، لمحبّي “الأكشن والعنف”، من تلك الأعمال التي تعرض على الشاشات!.





Tags: محرر