د.يحيى العريضي: (تلفزيون الواقع) الترامبي يجعل أستانة كابوس بوتيني

د.يحيى العريضي: كلنا شركاء

 {أستانة 4 } حول القضية السورية كان الخبر الأول في الإعلام الإقليمي والدولي لأيام؛ هناك مذكرة تفاهم عن تخفيف منسوب القتل والدمار في سورية. تم الشغل ربما على أن يسود انطباع بأن الأمور هذه المرة مختلفة عمّا سبقها. لم يبقَ نوع من الاتفاقات: “وقف إطلاق نارCease-fire “، “تخفيف العداوة cessation of hostility”، “هدنة Truce “، ” ؛ إلا واستخدمت كأوصاف للمحاولات للتغطية على  “الهولوكوست” السوري؛ وكلّها باءت بالفشل. وأخيرا رست التسمية على: ” الحد من  التوتر أو التصعيد De-escalation of tension ” . واضح أنه كان لاستخدام أسماء مختلفة لتوصيف فعل واحد اسمه “وقف القتل والدمار” دلالة تعبر عن غياب إرادة أو قرار أو عجز عن القيام بذلك الفعل. كان الروس أنفسهم قد تولوا عملية الخداع الإعلامية في الحديث المستمر عن “حل سلمي”، والاستمرار- في الوقت ذاته-  بممارسة القتل والدمار. كان لكثيرين مصالح في هذه الإزدواجية؛ وعلى رأسهم منظومة الحكم في دمشق بحكم ارتباط استمرارها باستمرار النزف. تاتي إيران في المرتبة ذاتها، لأن مشروعها لا يكتمل إلا على رفاة مكان تواجدها. وفي المرتبة التالية تأتي روسيا التي ما فتئت تستخدم الورقة السورية وديمومة نزفها لاجراء مصافقات على ملفاتها الأثقل في اوكرانيا وغيرها.

ما الذي تغيّر لتكون مذكرة {أستانة 4} مختلفة عما سبقها؟ هل السر في محتواها… بحيث أتى ليخدم اولئك الذين نسفوا أي اتفاقية تمت حتى الآن فأتى محتوى هذا الاتفاق منسجما وملبياً لما تتطلعوا إليه في اي اتفاقية؟ وهل يلبي هذا الاتفاق الحد الأدنى الممكن والمتمثل في “سورية المفيدة” الذي وصل إليه أخيراً بوتين وخامنائي والأسد بعد يأس من الحصول على كل سورية تحت قبضة الحديد والنار؟ وهل فعلاً يحقق لهم اتفاق {أستانة 4} هذا الحد الأدنى؟ وهل أي من القطع الأربعة التي سُميَّت مناطق هدوء قابلة للعيش أو لأي هدوء فعلي؟ وهل سيعيش هكذا اتفاق رغم انه يلبي الحد الأدنى من متطلبات ثلاثي الاستبداد الأسدي الروسي الإيراني؟ أم أننا أمام اتفاق يشبه ما قبله ولكن تم للتجاوب مع إنذار غدارة ترامب: للهروب منها أو التلاعب بها ؛ فلا فصائل الثورة في حال أقوى، ولا منظومة الأسد وجدت طريقة أخرى غير البراميل للبقاء، ولا إيران تخلت عن مشروعها الإقليمي في السيطرة على محيطها، ولا اصدقاء سورية قرروا فجأة أن يزودوا ثوار سورية بمضادات طائرات رغماً عن امريكا، ولا روسيا قررت فجأة ان تكون رحيمة بسورية وتنهي احتلالها، ولا، ولا، ولا…..  .

إنها التجاوب مع المتغيرات الأمريكية حصراٍ، ولكن الروس قرروا ربما هذه المرة أن يكونوا أذكى ويعطوا الإيحاء بأنهم يتجاوبوا مع اتهام وزير الخارجية الأمريكية “تيلرسون” لهم بالفشل في معالجة ملف عُهد لهم به. قرر الروس ان يتجاوبوا ولكن عبر لعبة مذكرة تفاهم أستانة أربعة. المفارقة الآن أن هذه اللعبة ستتحول إلى حقيقة وواقع.  رغم الخروقات الفورية إلا ان الجهة التي صُنعت {استانة4} من أجلها وتحديدا إدارة ترامب ستعتبر المسرحية هي الواقع – أليس دونالد ترامب أحد أهم المغرمين بـ “تلفزيون الواقع” وأحد أهم أبطاله؟- أستانة 4 ستتحول إلى واقع وسيكون الهدوء وسيكون  الدفع باتجاه حل سياسي حقيقي. ستحول الحديث الزائف للروس والايرانيين وآخرين عن حل سلمي وابتعاد عن حل عسكري إلى واقع. وكي يكون ذلك لابد من أن يكون “الضامن” ضامناً فعلاً. وبالدرجة الأولى أن يضمن الضامن نفسه؛ والأمر هنا ينطبق على روسيا ذاتها، وعلى إيران التي حوّلتها روسيا – بكل “عبقرية”-  إلى ضامن.

قد تغصب روسيا نفسها وتظبط أفعالها في سورية؛ وربما تتمكن أيضاً من ظبط إيقاع نظام الأسد؛ ولكن ما لن تتمكن من ظبط إيقاعه هو الفعل الإجرامي الإيراني وتحكمه بمنظومة الأسد، ودفعه لتلك المنظومة لارتكابات وخروقات لا بد منها من أجل البقاء. وهذا يفسر الخروقات الفورية للاتفاق رغم سريان مفعوله. هنا ستجد روسيا نفسها بين أكثر من مطرقة وأكثر من سندان؛ إن هي غضت الطرف عن الخروقات، أمرها مكشوف وضماناتها وتعهداته في مهب الريح تكرس “الفشل” الذي استخدمه الأمريكيون في توصيفها؛ وإن هي وقفت في وجه الخروقات، فالمواجهة مع إيران حتمية؛ وهذا بالظبط ما تريده امريكا.  لا بد أن جزءاً من تعهيد القضية الروسية للسيد بوتين قد تضمن تدبر أمر إيران. وبوتين أراد أن ياكل الفطيرة ويحتفظ بها- كما يقول المثل- إدارة اوباما، ولأسباب تتعلق بالاتفاق النووي أشاحت بطرفها عن هذه اللعبة البوتينية، إلا أن أوباما شيء وترامب شيء آخر.

بإمكان بوتين أن يستمر باللعبة؛ لكن كلفتها عليه ستكون اكبر بكثير من لعبة تلفزيون الواقع التي تستلزم مشهداً واقعياً لا درامياً مع إيران.ترامب –حبيب السيد بوتين- يحب تلفزيون الواقع.

 أستانة التي أرادها بوتين محطة او لعبة أو مشهداً لتقويض “جنيف” ولتمييع أي جهد حقيقي لإيجاد حل سياسي واقعي وطبيعي وإنساني للمسألة السورية خارج إطار ما يريده بوتين من إعادة تلميع الإجرام قد يتحول إلى كابوس أو ملامحه الالتزام الفعلي بالتوقف عن رمي السوريين بالقنابل العنقودية والبراميل والميليشيات الإيرانية. المواجهة مع إيران حتمية.