on
حسين عبد الحسين: (خط ماتيس) في بادية سوريا
حسين عبد الحسين: المدن
لا يخفي المسؤولون الأميركيون يقينهم أن أيام سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” على أراض في العراق وسوريا صارت معدودة، وأن التنظيم سينقلب بعد ذلك إلى حرب عصابات وشن هجمات ضد التجمعات السكانية.
وانهيار سيطرة “داعش” على شمال سوريا الشرقي، بالتزامن مع انهياره في شمال العراق الغربي، يفتح الصراع على تقاطع طرق إقليمي لطالما أثار حروباً ونزاعات دموية، منذ مواجهات جيوش مؤسس السلالة الفارسية الساسانية ارضشير، مع قوات روما في القرن الثالث الميلادي.
منذ غابر الأزمان، يسعى حكام شرق دجلة الى السيطرة على خط بغداد دمشق للحفاظ على منفذ لهم الى الساحل، فيما يسعى حكام غرب الفرات إلى قطع هذا الخط واستبداله بخطوط تجارية بديلة، إما عبر الفرات حتى مصبه في رأس الخليج، أو من دمشق ودرعا، فالأزرق، مروراً بوادي سرحان، فتيماء حائل، باتجاه المنطقة السعودية الشرقية، المعروفة تاريخياً بالاحساء.
تاريخياً أيضاً، سعى أباطرة روما المتعاقبين على إنشاء خطوط دفاعية امتدت من بترا جنوباً، مروراً ببصرى، وصولاً إلى تدمر شمالاً، فرصافة سوريا. وحمل كل خط دفاعي اسم الإمبراطور الذي أنشأه، وكان يحمل غالباً اسم طريق باللاتينية، أو “ستراتا”، ومنها كلمة الصراط في سورة الفاتحة.
بعد قرون من الزمن، عاد الخط الدفاعي الامبراطوري في أراضي العرب ضد الغزاة الفرس. هذه المرة، يشرف على هذا الخط وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، المعروف بثقافته التاريخية وسعة اطلاعه. هذه المرة، لا يحتاج ماتيس إلى خط يمتد من بترا بموازاة أخدود البحر الميت شمالاً حتى بصرى فتدمر، فالأردن دولة حليفة لأميركا، واختراق أراضيها صعب بالنسبة لحكام إيران.
وفي شمال العراق، تعول أميركا على الأكراد لقطع اي امتداد فارسي باتجاه المتوسط. هذا يعني أن “خط ماتيس” سيمتد من مثلث الحدود السورية – الاردنية – العراقية، أي التنف، شمالاً باتجاه ديرالزور، مع ما يعني ذلك من سيطرة حلفاء الولايات المتحدة على الأراضي السورية التي يتم طرد “داعش” منها شرق الفرات.
تحالف ايران وروسيا والرئيس السوري بشار الأسد أدرك نوايا ماتيس استراتيجياً، فراح يسعى الى تقويضها بمحاولة وصل الميليشيات الموالية لإيران في العراق مع نظيرتها في سوريا. أعلن هذا التحالف أنه أدرك غايته بالسيطرة على نقطة على الحدود السورية العراقية على بعد 100 كيلومتر شمال التنف، وإذا صحّ ذلك، يعني أن إقامة “خط ماتيس” صار متعذراً.
لكن الموضوع يبدو أعقد من دعاية محور الأسد وحلفائه، فماتيس عزز قواته عددياً وتسليحياً في التنف، وتمدد 75 كيلومتراً شمالاً باتجاه الزكف. صحيح أن الوصول إلى ديرالزور سيتقاطع حتمياً مع قوات محور الأسد، إلا أن واشنطن لا تبدو قلقة من أي التحام من هذا النوع، وهو التحام سيأتي فور إتمام الاميركيين إقامة خطهم الدفاعي، وتحصينه، وبناء قوات مستعدة للتمدد شمالاً باتجاه ديرالزور لانتزاعها من “داعش” والسيطرة عليها.
في السنوات الماضية، صبّت كل انسحابات مقاتلي “داعش” في مصلحة قوات الأسد وحلفائه، والتي يبدو آخرها في محيط ديرالزور لفك الحصار عن جيب لقوات الأسد كان محاصراً بالقرب من المدينة الشمالية الشرقية. إلا أن “داعش” لم يعد قادراً على ترجيح كفة فريق عسكري ضد آخر، ومن المرجح أن يواصل إنهياراته، فيما تتسابق الاطراف الاخرى على السيطرة على الأراضي التي يخليها.
أما هوية القوات السورية المقاتلة في صف الاميركيين، فيبدو أنها تتوسع، بصمت، لتشمل عرباً كثيرين من غير الأكراد. من هؤلاء، يشير الخبراء الاميركيون الى “أسود شرق البادية” (أسود الشرقية) وغالبيتهم من المنشقين عن الجيش السوري، فضلاً عن “مغاوير الثورة”، وعدد من مقاتلي العشائر المحلية.
لن تستخدم أميركا قوتها العسكرية للزحف على دمشق، لكنها ستستخدمها لمنع الأسد وحلفائه من الزحف على البادية شرق سوريا، وفي الغالب ستقيم منطقة عازلة تقطع فيها خط بغداد دمشق، وتسمح فيها لمعارضي الأسد بالإقامة الآمنة حتى اشعار آخر.
أما أولى بوادر استخدام القوة العسكرية الاميركية لمنع الأسد وحلفائه من الزحف شرقاً فظهرت جلية في قيام مقاتلة “اف 18” اميركية بإسقاط “سوخوي 22” روسية تابعة للأسد، كانت تغير على حلفاء أميركا من الميليشيات الكردية، وهذه المواجهة الجوية الأولى من نوعها بين أميركا والأسد.
ستحاول الولايات المتحدة الركون الى قوتها الجوية و”القوات الخاصة” لدعم حلفائها في البادية السورية. لكن إن تعذر مزيج القوة هذا في ردع الأسد وإيران، لن تتوانى واشنطن عن اقحام المزيد من القوات الأرضية في حرب تدور في أراض مفتوحة لا مدن فيها، وهي معارك عادة ما تحوز فيها الجيوش النظامية أفضلية على الميليشيات، ويبدو أن أميريكا اليوم مستعدة لهذا النوع من المواجهات.