on
Archived: د.يحيى العريضي: أردوغان و بشار الأسد؛ هل للصلح مطرح؟
د.يحيى العريضي: كلنا شركاء
مثل كثير من الدول, جروح تركيا كثيرة؛ أعمقها الأخدود الكردي في الجسد التركي. في كثير من الأحيان ذلك الوجع يحدد طبيعة التنفس التركي أو الاختناق. عام ثمانية وتسعين, كادت تركيا أن تصل إلى دمشق لالتقاط أوجلان. و كان حافظ الأسد سريع الاستجابة. طرد الرجل, وسلّمهم خريطة القبض عليه. عنّف حافظ الأسد تسريب علي دوبا صورة لأوجلان مقابل مليوني دولار معتبراً أن الثمن يجب أن لايقل عن المليارين. أخذ على أي حال ثمن ذلك فترة عسل لوريثه امتدت حتى 2011. بعد التاريخ الأخير, فتحت أبواب جهنم على العلاقات العسلية فتحولت إلى اسفلت يحترق. حتى علاقات تركيا مع حُماة الأسد وعشاق الديكتاتورية في الحضيض. وخاصة إيران و روسيا.
مع التحركات الكردية يعود تقيّح الجرح التركي. وضع أردوغان كبرياءه جانباً؛ لاطف إيران؛ وأعاد ما انقطع مع إسرائيل؛ وحجّ إلى الكرملين, وملأت الأجواء روائح و أصوات تُشيع إمكانية التقارب مع نظام الأسد. كثيرون رأوا ذلك ممكناً؛ ولكن كثيرين أيضاً يرون ان تحمل وحتى قبول الوضع الكردي يمكن أن يكون ممكناً, ولكن عودة أيام العسل مع الأسد أقرب إلى المستحيل, رغم القول الرائج ان في السياسة ليس هناك عدوات أو صداقات دائمة.
الأمر هنا مختلف تماما, ولأسباب كثيرة:
-إذا فكرنا بالمسألة الكردية – هاجس تركيا وجرحها النازف أبداً – والدور الذي يمكن أن يلعبه نظام الأسد تجاه هذا الموضوع \طالما لعبه تاريخيا\ فان آخر من يمكن أن يؤثر فيه هذه الأيام هو نظام الأسد. الشاهد على ذلك ما حدث في الحسكة, فبعد التنسيق مع جهات كردية لأذى تركيا أراحت نظام الأسد, تراه مؤخراً يحتاج إلى من يحل له مشاكله معهم.
-أما روسيا، التي استفاد النظام من التوتر بينها وبين تركيا أيما استفادة، فتراها تبدأ فترة عسل وتنسيق مع تركيا تجعل من نظام الأسد تفصيلاً تافهاً رغم “البروبوغندا” الصاخبة حول التأثير الروسي على تركيا بهذا الصدد.
-الأمر ذاته يمكن سحبه على العلاقة بين داعمة الأسد الأساسية, إيران, وتركيا, فمهما كانت المصلحة الإيرانية في سورية, فإن إيران وصلت إلى مرحلة من التصرف في الوضع السوري دون الاكتراث بالأسد وما يريد. وإن وجدت ايران نفسها في وضع مفاضلة بين علاقة مميزة مع تركيا والأسد, فترجيحها للأولى واضح؛ وخاصة ان وجع إيران الكردي يتقاطع مع الوجع التركي في القصة ذاتها.
-و إذا ما نظرنا إلى الجنى الاقتصادي من هكذا علاقة, فان الافلاس الأسدي لا يشجع حتى دولة حثالة إلى التطلع لهكذا علاقة. و إن كانت مسألة إعادة الاعمار هاجساً تركياً, فانها لن تكون عبر الأسد لو اجتمعت كل “سيرومات” العالم لتعيد الحياة إليه.
-في الجانب الاجتماعي والعلاقات التاريخية فان لبشار الأسد من الأعداء بين السوريين ما يحتاج إلى مليون عام لمحو بعضها؛ فلا أحد يمكن أن يتصور مقايضة علاقة مع قاتل مقابل علاقات من ملايين السوريين.
-وتبقى المسألة الأخطر والتي لا تستطيع تركيا ( ولا حتى إيران أو روسيا اللتان تسعيان للنأي بنفسيهما عنها) أن تربط نفسها مع نظام تجاوز النازية وكل مرتكبي جرائم الحرب في التاريخ البشري.
إذا كان لابد من التخمين أو التوقع لما ستؤول إليه الأمور بين تركيا ونظام الأسد, فلا بد من الحديث عن عكس تلك التخمينات والتوقعات, والعكس يتمثل بارتياح تركي تجاه روسيا و إيران قد يأخذ مفاعيل التعجيل بالخلاص السوري من القتلة؛ فمع تحرر تركيا قليلاً من ضغوطات حُماة النظام, وخاصة ترميم الأمور مع أمريكا بعد زيارة نائب الرئيس “بايدن” فان تركيا أكثر حرية بإراحة نفسها, وربما المساهمة والمساعدة باراحة السوريين.
لقد وعد الأسد أردوغان بان حلب ستكون مقبرة للأخير, ولا ندري مقبرة من ستكون في ضوء ما حدث ويحدث مؤخراً؛ ويبقى الأمر المؤكد على أي حال الصلح ليس مسألة امنياتية, وخاصة عندما تكون المرابح صفر والخسائر بلا حدود. مع القتلة, ليس للصلح مطرح.
Tags: سلايد