Archived: د. وليد البني: التوغل التركي في الشمال وأبعاده

د. وليد البني: كلنا شركاء

بعد تريث طويل جداً حسمت تركيا أمرها وقررت التدخل عسكريا في سوريا، فقد ارسلت تركيا دباباتها الى داخل الحدود السورية وسمحت لمجموعات من المعارضة المسلحة استخدام الأراضي التركية لشن هجومها على جرابلس وطرد داعش منها ، الأمر الذي تم بسرعة غير متوقعة حيث تبخرت قوات داعش فجأة ودخلت قوات المعارضة جرابلس خلال ساعات تقريباً و دون خسائر تذكر  . 

ولكن ما هي مبررات التدخل التركي ولماذا الآن  ؟؟.

لقد انتهجت القيادة التركية سياسة حذرة جدا تجاه سوريا  على الصعيد العسكري والتزمت التنسيق  الكامل مع الولايات المتحدة فيما يتعلق  بتسليح قوات المعارضة السورية والتحكم بكم الأسلحة الواردة اليها ونوعيتها ، بينما مارست اسلوبا حاداً سياسيا وإعلامياً ضد تظام مافيا الاسد  تميز بالنبرة العاطفية عند مخاطبتها الشعب السوري والمعارضة السورية ،كما سمحت  للمعارضة السورية بمختلف تشكيلاتها السياسية والعسكرية أن  تتخذ من استنبول  وبقية المدن التركية الحدودية مراكزاً  لها ولمؤسساتها. لكنها ورغم التصريحات القوية   التي أطلقها الرئيس اردوغان على مدى السنوات الخمسة الماضية من عمر الثورة السورية  من قبيل أن تركيا لن تسمح بحماة أخرى في سوريا ، وأن وصول عدد اللاجئين السوريين الى مئات الآلاف سيعتبر خطاً أحمر لا يمكن لتركيا القبول به  ، إلا انها لم تقم بأي تحرك  جدي ولم تخرج عن الخطة الأمريكية  المرسومة حتى بعد  وصول أعداد اللاجئين الى الملايين الستة وحدوث مآسي أكثر ايلاماً وتكلفة على الصعيدين المادي والإنساني  من مجزرة حماة في الكثير من المدن السورية ، بل وبقيت تركيا ملتزمة بالشروط والقيود الأمريكية التي تحدد  الكم والنوعية للأسلحة  التي ُيسمح بمرورها عبر الحدود التركية وتوقيت هذا المرور  الى المعارضة المسلّحة( والتي ثبت أن الغاية منها ليس اسقاط الأسد أو انتصار الثورة ،  بل إطالة أمد الحرب  والتحكم بموازين القوى وعدم تمكين اي طرف من الإنتصار)  رغم التدخل الروسي والايراني المباشر والعلني لصالح دعم نظام مافيا الأسد عندما شارف على السقوط قبل حوالي العام. 

لكن ما الذي حصل مؤخراً حتى اتخذت القيادة التركية قرارها بإرسال دباباتها وجنودها الى داخل الأراضي السورية ودعم بعض فصائل المعارضة لاستعادة جرابلس من يد داعش،  ومواجهة قوات ال PYD المتمددة في منطقة  غربي الفرات في الشمال السوري؟؟؟؟.  

السبب الأكثر ترجيحاً للخطوة التركية هو تقدم  قوات ال PYD الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني بدعم علني من قبل الولايات المتحدة  وسيطرتها على معظم الحدود السورية التركية وإمكانية نجاحها في تشكيل كيان كردي يصل الى البحر على طول هذه الحدود  ما قد يتيح  لل PKK  الحصول على قواعد عسكرية في الأراضي السورية  تسهل له هجماته ضد الأهداف التركية في حربه الإنفصالية التي يخوضها منذ عشرات السنوات،  هذا التقدم وما يحمله من مخاطر اعتبرتها تركيا   تجاوزاً للخط الأحمر الحقيقي الذي لم يكن من الممكن للحكومة التركية أن تسمح بتجاوزه ، الأمر الذي دفع الأتراك  الى إعادة حساباتهم  والعمل على دراسة إمكانية  تدخلهم العسكري  في سوريا لحماية مصالح  وأمن تركيا القومي عندما تعرض للتهديد الجدي ،  حتى لو تطلب ذلك استدارة  تركية  نحو كل من روسيا واسرائيل الخصمين اللدودين لتركيا وسياساتها في سوريا ، وهو القرار الذي اتخذه اردوغان قبل حصول الانقلاب الفاشل ضد حكمه وردة الفعل الأمريكية التي لم ُتبدي موقفاً امريكياً قويا متضامناً مع اردوغان  ضد الإنقلاببين والتي شكلت عاملاً إضافيا كان له تأثيراً  كبيراً في تسريع الخطوة التركية  . 

علينا كسوريين ان لا نُحَمِّل الخطوة التركية  أكثر مما تحتمل ، فهذا التدخل جاء بالتنسيق مع الروس والإيرانيين وبعد موافقة الإدارة الأمريكية التي فضلت التضحية بحلفاءها الأكراد على إمكانية  خسارة تركيا حليفها القوي في المنطقة وعضو الناتو وصاحب ثاني أكبر جيش بين أعضاءه،  وبتفاهم غير معلن مع النظام من خلال الوسيط الايراني . 

 إن هذا التوغل سيكون مضبوطاً  وضمن حدود التوافق الذي جرى بين الأتراك والروس والايرانيين والأمريكيين ولن يؤدي الى أكثر من ضمان المصالح القومية التركية على حساب ميليشيات ال PYD والطموحات الإنفصالية الكردية في سوريا  ،  ، لكنه لن يوقف الحرب السورية ، ولن يكون هدفه  اسقاط نظام الاسد والمساعدة على تأمين  انتقال سوريا من الاستبداد الى الحرية،  ولن يُخرج إيران وميليشياتها الطائفية  من بلادنا ، وبالتالي لاتزال مهمة السوريين في الحفاظ على وطنهم واستعادة حريتهم وسيادتهم ،  بعيداً عن الطغاة والظلاميين  والمحتلين الأجانب صعبة ومعقدة  ، وتحتاج الكثير من الحكمة والحنكة السياسية ، كما تتطلب التوقف عن المراهنة على حسن نوايا الآخرين  في تحقيق أهداف وتطلعات الشعب السوري . 

إن أي تحرك من أي نوع تتخذه الأطراف الفاعلة على الساحة السورية هدفه خدمة مصالح أصحابه بالدرجة الأولى،  وإمكانية الاستفادة من هكذا تحرك  لخدمة سوريا ومصالح شعبها  تتطلب استقلالية قرار ومهارة وقدرة على تبادل المصالح مع هذه الأطراف ، كما أصبح من الضروري التوقف عن المراهنة على حسن نوايا هذه الحكومة او تلك ففي عالم السياسة  هناك مصالح وليس نواياحسنة  ، والجميع  يتنظر أن  يسفر تحركه عن نتائج   تخدم مصالحه  وليس عن  أعمال صالحة و حسنات تسجل في صحيفة  أعماله التي  يلقى بها ربه يوم القيامة  . 

 





Tags: سلايد