on
Archived: د. يحيى العريضي: من الخلف؛ أمريكا تلعب بالجميع
د. يحيى العريضي: كلنا شركاء
روابط دم تجمع السوريين والروس, فربع مليون زيجة بينهم، ولايقل عن نصف مليون سوري يحملون بعض الجينات الروسية؛ وما توّقع سوري أن يُضرَبَ من قِبَل روسي بوردة، لا أن يرتكب جرائم حرب بحقه مهما علّت المصالح القومية أو الوطنية؛ ولا توقَّعَه أن يحمي نظاماً قاتلاً لشعبه لخمس سنوات متواصلة. للسوري تم تصوير أمريكا على أنها العدو؛ فهي التي تساعد محتل الأرض ومغتصب الحقوق؛ وما خطر للسوري أن تكون أمريكا يوماً صديقا.
في اجتماع مع بعض ممثلي المعارضة السورية نصح “مايكل راتني” المجتمعين أن يذهبوا إلى الروس؛ فملف سورية بين أيديهم. رأى البعض أنه لو نصحهم في الذهاب إلى إسرائيل, لكان ذلك أهون عليهم, وربما عملياً أكثر و أجدى.
صحيح ان الأمريكيين نأوا بأنفسهم عن المسألة السورية ورموا بالملف الدموي إلى أحضان الروس, ولكن نصيحة راتني ما كانت بأي شكل تعبير عن النأي بالنفس وعدم انخراط أمريكي، بل كانت تعكس مسلك المطابق الهادف إلى مزيد من الشرذمة والإهانة ونسف المصداقية. ومن هنا ليس غريباً انتقاء نائب وزير خارجية روسية بعض المعارضة الاشكالية المتمركزة حول ذاتها واللقاء بها في قطر ضارباً عرض الحائط بتلك المعارضة التي اعتمدها المجتمع الدولي لتكون فريق تفاوض.
يبدو أن اجتماع كل من راتني و بوغدانوف كان منسقاً بتواقته؛ فالأمور بين الفريقين الروسي و الأمريكي غير مقتصرة على الدبلوماسية والسياسة؛ ولو كانت كذلك ومؤذية لتحملّها السوريون, ولكن يبدو أن التنسيق على مستويات دموية كبرى لا يتحملها أحد. إنه تنسيق الدم والدمار والبعثرة لبلد وشعبه.
لقد أظهر الجانبان أنهما غير متوافقين في كثير من القضايا المتعلقة بالشأن السوري؛ وتبقى القضية الأشهر التي قد اتفقا عليها هي سحب ترسانة “النظام” الكيماوية بتنسيق ومباركة روسية وزغردة إسرائيلية،وغصة سورية شعبية.
طموح بوتين لا يخفى على مراقب؛ وليس خفيا انه يعتبر الغرب مسؤولا عن انهيار الاتحاد السوفيتي؛ وليس ذلك الفساد الذي استشرى في خلايا النظام الشيوعي، حيث لم يُذرَف دمعة على ذلك الانهيار. مقاربة بوتين للتطورات والأحداث العالمية على هذه الخلفية وبعقلية الحرب الباردة لن تفيد بوتين, بل ستعقد أموره أكثر. فعندما تقول الولايات المتحدة وتتعامل مع روسيا على أساس أنها “قوة اقليمية كبيرة” فان ذلك ليس من باب السخرية أو الدعابة وانما بناء على استراتيجية سياسية ارتسمت أمريكياً والسيد بوتين يساهم بتأصيلها.
ان مسلك بوتين العبثي في أوكرانيا لا يُعتبَر أمريكياً قضية كبرى؛ فأوكرانيا تبقى في النهاية مسألة أوروبية؛ ولكن عندما تأتي الأمور إلى سورية, ففي الظاهر شيء وفي دهاليز السياسة والاستراتيجية، القصة مختلفة تماماً، تحديداً بحكم العامل الإسرائيلي والتاريخ والجغرافيا السياسية والعسكرية معاً. في المسألة السورية تتعامل أمريكا مع روسيا كأقل من شريك وأكثر من متعاقد وظيفي؛ أيضاً بسبب العامل الاسرائيلي. ولا يمكن لروسيا أن تقوم بشيء في سورية إلا إذا كان منسقاً مسبقاً مع إسرائيل قبل أن يُنسق مع أمريكا؛ فيرى البعض- على سبيل المثال- أنه لو لم يستخدم بوتين الفيتو في مجلس الأمن لحماية بشار الأسد لكانت أمريكا ذاتها وبفعل اسرائيلي استخدمته.
ان توقيع اتفاق التدخل الروسي في سورية, ومسلك الروس الوحشي تجاه ذوي القربى من السوريين, والقصف الروسي التدميري للمدنيين والمشافي. واستخدامهم الأسلحة المحرمة من عنقودية وكيماوية, وتنسيقهم مع إيران, وتدخلهم السافر الاستفزازي في شؤون المعارضة, ما كان ليحدث دون مباركة خفيّة أمريكية. في هذا السياق يمكن فهم مخاطبة راتني وبوغدانوف للمعارضة. فلا أوباما ولا الآلة الساسية الأمريكية على درجة من الغباء كي تشيح الطرف عن منطقة غاية في الحساسية لها و لربيبتها اسرائيل. ان وضع الملف السوري باليد الروسية عمل مبرمج سيأخذ لاحقاً بطريقه إيران وخاصة مع التطورات الحديثة باستخدام قاعدة همدان الإيرانية.
حتى الآن استطاع بوتين أن ينفذ المهمة تقريباً على أكمل وجه. ها هي أوروبا تُحيَّد؛ وها هي تركيا تُهَزُّ جيئة وذهاباً؛ و ها هي روسيا تبتلع الطعم بأن تركيا يمكن فك حبل مشيمتها عن النيتو و أمريكا؛ وها هي إيران تعتقد أن أوراق اعتمادها التي تواجه صعوبات في طريقها إلى الغرب كمعتمد له في الشرق تستند إلى البديل الشرقي المغشوش، حيث ستكتشف لاحقاً أن ذلك لن يحرمها الوكالة فقط، بل لن يحميها من التبعثر الداخلي.
الأمر الوحيد الذي لا يزال يعكّر الصفو الأمريكي – الاسرائيلي هو أن فشل بوتين لن ينعكس على روسيا وكل من يتعاقد معهم اقليمياً بل على أمريكا واسرائيل ذاتهما؛ لأن الجميع أقام عقدة طبيعية تتمثل بالاصرار على ازاحة أو إزالة شعب والإبقاء على طغمة تملأ قارباً صغيراً. لقد كسب الأمريكيون والإسرائيليون ما فيه الكفاية؛ أحرقوا مراكب الجميع, ولكن ان استمروا بجعل الوقود دم السوريين, فلا بد أن يطالهم الحريق.
Tags: سلايد