Archived: د. يحيى العريضي: قصة الحسم العسكري واللعب بالإرجوحة الدموية

د. يحيى العريضي: كلنا شركاء

  في الاسبوع الأخير من الشهر الماضي، وبعد إعلان روسية وإيران ومن يحمونه في دمشق عن حصار حلب وعن مبادرتهم “الطيبة” في فتح ممرات لتقديم صكوك استسلام وركوع؛ حدث ما نغّص عليهم جميعا حساباتهم ووضعهم أمام حقيقة انقلاب السحر على الفاجر. وهنا تداعت القوى الاممية وبدأت الحديث عن حصار للمدنيين يفرضه “الارهابيون” الذين يجب أن تحاربهم قوى الارض؛ لتصل الأمور بالقيصر أن يتحدث عن ثلاث ساعات هدنة يومياً، ومن جانب واحد. يفعل ذلك مشتركاً مع طائرات إلإجرام الاسدية باستخدام الفوسفوري والعنقودي؛ وصغيره في دمشق يعود لاستخدام الكيماوي لقتل مدنيين سوريين في محافظة ادلب.

        كاد الجميع أن يستسلم الى مقولة إن الثورة انتهت والمعارضة انتهت؛ ولم يبق إلا الذهاب الى جنيف وتوقيع صك استسلام يكرّس بشار الاسد رئيساً أبدياً .,كانت تلك العبارة السحرية /لا حسم عسكري /للمسألة السورية قد رُكِلَلت جانباً؛ وأن الشباب حسموا الموضوع عسكرياً وانتهت القصة. فجأة وبعد ما حدث في حلب- نهاية الشهر المنصرم- واخترق الثوار الحصار- عادت الحياة الى تلك العبارة : /لا حسم عسكري / للمسألة السورية. يسوق من أعادوا إحياء العبارة تفسيرات ومرافعات حول تغيير الثوار للموازين تفيد بأن أوامر خارجية ودعم خارجي وإرادة خارجية تدخلت وأحدثت هذا التطور العسكري. ويجتهد آخرون بالقول إن الأمور على هذه الشاكلة لأن هناك قرار دولي بأن تستمر هذه الارجوحة الدموية المدمرة حتى تأتي على كل شيْ في سورية

        لا يعطي هؤلاء أي بادرة حسن نية أو ظن إيجابي أو تفكير طبيعي أن هؤلاء الذين كسروا الحصار فعلوا ذلك بقوة ذاتية واندفاع مقاوماتي لإحتلال يجثم على صدر سورية؛ ولا خيار أمام شعب يُضطهد وتُسلب حريته ويُقتلع ويُدَمَّر أو يُشرد إلا مقاومة كل ذلك بما تبقى له من قوة ؛ وهو بحكم طبائع الأمور منتصر.

       الحل واضح في كل أذهان من أياديهم بالقضية السورية ابتداءً من بشار الأسد ذاته، والذي يهرف بكلام ليس هو ذاته مفتنع به مهما كان على درجة من الانفصام والانفصال والوهم، مروراً بإيران وروسيا اللتان تبحثان عن صفقة رابحة مقابل رأس من تحميه بعد أن أيقنت أن العقدة الأساس في حل المسألة زوال تلك الطغمة التي تعيش على سيرومات الانعاش في دمشق.  

       الأكثر اقتناعاً بهذا المآل هم الروس اللذين تؤرقهم ملفات مؤلمة لا حصر لها لا تجد من يشتري رأس الاسد بسعر على الأقل دون خسائر. بالنسبة لإيران حتى الآن لم تحصل على اعتماد أمريكي بأنها رأس الحربة في الخليج وفي الجبهة الصينية – الهندية؛ الامر الخفي الذي يجعلها في منافسة ليس مع السعودية بل مع روسيا ذاتها. كل ذلك رغم وجود مَن يطمئنها بأن هذه المهمة تنتظرها برفقة بوتين. ولكن بعد أن تغلق أمريكا بعض الملفات السياسية وتتيقن إن الصدام الأمريكي – الصيني لا بد آت.

               وفي هذا السياق (المواجهة الأمريكية-الصينية)، لا بد ان المؤسسة الأخطر لدى أمريكا التقطت مركبات النقص لدى بوتين ورغبته بإعادة أمجاد الاتحاد السوفيتي وفهمت ان بوتين يعتبر الغرب مسؤولاً عن انهيار الامبرطورية السوفيتية لا انفصامها عن الشعب والواقع؛ فتركت بوتين يسبح بأوهامه وجعلت أوباما يظهر بمظهر المنسحب اللاواثق واللامبالي بالقضايا العالمية وتحديدا سورية. هذا دفع بوتين الى مستنقعات كثيرة وأخطرها سورية، فأختار الوقوف مع دكتاتور على شاكلته وزج بقواته احتلالياً ؛ وها هو يغوص في الوحول السورية؛ ليجد نفسه يراهن على خاسر قاتل لشعبه وفي منافسة مع ملالي قم ملوك العبث بمحيطهم، فلا هو يستطيع المتابعة إلا بشكل دموي وارتكاب جرائم حرب في بلد آخر، ولا هو يستطيع جَرّ أذيال الخيبة بعد أن تكشّف. الشبح المتوفر أمام ناظره على الدوام افغانستان الحفرة التي يجد نفسه مطلاً عليها للمرة الأخرى. وأمريكا ترتاح لسحبه ملالي التقية معه.

            ها هي الإرجوحة الدموية تعود للحراك في اليومين الأخيرين، ولكن بخبث بوتيني يكاد يفوق تقية الملالي السياسية، تراه يسحب إيران إلى مزيد من الانخراط الدموي معه عبر استخدامه قاعدة “همدان” ليطلق مدمّراته في الشمال السوري. أما أمريكا التي تطلق تصريحات بأنها لا تثق بالروس يوماً، وانها تناقش اتفاقاً معهم حول سورية في اليوم التالي، فتراها تقول لهم بان استخدامهم لقواعد في إيران مخالفة للقرار 2231 والذي وقعته إيران؛ وكأنها تريد فقط تكثيف فاتورة الابتزاز لاستخدامهما على جبهة أخرى دون الاكتراث بجرائم الحرب التي يرتكبانها في سورية. ولسوء طالع الجميع ربم؛ ها هي الصين تستبق الأمور وتلاقيهم في ساحة الإرجوحة الدموية.

           رغم الارباح التي تم جنيها من قبل الجميع إلا أن موسم الخسارة عبر اللإرجوحة لا بد آتٍ. لم يعد بالإمكان أن تزيد فاتورة الخسارة السورية؛ البلد وأهله لم يدفعوا المستحقات فقط، بل لم يعد لديهم ما يخسرونه على الإطلاق. لا بد للآخرين من البدء بدفع الأغلى، وهذه سنة الأمور ومآلها الحتمي.





Tags: سلايد